|
| مظاهرات كردية ضد قانون انتخابات مجالس المحافظات |
تصادف وجودي بمدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق مع تولي الزعيم الكردي جلال الطالباني منصب رئاسة جمهورية العراق للمرة الأولى في عام 2005، واحتفالا بهذا الحدث الهام على الصعيد الكردي نظمت احتفالات واسعة النطاق كان من ضمنها مسيرات حاشدة في جميع أنحاء المدن الكردية.
وأثناء تجوالي في المدينة سألت مواطنا: ماذا تريدون بعد أيها الأكراد بعد أن أصبح رئيس العراق كله كرديا؟! فكان رده التلقائي: تبقى كركوك، وتوقفت طويلا أمام إجابة الرجل، فهذا المواطن ترسخت في ذهنه كركوك، التي يجب -من وجهة نظره- أن تكون جزءًا من إقليم كردستان بل وعاصمة له، وقد تنبه لهذا الأمر مرجع ديني شيعي هو هادي المدرسي فطالب القيادات الكردية بعدم إثارة المواطنين الأكراد إزاء كركوك.
وكركوك إحدى العقد المستعصية أمام العملية السياسية بالعراق، وبالتالي كان يتم التعامل معها بأسلوب التأجيل، إلى أن جاء الوقت الذي لا يصلح معه أي تأجيل؛ حيث تهدد أزمة كركوك الحالية بنسف العملية السياسية بالعراق بأكملها.
اتهامات متبادلة
إن الأكراد يسيطرون على الأغلبية الكاسحة في مجلس محافظة كركوك، لكن المادة 24 من قانون انتخابات المحافظات العراقية، والذي قاطع التحالف الكردستاني جلسة التصويت عليه يوم 22 يوليو الماضي، نصت على توزيع مقاعد مجلس هذه المحافظة بنسبة 32% لكل من العرب والأكراد والتركمان، وتخصيص 4% للكلدوآشور (المسيحيون)، إضافة إلى بنود أخرى اشتملت عليها هذه المادة، مثل استقدام فرقة أمنية من جنوب ووسط العراق، وهنا كانت الثورة الكردية العارمة ضد ذلك؛ لأنهم لو استسلموا لهذا التقسيم فإن هذا سيصبح قاعدة مستقبلية، وبالتالي فإن الحلم الكردي بالسيطرة على كركوك يكون قد تبدد.
واجتمع البرلمان الكردي وأصدر بيانا أعلن فيه أن قرار البرلمان يشكل مخالفة صريحة للدستور العراقي، وبالذات لنص المادة 140 منه، والمعطوفة على المادة 57 من قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية، واستخدم جلال الطالباني سلطاته التي كفلها له الدستور لنقض هذا القانون، وشاركه في هذا النقض نائبه عن الائتلاف الشيعي عادل عبد المهدي، وأعيد القانون من جديد إلى البرلمان العراقي لتنفجر أزمة دستورية خطيرة، ويتم تبادل الاتهامات بين الكتل السياسية المختلفة، والتي هي في الأصل كتل طائفية.
فالأكراد يتهمون الدكتور محمود المشهداني بأنه خالف الدستور بعقد جلسة البرلمان دون أن تتحقق له الأغلبية الواجبة لمناقشة قانون هام كهذا، والطرف الآخر يتهم جلال الطالباني بأن نقضه للقانون تم على أساس طائفي، وأنه كان يجب أن يتصرف على أساس كونه رئيسا لجمهورية العراق وليس بوصفه كرديا وأمينا عاما للاتحاد الوطني الكردستاني.
واشتعلت المدن الكردية بالتظاهرات المنددة بالمادة 24 من هذا القانون، والمطالبة بتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي التي تنص على الخطوات الواجب اتباعها بشأن المناطق المتنازع عليها، والتي تبدأ بتطبيع الأوضاع، ثم الإحصاء السكاني، ثم الاستفتاء حول رغبة أهالي كركوك بشأن ضمهم إلى إقليم كردستان بالرفض أو الموافقة.
وكان الدستور العراقي قد حدد سقفا زمنيا لذلك هو 31ديسمبر 2007، إلا أن اللجان المنوط بها عملية التطبيع لم تنجز عملها حتى الآن، وبالتالي فإن المرحلتين التاليتين، وهما: الإحصاء السكاني، والاستفتاء لم يحدث بخصوصهما شيء، بل إن بعض التيارات العربية وصلت إلى حد الإعلان بأن المادة 140 قد سقطت تلقائيا ما دام أنها لم تنفذ في الموعد المحدد دستوريا.
الإصرار الكردي والبعد الإقليمي
لكن لماذا الإصرار الكردي على كركوك؟ خصوم الأكراد يرجعون ذلك إلى النفط الذي تعوم عليه كركوك، ولكن نظرة الأكراد المعلنة بخصوص كركوك تختلف، فقد نالوا بسبب كركوك ونفطها الكثير من الأهوال، بل إنهم يعتبرون أن النفط لعنة عليهم، فعندما كان يتفجر النفط في منطقة من مناطقهم كان يتم تهجيرهم من تلك المناطق إلى مناطق أخرى على الفور.
وبالفعل حدثت عملية تغيير ديموجرافي واسعة لكركوك إلى أن أصبح الأكراد فيها أقلية والعرب هم الأكثرية، وبمجرد سقوط النظام السابق توافد الآلاف من الأكراد على المدينة ليستردوا ديارهم وأراضيهم، وارتفعت المطالب الكردية بكركوك، واعتبر الأكراد أنهم إذا لم يستردوها، فإن ذلك معناه أنه لم يتحقق لهم أي شيء من العملية السياسية التي كانوا من قادتها منذ اللحظة الأولى.
واعتبر الأكراد أنهم وقعوا ضحية لخيانة من باقي أطراف العملية السياسية لأنهم ضحوا كثيرا من أجل إنجاح تلك العملية، فقد كانوا قبل سقوط النظام في استقلال تام عن بغداد، ومع سقوط النظام تركوا كل ذلك وذهبوا إلى بغداد ليشاركوا في العملية السياسية، ويقدموا خبراتهم إلى النخبة الجديدة التي كانت أقل منهم خبرة، فهم يحكمون منطقتهم منذ عام 1991، وتكونت لهم خلال ذلك علاقات دولية واسعة، فضلا عن الخبرات الإدارية والسياسية التي اكتسبوها من خلال الممارسة، ومن هنا كانت الصدمة الكردية الهائلة لما جرى في البرلمان بالموافقة على قانون المحافظات.
ولمسألة كركوك أبعاد إقليمية تتعلق بموقف تركيا التي تضع خطا أحمر غليظا على ضم كركوك لكردستان العراق؛ بسبب حمايتها لتركمان العراق من ناحية، حيث ترى أن لهم حقا في هذه المدينة، وهواجسها من أن يقوي النفط شوكة الأكراد، وبالتالي يساعدهم على الاستقلال مما يضرب أمنها القومي في الصميم من ناحية أخرى، وكلنا يذكر الأزمة السياسية الخطيرة التي نشأت بين قيادات الإقليم وتركيا بسبب كركوك.
السيناريوهات المتوقعة
وإذا عدنا إلى الإجراءات الدستورية المتوقعة بشأن القانون، والذي تم إعادته إلى البرلمان حسب نص الدستور، فيمكن القول إن القانون ستعاد مناقشته من جديد، وبالذات في الأمور المعترض عليها، وهي ما يتعلق بكركوك، إضافة إلى أمور أخرى مثل حظر استخدام الرموز الدينية ودور العبادة في العملية الانتخابية، ثم يرفع إلى الرئاسة بعد موافقة البرلمان عليه، ومن حق الرئاسة دستوريا أن تعيده إلى المجلس ثانية، فإذا وافق عليه البرلمان يعتبر القانون نافذا دون موافقة الرئاسة.
إذن ما السيناريوهات المتوقعة؟ وكيف ستكون ردود الأفعال على كل سيناريو منها؟
السيناريو الأول:أن يصدر القانون كما هو دون إجراء أي تعديلات عليه، ويتحقق ذلك بأن يوافق عليه البرلمان كما هو، ثم تعترض عليه الرئاسة فيعود للبرلمان الذي يصر على موقفه فيصدر كما هو دون حاجة لرأي الرئاسة.
في هذه الحالة، ما رد الفعل الكردي؟ وكذلك رد فعل الرئاسة؟
سيكون أمام الأكراد إما الاستسلام للقرار، وفي هذه الحالة يتعين على قياداتهم التحاور مع شعبهم لصياغة موقف جديد من كركوك، أو اللجوء للمحكمة الدستورية أملا في أن يؤجل تنفيذ القانون لحين الفصل في الدعوى، وربما يكون قد طرأ جديد بشأن المادة 140 وتكون اللجنة المنوط بها ذلك قد أتمت عملها، أو ينسحب الأكراد من العملية السياسية بأكملها، وعليهم في هذه الحالة تحمل تبعات ذلك ومنها الغضب الأمريكي.
أما عن موقف الرئاسة فسيكون أمامها حينئذ أحد خيارين، إما أن تُسلّم بالأمر الواقع على أساس أنه تم وفقا للدستور وتنتظر، كاظمة غيظها، حتى تحين الفرصة لتقوم بالرد المناسب، أو تنسحب من العملية السياسية وتدخل العراق والعملية السياسية في مأزق كبير.
السيناريو الثاني:يعيد البرلمان النظر في المادة 140 ويعدل فيها، آخذا بعين الاعتبار المطالب الكردية؛ فتصبح كركوك منطقة انتخابية واحدة وليس 4 مناطق، كما ينص على ذلك القانون الحالي موضع الخلاف، وكذلك عدم استقدام فرق أمنية من الجنوب إلى كركوك، إضافة إلى إلغاء مسألة الكوتة الطائفية ومن ثم تجرى الانتخابات.
لكن كيف يمكن مخاطبة الطائفتين العربية والتركمانية إزاء ذلك وهم ينازعون الأكراد في كركوك؟ وتظل إلى جوار ذلك مشكلة كبرى تتمثل في الإجابة على السؤال المتعلق بـ: من هو المواطن الكركوكي الذي يحق له الإدلاء بصوته في تلك الانتخابات؛ إذ إن اللجنة المنوط بها هذا العمل لم تنته بعد منه، والعرب والتركمان يتهمون الأكراد بأنهم أدخلوا أعدادا هائلة منهم ومن غير سكان المدينة الأصليين إليها؟.
السيناريو الثالث:أن يتم تجميد المادة 24، والمتعلقة بكركوك في القانون، مع النص على تأجيل الانتخابات فيها لحين انتهاء عمل لجنة تطبيق أحكام المادة 140 من الدستور، ويكون الأمر في هذه الحالة مجرد تأجيل للأزمة كما حدث في المرات السابقة لتظل عقدة كركوك قائمة ما دامت بقية أطراف الأزمة على مواقفها دون أن يظهر في الأفق أي احتمال لحل وسط أو توافقي، وحسب المصطلح السائد حاليا في الخطاب السياسي العراقي.
وأيا كان الأمر، فإن كركوك ستظل بالفعل قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة لتنسف العملية السياسية في العراق بأسره.
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.
|