|
| مبارك وثامومبيكي.. هل بدأت شراكة جادة؟ |
تطرح زيارة الرئيس حسني مبارك التاريخية لجمهورية جنوب إفريقيا (29 و30 يوليو 2008)، وتوقفه في طريق عودته إلى القاهرة بأوغندا، واجتماعه بالرئيس يوري موسيفيني عدة تساؤلات، كما أنها تنطوي على العديد من الدلالات والمضامين المرتبطة بحقيقة الدور المصري في إفريقيا، ولاسيما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.. فهل تعيد تلك الزيارة الرئاسية الروح إلى المكون الإفريقي في سياسة مصرالخارجية؟ أم أنها من قبيل ذر الرماد في العيون اتساقا مع متطلبات الرئاسة المصرية للقمة الإفريقية في دورتها الحالية؟!
وقد يحاول بعض المراقبين التقليل من أهمية مصر كقوة إقليمية كبرى؛ استنادا إلى عزوف القيادة السياسية فيها في مرحلة معينة عن القيام بدور فاعل في مجالها الإقليمي والحيوي، وهنا نجد من الشائع استخدام تعبيرات معينة مثل "تهميش"، أو "غياب" الدور المصري في إفريقيا؛ وذلك بغية وصف حقيقة التوجه المصري الراهن صوب الجنوب.
ومن المعلوم في فقه العلاقات الدولية أن السياسة الخارجية لدولة معينة تجاه دولة أو منطقة أخرى تحكمها عدة اعتبارات لعل من أبرزها: الموقع الجغرافي، ومتغيرات التاريخ والثقافة، وعوامل الاقتصاد، والعقيدة السياسية أو الدينية السائدة.. فإذا ما نظرنا إلى محددات الدور المصري في إفريقيا لوجدنا أن إفريقيا تمثل، ومن منظور الأمن القومي الخالص، المجال الحيوي للدولة المصرية؛ فمصر بحكم الموقع وحقائق الجغرافيا دولة إفريقية قبل أن تكون دولة عربية، وهي تقع فوق ذلك على مفترق طرق بين القارات الثلاث: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وهو الأمر الذي يضفي عليها مسحة من عبقرية المكان، على حد تعبير مفكرنا الراحل جمال حمدان.
ومن الناحية التاريخية والحضارية ترتبط مصر ارتباطا وثيقا ببعدها الإفريقي؛ إذ تظهر نقوش معبد الدير البحري أن الملكة حتشبسوت أقامت علاقات اقتصادية مهمة مع بلاد بونت، كما أن نهر النيل يمثل شريان الحياة بالنسبة لمصر، وعليه فإن كتاب (فلسفة الثورة) الذي وضعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نظر إلى إفريقيا باعتبارها واحدة من الدوائر الثلاث التي تشكل سياسة مصر الخارجية بعد الدائرتين العربية والإسلامية، ومع ذلك فإن ثمة قيودا اقتصادية مهمة مفروضة على الدور الإفريقي لمصر بحسبانها دولة نامية تعاني من مشكلات ملحة، وهو ما يجعلها في موقع المنافسة مع قوى إقليمية ودولية أخرى طامحة في كسب الثروة والنفوذ في الواقع الإفريقي.
الدور الإستراتيجي المصري
وقد استطاعت مصر أن تمارس دورا إستراتيجيا مهما في دائرتها الإفريقية، ولاسيما خلال فترة التحرر من الاستعمار؛ إذ وقفت مصر الناصرية وراء جميع حركات التحرر الوطني في إفريقيا، وساندت حركة الجامعة الإفريقية والتي دفع لواءها زعماء أفارقة أمثال كوامي نكروما، وأحمد سيكوتوري.
وكانت مصر أول دولة إفريقية تمثل في مجلس الأمن الدولي خلال الفترة من يناير 1946 وحتى ديسمبر 1947، ولمدة عشر سنوات كاملة لم توجد دولة إفريقية أخرى تنافس مصر على القيام بهذا الدور؛ حيث أعادت شغل هذا المنصب مرة أخرى خلال الفترة من يناير 1949 وحتى ديسمبر 1950.
وتجدر الإشارة إلى أن أول قرار إدانة تصدره الأمم المتحدة عام 1952 لنظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا جاء بدعم من مصر وعدد من الدول الآسيوية الأخرى، ولعل ما جاء في السيرة الذاتية للرئيس سام نجوما رئيس ناميبيا السابق يؤكد على أهمية الدور المصري في دعم التحرر الإفريقي، يقول نجوما: "في عام 1963 ذهبت مع مجموعة من المقاتلين الناميبيين إلى القاهرة من أجل التدريب، وكان ذلك ممكنا بسبب دعم الرئيس عبد الناصر شخصيا لحركة التحرر الإفريقي".
وفي مجال التنظيم القاري الإفريقي، مارست مصر دورا محوريا في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، كما أنها أنشأت في أوائل الثمانينيات الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا بهدف تدريب الكوادر الإفريقية في مختلف المجالات، ولا تزال مصر حتى اليوم تمثل واحدة من خمس دول إفريقية تسهم بنحو 75% من ميزانية الاتحاد الإفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الإفريقية عام 2002، والدول الأربع الأخرى هي: ليبيا، والجزائر، ونيجيريا، وجنوب إفريقيا.
وفي عام 1998 انضمت مصر لتجمع السوق المشتركة لجنوب وشرق إفريقيا، المعروف اختصارا باسم " الكوميسا"، ثم انضمت بعد ذلك في عام 2001 إلى تجمع الساحل والصحراء (س ص)، وكلاهما يسعى إلى تحقيق التكامل الاقتصادي على المستوى الإقليمي في إفريقيا، وتعد مصر كذلك واحدة من الأعضاء المؤسسين لمبادرة المشاركة الجديدة للتنمية الإفريقية (النيباد)؛ حيث تتولى ملف الزراعة فيها.
تراجع الدائرة الإفريقية
ومع ذلك، فقد تراجعت الدائرة الإفريقية لدى صانع القرار المصري منذ أواخر الحقبة الساداتية؛ حيث انشغلت مصر بالقضية المركزية في الصراع العربي الإسرائيلي، وبتحسين علاقاتها الأوروبية والأمريكية، وقد استمر هذا النهج مسيطرا حتى مع وصول الرئيس مبارك إلى السلطة عام 1981؛ فقد أضحت الرؤية السياسية المسيطرة هي عودة الروح للبعد العربي بعد المصالحة المصرية مع الدولة العبرية عام 1979، فضلا عن التركيز على دوائر أخرى في السياسة الخارجية المصرية.
وقد تم تكريس هذا التوجه بعد قمة أديس أبابا عام 1995 ومحاولة اغتيال الرئيس مبارك؛ إذ أحجم الرئيس عن المشاركة بنفسه بعد ذلك في القمم الإفريقية بما في ذلك القمة المؤسسة للاتحاد الإفريقي في ديربان بجنوب إفريقيا عام 2002.
ومع عودة التكالب الاستعماري على القارة الإفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وصياغة إستراتيجية إفريقية جديدة للولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أضحت قضايا التماس بالنسبة للأمن القومي المصري تنذر بمخاطر جمة، ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى تدويل معظم قضايا السودان، والدور الإثيوبي المتعاظم في القرن الإفريقي والذي يجد سندا ودعما أمريكيا واضحا بما يعنيه من تهديد لمنظومة التوازن الإستراتيجي في منطقة الشرق الإفريقي.. فأين مصر من كل هذا؟
أحسب أن زيارة الرئيس مبارك لجنوب إفريقيا، وهي الأولى من نوعها لرئيس مصري منذ انتهاء نظام الأبارتيد وإعلان الديمقراطية في هذا البلد عام 1994، تعكس في حقيقتها مدى غياب الرؤية الإستراتيجية الشاملة لدى صانع القرار المصري؛ فجنوب إفريقيا التي يبلغ عدد سكانها نحو (48) مليون نسمة تمثل قوة إقليمية صاعدة؛ فهي تحتل المرتبة الثانية والعشرين على المستوى العالمي لامتلاكها اقتصادا كبيرا وفقا لمعدلات الناتج المحلي الإجمالي، كما أنها تحتل المرتبة السابعة عشرة عالميا في إنتاج الكهرباء، فضلا عن امتلاكها شبكة واسعة من الطرق والسكك الحديدية هي الأكبر في إفريقيا، وقد كان من المنطقي في ضوء هذه المؤشرات الموضوعية أن تفوز جنوب إفريقيا بتنظيم مونديال 2010 لكرة القدم.
مغزى زيارة مبارك ودلالاتها
وعلى أي حال يمكن فهم جولة مبارك الإفريقية الأخيرة وما تعنيه من دلالات ومعان على النحو التالي:
أولا:ثمة اعتبار دبلوماسي وسياسي يرتبط بالرئاسة المصرية للقمة الإفريقية؛ إذ تظهر الخبرة التاريخية لفترة الرئيس مبارك أن الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي بالقضايا الإفريقية يصل إلى ذروته في مرحلة انعقاد القمم الإفريقية ولاسيما تلك المنعقدة في مصر، بعدئذ يصبح هذا الاهتمام أثرا بعد عين، ويعود التركيز المصري على دوائر الحركة الإقليمية الأخرى، وعليه فقد كانت قمة شرم الشيخ الإفريقية الأخيرة مناسبة لعودة هذا الاهتمام المصري بإفريقيا.
ثانيا:تعقد الملف السوداني مع قيام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو بطلب إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، فقد رأت القيادة المصرية أن مثل هذا القرار يعد غير متوازن، ولا يحقق الاستقرار والأمن في السودان، وهي رؤية تشترك فيها الدول الإفريقية كذلك. وعليه فإن أحد أبعاد زيارة مبارك هي محاولة حشد التأييد الإفريقي، ولاسيما بين الدول المؤثرة إقليميا وعالميا مثل جنوب إفريقيا، بهدف إيقاف إجراءات المحكمة الجنائية الدولية لمدة عام؛ لإعطاء فرصة للتوصل إلى تسوية سلمية في إقليم دارفور.
ثالثا:تمثل قضية إصلاح الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن نقطة اهتمام مشترك بين مصر وبعض القوى الإفريقية الكبرى، ولاسيما جنوب إفريقيا ونيجيريا، وترى مصر ضرورة تخصيص مقعد دائم لإفريقيا في مجلس الأمن، على أن يتم التناوب عليه بين أكثر من دولة، بيد أن ثمة اتجاها قويا داخل جنوب إفريقيا وخارجها يرى بأنها الأكثر تأهلا لشغل المقعد الدائم في مجلس الأمن؛ فجنوب إفريقيا قد بنت لنفسها سمعة عالمية باعتبارها دولة ديمقراطية متعددة الثقافات، كما أن لديها أسواقا مفتوحة على الخارج واقتصادا متسارع النمو، وربما يكون ذلك هو الذي أهلها لتنظيم كأس العالم عام 2010 كما أسلفنا، فهل تعيد زيارة مبارك لجنوب إفريقيا نفس المنهج المصري في التفكير القائم على بناء الدور وفقا لما تمتلكه الدولة من أرصدة تاريخية وحضارية بحكم الموقع والجغرافيا؟
رابعا:تفاقم أزمات الداخل المصري، ولاسيما أزمة الخبز التي ما تزال تمثل ناقوس خطر يهدد كيان النظام الحاكم، ويبدو أن أحد الحلول الإستراتيجية التي تبنتها الحكومة المصرية للخروج من هذا المأزق يتمثل في مجال الاستثمار الخارجي بزراعة القمح في دول الجوار بحوض النيل، ولاسيما السودان وأوغندا. وعليه يمكن فهم سبب توقف الرئيس مبارك بالعاصمة الأوغندية لعدة ساعات في هذا الإطار، إلى جانب تدعيم أواصر العلاقات الثنائية بين البلدين كذلك.
يمكن القول إذن إن القيادة المصرية استشعرت مدى خطورة الأوضاع الإقليمية في جوارها الإفريقي والتي تمثل تهديدا مباشرا لأمن مصر القومي، كما أنها تحركت تحت ضغوط الداخل من أجل البحث عن مخرج في إطار محيطها الحيوي.
آفاق المستقبل
يمكن للقيادة المصرية أن تبني على تلك الجولة الإفريقية للرئيس مبارك، وتؤسس لعودة الدور الفاعل لمصر إفريقيا من خلال مبادرات ورؤى تتفق وحقيقة التفاعلات المتسارعة التي يشهدها عصر العولمة، فالملاذ والمخرج دوما لمصر يتمثل في التوجه جنوبا حيث ينبع شريان الحياة المصرية، فإذا كان الخطر الذي يهدد النظام الحاكم يأتي من الشمال الشرقي منذ الهكسوس حتى قيام الدولة العبرية، فإن الخطر الذي يهدد المجتمع المصري يرتبط بجنوب البلاد، أي إفريقيا حيث ينبع نهر النيل، وعليه ينبغي تعزيز العلاقات المصرية مع جميع دول حوض النيل بما يعنيه ذلك من التوصل إلى إقامة سلطة عليا مشتركة لإدارة واستغلال موارد نهر النيل بما يضمن حقوق ومصالح جميع الدول النهرية.
ولعل إقامة شراكة اقتصادية مصرية مع عدد من الدول الإفريقية الكبرى مثل جنوب إفريقيا، ونيجيريا، والسنغال يمثل مدخلا مهما لتفعيل الدور الإفريقي لمصر، فلو نظرنا إلى حجم التبادل التجاري بين كل من مصر وجنوب إفريقيا لوجدناه يمثل (99) مليون دولار في العام الماضي وهو رقم هزيل لا يمثل حقيقة وضع البلدين من حيث الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية.
ثمة بعد آخر يمكن لمصر أن تمارس فيه دورا قياديا يتمثل في عودة الروح لمؤسسات العمل العربي الإفريقي المشترك، وهو ما أشارت إليه مقررات قمة شرم الشيخ الأخيرة؛ إذ يمكن لمصر والعرب ممارسة دور مهم في مجالات التجارة والاستثمار في العديد من الأسواق الإفريقية، وعدم ترك المجال للقوى الآسيوية الصاعدة، أو للدول الغربية والأمريكية المتنافسة، فهل تمثل زيارة مبارك الإفريقية إحياء لمحور القاهرة – كيب تاون ولكن في رداء جديد؟ أم أنها تمثل صحوة يتلوها سبات عميق؟!
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخبير في الشئون الأفريقية.
|