|
| هاشم كيليج رئيس المحكمة الدستورية |
يعد قرار قضاة المحكمة الدستورية التركية، والذي يقضي برفض طلب المدعى العام التركي حظر حزب العدالة والتنمية، فوزا جديدا للحزب في حلبة الملاكمة بينه وبين العلمانيين، حيث أضيف هذا القرار إلى جولات سابقة ربحها الحزب مثل حل البرلمان، وترشيح الرئيس الحالي عبد الله جول للرئاسة، وقضية الحجاب، وتصفية جمعية "أرجنيكون" العلمانية المتطرفة وغيرها.
لكن، لأن القرار قد اتخذ إثر موافقة ستة من القضاة من أصل 11 قاضيا على طلب المدعى العام بحظر نشاط الحزب، والذي كان يلزم لاتخاذه تصويت 7 قضاة، مقابل أربعة طالبوا بحرمانه من نصف دعم المساعدات المالية، ورفض رئيس المحكمة هاشم كيليج دعوى الحظر، فإن فوز حزب العدالة في تلك الحالة يحمل أيضا طعم الهزيمة، ليس فقط لأن المحكمة حرمته من المال الذي يستطيع تعويضه بسهولة عبر دعم رجال الأعمال له، وإنما لأن هذا الحكم يشكل إدانة له وتأييدا ضمنيا للاتهامات الموجهة إليه بأنه تحول إلى مفرخة للمتطرفين والمتعصبين دينيا ومعارضي العلمانية، ما اعتبر مكسبا ضمنيا للعلمانيين.
وإذ كان نتاج المعركة الدستورية هو فوز "العدالة" في نهاية الأمر، وتراجع العلمانيين لأنهم أدركوا أن حظر العدالة سيؤدي بتركيا لهوة سحيقة، والذي يعتبر فوزا بطعم الهزيمة، فالأمر نفسه ينطبق على العلمانيين الذين يمكن القول بأنهم مُنوا بهزيمة بطعم الانتصار، لأنه بات في مقدورهم استغلال هذه الورقة كسيف مصلت على رقبة العدالة وابتزازه كي يتراجع عن خطوات "الأسلمة" والحجاب ويصبح أكثر علمانية.
يؤيد هذا مسارعة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان للتعليق على القرار بالقول إن حزبه "سيواصل احترام قيم البلاد العلمانية"، رغم أن "العدالة" يفرق بين قيم "العلمانية السلبية" التي يطالب بها علمانيو تركيا، وتشمل الانسلاخ عن الإسلام ككل (حجابا وثقافة وتراثا ونمط حياة) وبين "العلمانية الإيجابية" التي يقصد بها عدم إلغاء العلاقة بين العبد وربه ومن ثم مراعاة القيم الدينية الإسلامية للشعب التركي وحرية الاعتقاد والملبس وغيره.
ويؤكده كذلك تصريحات "أردوغان" أيضا لصحيفة "حرييت" قبل صدور الحكم، التي اعترف فيها بارتكاب حزبه أخطاء قائلا: "الأكيد أننا ارتكبنا أخطاء"، في إشارة إلى إضفاء الشرعية على الحجاب في الجامعات، وأشار فيها إلى أنه سيركز في المرحلة المقبلة على استتباب "السلم الاجتماعي"، فيما بدا استعطافا للمحكمة كي لا تجر تركيا كلها للظلام والمصادمات لو أصدرت حكما بحظر الحزب، ولذا اعتبر (أردوغان) أن قرار المحكمة الدستورية قد "رفع الظلام الذي أمام تركيا"، وأعلن أن "أولويته هي السلم الاجتماعي" و"احترام قيم البلاد العلمانية".
لهذا لا يمكن إغفال أن هذا الحكم -الذي لم يبرئ العدالة كليا- وإن بدا انتصارا له وهزيمة للعلمانيين سيظل سيفا مصلتا على رقبته تدفعه مستقبلا لتفادي الدخول في صدام مباشر كما حدث في معركة الحجاب، وهذا هو المغزى الأساسي من وراء قرار قضاة المحكمة الدستورية، أي "قرص أذن" العدالة والتهديد المستمر بعصا حل الحزب!.
ضغوط داخلية وخارجية
وليس سرا أن هناك ضغوطا داخلية وخارجية، كبّلت مواقف القضاة الـ11 هذه المرة ومنعتهم من إصدار قرار بحل "العدالة" ومنع 71 من قادته السياسيين بما فيهم الرئيس عبد الله جول من العمل السياسي.
وتتعلق هذه الضغوط بمسألة الانضمام للاتحاد الأوروبي، وانتهاء هذا "الحلم التركي" في حالة حظر "العدالة"، كما حذر الأوروبيون، والمخاوف من انهيار الاقتصاد التركي وانتشار العنف والتفجيرات في البلاد في حالة اتخاذ قرار بحظر الحزب، وهو ما أكده رئيس المحكمة وهو يصدر حكمه؛ إذ لفت رئيس المحكمة الدستورية هاشم كيليج نظر الصحفيين لـ"ضغوطات" تعرض لها القضاة من الداخل والخارج.
ورغم أنه أكد عدم خضوعهم لتلك الضغوطات، فإن الواقع يشير إلى عكس ذلك، لأن الخضوع كان واضحا منذ بداية المحاكمة، ويدل على ذلك تسريب مقرر المحكمة -عمدا على ما يبدو- توصية قبل الحكم بعدة أسابيع، تطالب بعدم حظر الحزب، بعدما ظهر تدهور كبير في سعر العملة التركية وبدأت مظاهر العنف تتصاعد.
نتائج جولة "الدستورية"
بانتهاء جولة "الملاكمة الدستورية" بين التيار الإسلامي التركي المعتدل ممثلا في حزب العدالة والتنمية، وبين العلمانية الجامدة التركية ممثله في المحكمة الدستورية والجيش واتحاد الجامعات وغيرهم، يمكن القول إن "العدالة" جمع نقاطا ومكاسب أكبر في معركته من أجل تغيير وجه تركيا العلماني الجامد وتحويلها إلي علمانية -بمعنى (تقدم وتطور) كما يسميها- إنسانية إيجابية لا تقيد حريات الأتراك في العقيدة أو مظاهر الحياة (حجاب – تعليم – إلخ).
وانتهاء هذه الجولة لا يعني أن المحكمة لا يمكنها معاودة الكرة عبر طلب جديد من المدعي العام التركي ما دام السيف لم يرفع عن رقبة "العدالة" نهائيا بقرار "منع الحزب من نصف أموال الدعم الحكومي"، كما أنه لا ينفي أنه لا يزال في جعبة العلمانيين خط الدفاع النهائي، وهو الجيش، الذي غالبا ما كان يتقدم -في معارك سابقة- بسيفه ضد أحزاب إسلامية ليقطع رقبتها بترا (الرفاه 98 والفضيلة 2001)، ولكن تغير الظروف الداخلية والدولية جعل سلاح البتر مضرا لتركيا ككل وللجيش نفسه وكبل هذه القدرة العسكرية وقدم الحلول الدبلوماسية.
ولكن هذا لا يعني أن العدالة سوف يتصرف من منطق ضعف وسوف يتراجع عن برنامجه لتطوير تركيا ودستورها وتكبيل أيدي القوى العلمانية الأتاتوركية الجامدة، فالهدف هو تطوير هذه العلمانية ومحاربة العلمانيين الجامدين بإظهار أنهم يفهمون العلمانية خطأ ويضرون تركيا.
من هنا يصعب تصور أن العدالة سوف يتراجع عن إكمال حزمة التعديلات الدستورية التي تستهدف تغيير هذه العقول العلمانية المتحجرة، وإنما التريث والتروي في أي تعديلات وعدم اللجوء لأسلوب الصدمات الكهربائية الذي لجأ له الحزب في مسألة الحجاب تحديدا بينما تروى وتريث وخطط "على نار هادئة" لتقليص صلاحيات المجلس العسكري والجيش في الحياة السياسية التركية مستندا لحلم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
أسلحة العدالة
ويمكن القول بأن العدالة بات يمتلك من أسباب القوة والأسلحة ما أنجاه من قطع "الدستورية" رقبته عبر "انقلاب دستوري" كان مخططا بعناية، بفضل نجاحاته السياسية (الاستقرار) والاقتصادية (تحسن كبير في الاقتصاد) والدولية (وساطات تركية ودور خارجي أكبر)، وهي "أسلحة" تضاف لما يملكه بالفعل من أسلحة أخرى تتمثل في انتصارات سابقة بفضل أغلبيته البرلمانية وقدرته على قلب الطاولة على العلمانيين في حالة حظر الحزب عبر تشكيل حزب جديد يسعى لتعديلات دستورية أكثر صدامية مع العلمانيين بما فيهم المحكمة الدستورية نفسها!.
فليس سرا أن حزب العدالة وقادته كانوا يعدون لحملة مضادة ليس فقط بتأكيد عدم التراجع، بل والرد على الدعوى المرفوعة بإغلاقه بخوض جولة جديدة من التعديلات الدستورية التي تستر وراءها لهدم "أصنام العلمانية"، بحيث تستهدف هذه المرة إعادة تنظيم الهيكل القضائي الذي يمس أبرز قلاع العلمانية التركية وهو القضاء والمحكمة الدستورية، رافعًا شعار (نحو المزيد من الديمقراطية).
وهو تحد خطير كان موجها للمحكمة الدستورية نفسها ولجهاز القضاء ربما للتهديد به لو تم حظر الحزب؛ لأن عمل نواب الحزب في البرلمان الذين يمثلون أغلبيته سيظل مستمرا حتى لو تم حل الحزب وعزل قادته سياسيا ما لم يتم حل البرلمان نفسه، وهو ما لا يأتي إلا بانقلاب عسكري واضح فاضح يقلب الطاولة كلها على الجميع ويعيد تركيا عشر سنوات للوراء.
وقد لوح العدالة لهذا منذ اللحظة الأولى لاعتزام المدعي العام التركي تقديم طلب حل الحزب للمحكمة الدستورية حينما اجتمع مجلس إدارة حزب العدالة والتنمية بالفعل برئاسة رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء بعد 24 ساعة من تقديم طلب المدعي العام للمحكمة الدستورية (16 مارس 2008) وأكد عزمه "عدم التقهقر خطوة واحدة عن التقدم في المسيرة الديمقراطية"، وقرر "طرح حزمة جديدة من التعديلات الدستورية من شأنها إعادة تنظيم الهيكل القضائي في تركيا".
وتردد أن المستهدف من هذه التعديلات الدستورية هذه المرة -بعد تكبيل الجيش بتعديلات سابقة- هو زيادة نفوذ البرلمان في اختيار أعضاء المحكمة الدستورية، وتحجيم مسألة إغلاق الأحزاب السياسية، وقيل إنه سيتم طرح مسودة التعديلات الدستورية التي أعدها البروفيسور (أرجون أوزبودون) وستة من الأكاديميين المتخصصين للنقاش قريبًا.
وحملت هذه الحزمة من التعديلات مسمى (التعديل الدستوري المصغر) واشتملت على: رفع عدد أعضاء المحكمة الدستورية من 11 عضوًا (حاليا) إلى 17 عضوًا، واختيار القسم الأكبر منهم من قبل البرلمان التركي على النحو التالي: 8 من قبل البرلمان التركي، 4 من مجلس قضاء الدولة، و4 من مجلس شورى الدولة، وعضو من قبل المجلس المحاسبي العام، وهو ما يفتت الأغلبية العلمانية الجامدة وينوع توجهات قادة المحكمة بما يخرجها من دائرة الصراع والنفوذ بأيدي العلمانيين!.
أيضا تستهدف التعديلات الدستورية تقييد سلطة المدعي العام بشأن حل الأحزاب، فالدستور الحالي ينص على وجوب قيام النائب العام للجمهورية برفع دعوى إغلاق الحزب السياسي أمام المحكمة الدستورية، بينما تنص مسودة التعديل الدستوري الجديدة التي سيتقدم بها البرلمان على أن تقوم المحكمة الدستورية بإنذار الحزب بناء على طلب النائب العام، وفي حال عدم استجابة الحزب للإنذار في خلال شهرين من تاريخ الإنذار يكون من الممكن رفع دعوى إغلاق الحزب.
مأزق العلمانيين يتسع
ولا شك أن فوز العدالة في اختبار "الدستورية" -رغما عنها بسبب الضغوط الداخلية والخارجية- وكذا هذا الهجوم الدستوري المضاد لحزب العدالة التركي الذي أعلن سابقا، وظل العدالة يستخدمه كسلاح مضاد في حالة حظره، سيجعل ما تبقى من المعسكر العلماني يفكر مليا قبل تصعيد جديد أمام حزب العدالة، خصوصا مع وقوف غالبية الشعب واتحاد رجال الأعمال والاتحاد الأوروبي مع حزب العدالة، لأن الشروع في حظر حزب العدالة في المحكمة الدستورية كان سيتم الرد عليه بتمرير التعديلات الدستورية لتكبيل دور هذه المحكمة.
ولو حدث هذا الصدام فقد يتدخل الجيش -آخر قلاع العلمانية- بانقلاب، وهو ما يعني في نهاية الأمر أن الطلب الذي قدمه عبد الرحمن يالتشينقايا النائب العام التركي بحظر حزب العدالة يوم 14 مارس 2008 بسبب ما زعم أنها "نشاطاته التي تتعارض مع العلمانية"، سيرتد على العلمانيين ويزيد مأزقهم ويضعف حجتهم خصوصا أن هذا القرار أدى لتدهور سريع في الاقتصاد التركي وانخفاض سعر العملة التركية.
فليس من الطبيعي -كما ألمح أردوغان- أن يتم تجاهل 16.5 مليون ناخب صوتوا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة في يوليو 2007، حصل الحزب على نسبة 47% من أصواتهم، و"لا يمكن لأحد أن يقول إن هؤلاء الناس هم معقل أنشطة مناهضة للعلمانية".
سوابق غير مبشرة
لقد حظرت المحكمة الدستورية التركية -إحدى أبرز قلاع العلمانية في تركيا- في قرارات سابقة أحزابا دينية بتهمة القيام بأنشطة معادية للعلمانية، ومنذ إنشاء المحكمة في1961 حظرت أربعة أحزاب بالدافع نفسه "أنه حزب إسلامي رجعي!" آخرها حزبا الرفاه في 1998 والفضيلة في 2001، وهما حزبان تخرج مسئولو حزب العدالة والتنمية سياسيا منهما.
وسوابق المحكمة نفسها مع حزب العدالة لم تكن مبشرة، خصوصا إلغاء تعديلات البرلمان الخاصة بإجازة الحجاب، ولكن الدعم الذي تلقاه حزب العدالة داخليا وخارجيا قوى موقفه.
فقد تلقى حزب العدالة والتنمية التركي مساندة أوروبية لأنه يقوم بهذه التعديلات وتوسيع الحريات -ومنها حرية ارتداء الحجاب- ضمن حزمة قرارات هدفها وضع قدم تركيا على أعتاب الاتحاد الأوروبي وتوفيق قوانينها مع قوانين أوروبا، واتضح ذلك في تشديد مفوض شئون توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي "أولي ريهين" على ضرورة "ألا تتدخل السلطة التنفيذية في أحكام وشئون القضاء، كما يجب ألا يتدخل النظام القضائي في العملية السياسية".
أيضا لقي الحزب مساندة معنوية قوية من رجال الأعمال الأتراك خصوصا أنهم سيكونون هم الخاسر الأكبر في حالة انهيار حكم حزب العدالة وتدهور الأوضاع في تركيا، حيث قال أكبر منتدى لرجال الأعمال في تركيا إن قرار ممثلي الادعاء العام الساعي لإغلاق حزب العدالة والتنمية الحاكم ومنع رئيس الوزراء والرئيس من العمل السياسي "ينتهك المبادئ الديمقراطية".
والأهم أن العدالة لوح بالهجوم التشريعي المضاد الذي سينال هذه المرة المحكمة الدستورية، مثلما فعل سابقا بهجوم تشريعي قلص صلاحيات الجيش في التدخل بالحياة السياسية، ونجح في تحييد رئاسة الجمهورية بإيصال أحد أنصاره (جول) لها، كما بدأ يهدم المحظورات الأخرى وخصوصا الحجاب.
وهذا ما يعني أنه لو كانت المحكمة الدستورية قبلت طلب حل الحزب فسيطرح الحزب بدوره -عبر أعضائه في البرلمان- التعديل الدستوري الخاص بتقليص صلاحيات المحكمة، ومنها صلاحيتها في حل الأحزاب.. أي "واحدة بواحدة"، وهذا أحد أسباب امتناع قضاة الدستورية عن الدخول في جولة صدام جديدة، وإصدارهم حكما بالفوز للعدالة، ولكن بطعم الهزيمة.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|