English

 

السبت. أغسطس. 2, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الطلب على الإصلاح في مصر.. خمود مؤقت وفورة كامنة

د. عمار علي حسن

Image
النظام الحاكم أصاب الإصلاح بالخمود
بعد مد استمر ثلاث سنوات عادت حركة التغيير في مصر إلى جزر مؤقت، استعادت فيه السلطة زمام الأمر، واستردت المساحات الضيقة التي وطئتها أقدام من ضغطوا من أجل الحراك السياسي، والتحسن الاقتصادي والاجتماعي، لتدخل البلاد في حال من الترقب الحذر، والسكون الذي قد يسبق العاصفة، تقطعه احتجاجات صغيرة متناثرة، ولأسباب مهنية وحياتية خاصة، مثل تلك التي يقوم بها العمال، أو سكان المناطق العشوائية، والفلاحون، المغبونون من الآثار التي ترتبت على القانون الجديد الذي يعيد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر.

أما الحركات والقوى التي تروم التغيير العام والشامل فدخلت في "استراحة محارب"، أو "بيات شتوي" لتلتقط أنفاسها، وتلملم أشلاءها المبعثرة، لتبحث عن وسائل جديدة وأكثر فاعلية للضغط على السلطة من أجل تحقيق قدر من الإصلاح الشامل، يليق بمصر والمصريين.

وعلى جوانب هذا الوضع -الذي يجمع بين خمود مؤقت وفورة كامنة- يدور جدل النخبة والناس على حد سواء حول ثلاثة مسارات زمنية أساسية، تتعلق بما جرى وما يجري وما سيجري في لحظة تقييم يقوم بها الطرفان المتنافسان (حكومة ومعارضة) من أجل أن يحقق كل منهما ما يصبو إليه؛ السلطة إلى معادلة "الاستقرار والاستمرار".. والمعارضة إلى معركة "التغيير الشامل" الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام تداول السلطة وممارسة الحريات العامة على أفضل صورة ممكنة، وأوسع نطاق متاح.

تنافس السلطة والمعارضة

وهذا التنافس على الزمن لا يدور في فراغ، إنما يستند في أخذه ورده إلى وقائع محددة، ودلائل مادية دامغة، أو قضايا حياتية جلية، يقدمها كل طرف ليبرهن على سلامة موقفه، وعدالة رغبته في الانتصار السياسي بجذب الجماهير الغفيرة إليه، وتحجيم التفافها حول المنافس، ويأمل كل من هذين الطرفين غير المتكافئين أن تميل الكتلة الصامتة إليه، والتي يحدد موقفها والاتجاه الذي يأخذه تحركها -إن خرجت عن ركودها وركونها- شكل مصر في المستقبل المنظور.

وهنا تطل العديد من القضايا والمسائل الجارية برأسها التي تهتز بعنف أمام أعين الجميع، فترى السلطة فيها إنجازات عريضة ونجاحات مظفرة، وتراها المعارضة إخفاقات كبيرة. ويقدم كل طرف الأرقام والأسانيد التي تبرهن على صدق وجهة نظره، في تحمس ظاهر، لا يقف فيه الطرفان جيدا أمام تضارب البيانات، وتناقض المعلومات، وتضاد الأرقام وعدم انسجامها مع ما قبلها، ولا مع الواقع الذي نعيشه يوما بيوم.

لكن المعارضة تجد لمنطقها آذانا مصغية، نظرا لأن حديث الحكومة عن النجاح المتواصل لا يشعر به الناس في حياتهم، بينما يحسون جيدا بخطاب المعارضين عن المشكلات المتراكمة، والأزمات المتلاحقة، والتراجعات الظاهرة للعيان، في العديد من مجالات السياسة العامة، وفي مطلعها الصحة والتعليم والإسكان والمرور وضبط حركة السلع وأسعارها وتوفير الأمن الاجتماعي وتسريع حركة التقاضي، وإيقاف ما يترتب على القوانين الاستثنائية من جور على حقوق الإنسان، وهضم لمصالحهم، ونيل من كرامتهم، وحجر على مستقبلهم.

ووسط هذه التلال العالية الثقيلة من المشكلات تقف الحركة السياسية المصرية حاليا بين شد وجذب، فالسلطة تريد أن تؤسس على استعادتها زمام الأمور ترتيبا مختلفا للحكم لم تعرفه مصر منذ "ثورة يوليو" 1952، لكنها تخشى من عدم قدرتها على تحقيق شعبية لهذا الخيار السياسي، ولأنها تنفر من سياسة الصدمات التي يمكن أن تفضي إلى نتائج عكسية، فنجدها تتدرج في هذا الترتيب، وتمهد له دستوريا وقانونيا ووسط النخبة البيروقراطية والاقتصادية التي يصنعها أهل الحكم على عيونهم، وعلى أطراف كتلة الجماهير الممتعضة والمترقبة في صمت مريب، لكنها لا تضمن لهذا الترتيب -حتى الآن- نجاحا شافيا كافيا، أو دربا معبدا ووسيعا إلى محطة الأمان والاطمئنان.

وتريد المعارضة أن تؤسس على احتجاجاتها متعددة الأحجام والألوان التي شهدتها السنوات الأخيرة طريقا مختلفا، تنكسر فيه العديد من الخطوط الحمراء، وتنتزع فيه بعض الحريات العامة، وفي مطلعها حرية التعبير، وتخرج فيه مصر من دائرة المراوحة بين الشمولية السياسية والديمقراطية الشكلية التي لا تعرف سوى الحزب الواحد والزعيم الأوحد.

كما تريد المعارضة أن تستجلب للإصلاح مدافعين أشداء، يشكلون جبهة قوية متماسكة، فيكون بوسعها أن تحدث كوة كبيرة في جدار الجمود السياسي، تتسع يوما بعد يوم، حتى ينهار تماما.

مثل هذا الوضع يجعل الحياة لا تزال تدب في شرايين عملية الإصلاح في مصر، رغم الجهود القاسية التي بذلت من أجل إماتتها بالسكتة السياسية، والتي أدت في حقيقة الأمر إلى إعاقتها مؤقتا؛ فالسلطة لم تفلح في إبداع بدائل قوية وراسخة وقادرة على الاستمرار، ولم تعن كثيرا بالحكمة ذائعة الصيت التي تقول "الكبت يولد الانفجار"، ووضعت كل تفكيرها والإمكانيات المادية المتاحة لها في خدمة رؤية قصيرة الأمد، ضيقة الأفق، تقوم على الالتفاف على مطالب الإصلاح، بتعديلات دستورية، أخذت أكثر مما أعطت، وخطاب جديد حول إنجازات صعبٌ تحققها مثل بناء ألف مصنع، وتوظيف ما يربو على أربعة ملايين عاطل، وتطبيق وثيقة للمواطنة تنطوي على العديد من الحقوق، التي تم هضمها، والالتزامات التي تخلت عنها الدولة تدريجيا.

وعلى الضفة الأخرى لم تمتلك قوى الإصلاح -حتى الآن- وسائل قوية قادرة على إحباط نظيرتها التي بيد السلطة، فتكتفي برفع الشعارات والإبقاء على جذوة التغيير مشتعلة تحت ركام الرماد، في ظل حرص الكثيرين على الإمساك بالعصا من المنتصف في تقية جزئية تقوم على المزاوجة بين تعبئة الناس حول الإصلاح وحض السلطان على ضرورة تحقيقه، ومحاولة إقناعه أن هذا هو المسار الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد مما آلت إليه، ويضمن لها مستقبلا بين الأمم في مشارق الأرض ومغاربها.

احتواء ثم تراجع

وفي حقيقة الأمر فإن السلطة حققت نجاحا لافتا في احتواء الاحتجاجات وحصارها وتمويتها إلى حين، وتمكنت من تفريغ الضغوط الخارجية من مضمونها، فاستجابت لفظيا وشكليا لبعض مطالب المحتجين، فتركت الصحافة تكتب ما تشاء، وعدلت الدستور، وسمحت بقدر من النزاهة في المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر عام 2005، وتراجعت عن عقوبة غليظة على بعض كبار القضاة، وتركت "كفاية وأخواتها" تنظم مظاهرات محدودة في مناطق عدة من العاصمة وخارجها.

ثم عادت السلطة، بعد أن خفت الضغوط الخارجية عليها، لتسترد كل ما قدمته في اتجاه الإصلاح السياسي، بل تخصم من الرصيد الإيجابي الذي حققته الحركة الوطنية في نحو ربع قرن، فعادت الأمور أسوأ مما كانت عليه قبل سنوات الاحتجاج، إذ حل "قانون الإرهاب" محل "قانون الطوارئ"، وجرحت مواد الدستور التي تنتصر للحريات العامة والخاصة، والتي كانت أفضل ما في هذا الدستور الذي رأى النور عام 1971، وسحبت الدولة التزاماتها حيال الناس بتغيير كل نص يتضمن لفظ "الاشتراكية" وكل فحوى ترتب للطبقات الفقيرة والمهمشة حقوقا مؤكدة، وتم تفصيل بعض المواد على سيناريو "توريث الحكم" وإبعاد جماعة الإخوان المسلمين عن تحقيق هدفها بالوصول إلى الحكم أو على الأقل حيازة وضع أفضل مما هي عليه الآن.

ثم عادت السلطة لتمنع التظاهر مستخدمة يد الأمن الغليظة، بحصار المتظاهرين واعتقالهم، ومطاردة وملاحقة واعتقال الكوادر الإخوانية الفاعلة، ثم الالتفات إلى الصحافة الحرة، التي تعد المظهر الوحيد للديمقراطية في مصر، لتكميم أفواهها، والتضييق عليها.

أسباب إخفاق جهود الإصلاح

وإذا أمعنا النظر في الأسباب التي أدت إلى إخفاق هذه الاحتجاجات في إحداث أي اختراق سياسي، فيمكننا تحديدها في النقاط التالية:

1 ـ الهوة الكبيرة بين أجندة الصفوة وأجندة الجماهير؛ فالأخيرة تبدو معنية أكثر باحتياجاتها في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة والمتواصلة التي تعيشها مصر، والتي أدت إلى انهيار الطبقة الوسطى، أما النخبة فانحازت في نضالها إلى قضايا الإصلاح السياسي، متمثلة في تغيير الدستور وتمكين أحزاب المعارضة من العمل وتوسيع الحريات العامة، ومعطيات التاريخ المصري تقول بجلاء إن المصريين يتنازلون في بعض الأحيان عن الانشغال بشئون الحكم لحساب الاهتمام بمشاكلهم الاجتماعية الآنية، ولذا اكتسبوا قدرة فريدة وعبقرية في إدارة أحوالهم وظروفهم اليومية بعيدا عن السلطان، فإن جار الأخير على معاشهم أو فشل في حمايتهم من أي اعتداء خارجي وجرح كبريائهم الوطني يهبون في جسارة لمقاومته، وهي مسألة بدت جلية في مظاهرات 18 و19 يناير 1977، التي قامت على خلفية رفع أسعار الخبز، وقبلها المظاهرات المستمرة لمطالبة السادات باستعادة سيناء التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

2- فقدان ثقة الجماهير في النخبة السياسية والفكرية، بعد أن وضعت عقلها وإمكانياتها في خدمة النظام الحاكم سنوات عديدة، ووقعت له صكا على بياض حين كان متوعكا إثر الهجمات المسلحة للمتطرفين الإسلاميين التي استمرت من 1988 حتى 1997، فلما استعاد النظام عافيته استدار إلى النخبة ليقوض أركانها، ويستخدم تنازلاتها له في تشويه صورتها أمام الناس، والضغط عليها، وحصارها بحيث لا يظل أمامها سوى خيارين، إما الانصياع والسير في ركاب السلطة، أو الاكتفاء بالتفرج على ما يجري، واستغلت السلطة في هذا تحول الكثير من رجال الأحزاب والمجتمع المدني إلى مرتزقة، لرمي الجميع بالارتزاق، والمتاجرة بالشعارات والأفكار ومصالح الناس.

3- غياب الوسائط السياسية الفاعلة، فأحزاب المعارضة تحولت إلى جزء من النظام، يضفي عليه تعددية شكلية، والنقابات تم نزع السياسة عنها، والرموز السياسية والاجتماعية تم إبعادها بانتظام، ومنهجية مدروسة، فكلما ظهر رجل في عين الناس، وصارت له مكانة عالية ومثل قيمة كبيرة تم تجنيبه وتقليص نفوذه، وحجبه عن الأضواء.

وأدى هذا إلى تغييب القيادات السياسية البديلة التي بوسعها أن تحظى بثقة الناس وتحركهم في الوقت المناسب، أو تحول احتجاجاتهم إلى طاقة إيجابية تثمر اختراقا سياسيا من أي نوع.

4- امتلاك الدولة جهازا أمنيًا متضخما، يتكون مما يربو على مليون وربع المليون من جنود الأمن المركزي، إلى جانب جهاز الشرطة العادي، ومئات الآلاف من المخبرين والمتعاونين مع الأمن في مختلف المواقع والمؤسسات والهيئات، علاوة على إضفاء طابع أمني على العديد من الخدمات التي تقدمها الدولة.. وهذه الترسانة الأمنية الضخمة لديها قدرة على قمع أي احتجاج ما دام محدودا، عددا وانتشارا، ولديها في الوقت ذاته إمكانية هائلة على التخطيط لتفريق أي تجمع وطني، بتشتيته وتفكيكه، عبر استقطاب البعض، وتهديد آخرين.

5- تحكم السلطة الحاكمة في المفاصل الأساسية للسياسات العامة على اختلاف أنواعها ودرجاتها، من خلال السيطرة على موارد الدولة وميزانيتها، في ظل خلط واضح بين "النظام" "والدولة".

وهذا الوضع مكن السلطة من تحويل الموارد الاقتصادية إلى موارد سياسية عبر شراء الولاء وتمويل الحملات الانتخابية للأتباع وربط معدة المواطن البسيط بالنظام، عبر المنح والمنع والوعد والوعيد.

ورغم تطبيق برنامج الخصخصة في مصر فإن سيطرة النظام على المال العام لم تتراجع، وتحكمه في كل العمليات التشريعية والمالية والاجتماعية المرتبطة بالتحرر الاقتصادي وانتقاء القائمين عليه لم يتأثر، ومن ثم لم يتداع تحكمه الصارم في السياسات العامة.

6- ضعف بنية الحركات الاجتماعية الجديدة، إذ سيطرت عليها العفوية، وغابت عن أغلبها الأطر الفكرية الراسخة والعميقة، والعناية ببناء مسارب ومسالك وروابط وقنوات مع الكتلة الاجتماعية الكبيرة الصامتة، وسيطر على الكثير منها فكرة مغلوطة تدحضها معطيات تاريخية عديدة، تعتقد في سلبية المصريين أو اعتوار ثقافتهم السياسية، وانفضاضهم الغريزي عن الانخراط في الاحتجاجات القائمة.

7- انتهازية الخارج في تعامله مع الزخم الذي أخذته المطالبة بالإصلاح في مصر خلال السنوات الأخيرة، ففي البداية استفادت الحركة الوطنية المصرية من الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على النظم العربية من أجل إصلاح ذاتها، ورغم أن الأغلبية الكاسحة من المنتمين لهذه الحركة يؤمنون بأن ما يدفع أمريكا إلى اتخاذ مثل هذا الموقف هو مصالحها البحتة، فإن الجميع استفادوا من مراعاة النظام المصري لعدم إغضاب واشنطن، والاستجابة المؤقتة والجزئية لضغوطها، حين سمح النظام بنزاهة نسبية في الانتخابات الأخيرة، وترك كفاية وغيرها ينظمون المظاهرات والاحتجاجات التي ارتفعت بسقف المطالب السياسية وكسرت كل الخطوط الحمراء تحت شعار "لا للتمديد .. لا للتوريث".

لكن الولايات المتحدة لم تلبث أن ارتدت عن ضغوطها في سبيل الإصلاح حين وجدت أنه سيؤدي إلى وصول "الإسلاميين" إلى السلطة في أغلب البلدان العربية، فانقض النظام المصري على كل خطوة أخذها إلى الأمام، لفظا وشكلا، وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر بل إلى ما هو أدنى منها.

وهذه الأسباب ليست من القدر الذي لا يمكن رده، ولا يمكن لها أن تكون، فإمكانية تلافيها واردة، لاسيما مع بعض النجاح الجزئي الذي حققته احتجاجات العمال والفلاحين والمهمشين.

عودة حتمية

وما دامت الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى الاحتجاج قائمة فإن عودة المصريين إلى التظاهر من جديد تعد أمرا حتميا، فإن تلافوا كل ما يقود إلى إخماد فورتهم وإطفاء طاقتهم الغضبية فإن الخرق قد يتسع على الراتق في المرات المقبلة، ومن ثم تثمر الاحتجاجات عن شيء حقيقي وملموس لصالح الناس.

ففي ظل مثل هذا الظرف التاريخي الذي يقوم على أكتاف سلطة قابضة تضع سياسات على مقاسها وتسميها إصلاحا، ومعارضة منفرطة عاجزة عن أن تشكل بديلا حقيقيا يطمئن إليه الناس، تصبح سيناريوهات المستقبل في مصر محملة ومشبعة بالاحتمالات والتكهنات والتخمينات والهواجس والمطامع والمطامح، فلا من يريد البقاء ممسكا بزمام الأمور يعمل ما يحقق له هذا الهدف على المدى الطويل، ولا من يريد التغيير يملك الأدوات الكافية التي تؤهله لتحويل دفة التحرك الاجتماعي في اتجاه يبتعد بالبلاد عن الفوضى أو الاستسلام والرضوخ الكامل للوضع الراهن، أو الاكتفاء بانتظار قدر سياسي -لا يتوقعه كثيرون- تثب بمقتضاه إلى ناصية القرار نخبة مؤمنة إيمانا صادقا لا يتزعزع بالديمقراطية الحقيقية.


 كاتب وخبير في علم الاجتماع السياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات