English

 

الثلاثاء. يوليو. 29, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » البلقان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

اعتقال "كارادزيش".. السياسة الحكَمُ لا العدالة

نبيل شبيب

Image
رادوفان كارادزيش
انتشر خبر اعتقال رادوفان كارادزيش (متنكرا باسم دراجان بابيتش)، زعيم صرب البوسنة، وأحد مجرمي حرب البلقان، انتشار النار في الهشيم، ومن تابع ما قيل ونشر حول الخبر بألسنة المعلقين عليه (وقليل من الكتاب) يرصد كيف انتشر مع الخبر سؤالان رئيسيان:

1-متى يتم اعتقال آخرين من أمثال بوش وبلير، بل ومن التعليقات ما يذكر شارون الذي مات سياسيا، وأصبح جسديا أيضا في حكم الأموات منذ أكثر من عامين!

2- هل الاعتقال مجرد خدعة لتحقيق أغراض أخرى، في مقدمتها تسويغ ما يتعرض له الرئيس السوداني البشير، إضافة إلى التعويض ولو جزئيا على ما تساقط من سمعة بوش ومعه السمعة الأمريكية دوليا؟

وبين هذا وذاك تطل أقلام تحذر من "فكر المؤامرة"، وأخرى تصب جام غضبها على البشير ومن يدافع عنه!

ردود فعل متباينة

ردود الفعل السياسة الرسمية على اعتقال كارادزيش معروفة ومتوقعة؛ فهذا يرحب كالأمين العام للأمم المتحدة، أو الأمين العام لمنظمة مؤتمر العالم الإسلامي، وذاك يبتهج بحذر كالمسئولين في البوسنة والهرسك، وآخرون يربطون رد فعلهم بعلاقاتهم مع الدولة الصربية مثل المسئولين في الاتحاد الأوروبي، وكل ينطلق من موقعه وأهدافه ومصالحه فلا يأتي بجديد، ويبقى الحديث عن العدالة وما يتفرع عنها أقرب إلى صياغة "أجمل" لمضمون ثابت.

أما ردود الفعل من الدرجة الثانية التي تصدر عادة عن منظمات المجتمع الدولي وبعض ممثلي التيارات المختلفة، فيبرز من بينها موقف الترحيب المتوازن الصادر عن منظمة العفو الدولية كمثال، بينما نجد سكوتا غير معتاد من جانب ما يوصف باليسار العربي، وهو سكوت ناطق عند ربطه بمواقف متكررة من أحداث البلقان، بوصفها جزءًا من الحرب "الإمبريالية" على "اليسار" القديم، أو حتى ما يُرجى أن يكون بديلا له مثل الاتحاد الروسي حديثا، أما أن يكون المسلمون في البلقان الضحايا أو الكاسبين من موقف غربي ما، فهذا في بعض الأحوال -طبقا لهذا اليسار- أمر استثنائي "جانبي"، وفي غالب الأحوال "خدعة" لا ينبغي أن تنطلي على العرب قوميا والمسلمين دينيا، فالقصد في تحليلات الأقلام اليسارية والقومية اليسارية هو تحطيم القوة التي كان يمثلها الاتحاد اليوغوسلافي (ضحايا الحرب الصربية لا يُذكرون هنا!) والقوة التي يمكن أن تولد من جديد في المنطقة الناشئة عن انهيار الاتحاد السوفييتي!

ولا ترتبط ردود الفعل الشعبية، ولاسيما في الساحة العربية والإسلامية، والتي أصبحت الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) ساحة رئيسية لها، بأهداف كبرى ودوافع مصلحية وظروف سياسية ما، ولعل هذا ما يجعلها تعبر -بغض النظر عن أسلوب صياغتها- تعبيرا أصدق عن كثير من الجوانب ذات العلاقة بالحدث نفسه، ومن هذه الجوانب:

1- اضمحلال الثقة إلى حد بعيد بتحقيق عناصر العدالة والنزاهة في نطاق الوضع العالمي القائم، فحتى اعتقال مجرم حرب ومحاكمته، لم يعد في نظر كثيرين قابلا للتفسير، إلا أنه مقصود الآن لغرض آخر!

2- الغضب المتنامي تجاه الدول الغربية وزعاماتها، فما ارتكبته الحروب الأمريكية من فظائع وما تزال ترتكبه في أرض العرب والمسلمين، لا يمكن تجميل وجوه الساسة المسئولين عنها بطلاءٍ زائف مثل اعتقال مجرم حرب استهدف بجرائمه المسلمين في البلقان.

3- تحول اضمحلال الثقة وغليان الغضب تجاه الساسة المسئولين في البلدان العربية والإسلامية إلى مستوى خطير من اللامبالاة، فلا أحد يهاجم سياساتهم تجاه البلقان وأحداثه، أو يدافع عنها، ولا أحد يطالبهم بموقف أو ينتظره منهم، فكأنهم غير موجودين أصلا!

حرب باردة وهمية

لا يمكن تفسير اعتقال كارادزيش في إطار الخلافات المتفاقمة بين موسكو والغرب عموما والولايات المتحدة الأمريكية، إلى درجة تبيح القول بعودة الحرب الباردة كما شاع كثيرا في الآونة الأخيرة، وليس هذا قابلا للتحقيق أصلا؛ فقد كان لنشأة الحرب الباردة واستمرارها أربعين عاما منطلقات وشروط وظروف، لا يوجد شيء منها في الوقت الحاضر، وإن وجد بعض مظاهر النزاع على قضايا عديدة، مثل قضية الدرع الصاروخية الأمريكية على مقربة من حدود الاتحاد الروسي.

فقد ينشأ وضع عالمي جديد فيه بعض العناصر المشابهة لما كان في الحرب الباردة، ولكن لا يعني ذلك عودتها، وكأن بعض من يتحدث عن ذلك يتحدث بمنطق التمني فحسب، ولغرض من الأغراض، لاسيما أمنية إحياء ما اندثر مع الشيوعية!

صراع الحلفاء

إن الخلافات الأمنية والسياسية، وفي المرتبة الثانية الاقتصادية، بين موسكو وواشنطن، والتي يُستشهد بها كثيرا للتدليل على وجود حرب باردة، تُشابه إلى حد كبير من حيث موقعها على خارطة الوفاق الدولي ما كان بين باريس وواشنطن، أثناء "الوفاق الغربي" في حقبة الحرب الباردة.

فالعنصر الغالب والحاسم في الصورة الإجمالية للعلاقات الروسية-الغربية (وهذا ما يشمل الصين)، والتي كانت منطقة البلقان من مسارحها الرئيسية في الماضي ولا تزال إلى الآن، هو الوفاق الدولي بمعنى تلاقي المصالح في الشريط الشمالي من الكرة الأرضية (فلا وجود لوفاق دولي في أربعة أخماس المعمورة خارج هذا الشريط).

وتعتبر صربيا حاليا، وبعد العديد من دول البلقان الأخرى، ساحة من ساحات الصراع على تثبيت علاقات وثيقة تنعكس حصيلتها في ميادين عديدة، أمنية واقتصادية وسياسية.

ويشابه ذلك إلى حد بعيد الفترة التي كانت دول البلقان فيها -أثناء الحروب الصربية- ساحة مشابهة لصراع النفوذ تحت قعقعة السلاح ما بين "الأصدقاء الحلفاء"، فكانت ألمانيا تتحرك في كرواتيا وسلوفينيا وألبانيا، وكانت فرنسا وبريطانيا أقرب إلى صربيا، وفي الدرجة الثانية كرواتيا، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تثبت أقدامها خارج ساحة القتال (في مقدونيا وألبانيا) لتمارس سياسة الانتظار إلى أن تتبدد قوى الجميع من خلال الحرب وجهود الدعم المتفرقة بين أطراف الحرب، ثم تنزل بكل ثقلها في الميدان، كما صنعت فعلا؛ ليكون لها النصيب الأكبر من النفوذ والهيمنة، في معظم دول المنطقة.

على هذه الأرضية تابع الاتحاد الأوروبي بعد الحرب تحركه البطيء بهدوء، ففتح باب العضوية تدريجيا أمام دولة بعد أخرى، بغض النظر عن مدى تحقيقها لشروط العضوية فعلا، وكانت صربيا من بين أهدافه الرئيسية، وهنا خلال المفاوضات المبدئية على طريق الانضمام، وخلال النزاعات الشديدة حول مستقبل كوسوفا واستقلالها المحتم، ظهر مدى تركيز الاتحاد الأوروبي على مسألة ملاحقة مجرمي الحرب من عهد حرب صربيا.

ورقة مساومة

ومع ذلك، فهل يعني هذا حرصا أوروبيا غير عادي على أن تأخذ العدالة مجراها؟ لا شك في سريان ذلك على بعض الساسة الأوروبيين، فمنهم من أظهر هذا الموقف أثناء الحرب في عام 1999 نفسها، وكان يهاجم السياسات المنحازة للحكومات الغربية بشدة، ومنهم أيضا من ارتبط عمله بعمل "محكمة البلقان لجرائم الحرب" وعُرف بمواقفه الحاسمة في قضايا حقوق الإنسان عموما.

ولكن لم يعد سؤال "الحرص على مجرى العدالة" هو العنصر الحاسم في القرار، وإنما الأهم هو الحرص على أصوات الناخبين، وليس في هذا اتهام، بل هو رصد لما يقوله المسئولون باستمرار؛ حيث تركت المذابح الصربية أثرها الكبير على الرأي العام الأوروبي، وبقيت نجاة أكابر مجرمي الحرب من المحاسبة، من أمثال كارادزيش، نقطة سوداء يريد الساسة الأوروبيون محو تأثيرها.

ومع مرور السنوات، وتبدل المعطيات السياسية في صربيا نفسها وفي البلقان، لم يعد لهؤلاء (مجرمي الحرب الصرب) من النفوذ الداخلي ما يحميهم من الاعتقال، فتحول أمر اعتقالهم إلى ورقة من بين أوراق المساومات والمفاوضات بين المسئولين، الصربيين والأوروبيين، مع عدم استبعاد ساسة موسكو من هذا الميدان.

توقيت الاعتقال

إذا كان يوجد ما يستدعي السؤال عن التوقيت الزمني للاعتقال، فلابد من تثبيت أن ذلك يُدخل المرء في نطاق التكهن بأمور لا يوجد عادة دليل قاطع عليها، ومن العوامل التي يمكن أن تكون قد لعبت دورا حاسما:

1- زيارة وزير الخارجية الألماني شتاينماير لموسكو (باعتبار رئاسة ألمانيا لما يسمى لجنة الصداقة الدولية المكلفة بالنظر في مستقبل أبخازيا)، وذلك في إطار جولة شملت جورجيا وأبخازيا، واحتمال انطواء الزيارة على ربط الموقف الأوروبي إزاء مستقبل أبخازيا (وجنوب أوستينيا)، نتيجة تأثيره على الموقف الجورجي، بالموقف الروسي من القضية الصربية بحكم ما يملكه هو الآخر من تأثير على صربيا.

2- الانتخابات المبكرة الأخيرة في صربيا، والتي كان أسلوب تعامل صربيا مع الاتحاد الأوروبي، بعد دوره الفعال على طريق استقلال كوسوفا، العامل الحاسم في نتائجها؛ حيث وصل إلى السلطة في بلجراد، تاديش على رأس حكومة تؤيد الانضمام للاتحاد الأوروبي، وتعلم أن من بين شروطه تصفية ملف جرائم الحرب السابقة.

3- وصول ساسة صربيا أنفسهم إلى الاقتناع بأن كارادزيش وميلاديش وأقرانهما أصبحوا عبئا على السياسة الصربية، دون فائدة مقابلة، ويشهد على ذلك أن عملية الاعتقال والتسليم (المنتظر) لمحكمة لاهاي لجرائم الحرب في البلقان، لم تكن عن طريق حزب معادٍ لكارادزيش في الأصل، بل عن طريق الاشتراكيين الذي كان يتزعمهم حليفه الأكبر ميلوسوفيتش، ووزير الداخلية الحالي المسئول المباشر عن عملية الاعتقال، هو الناطق الرسمي باسم ميلوسوفيتش في حقبة الحرب.

أما التأثير الأمريكي فقد يكون هو الأضعف في هذه القضية، من جهة بسبب العداء الشديد في صربيا للسياسات الأمريكية، ومن جهة أخرى لأن حلفاء واشنطن وخصومها لا يأبهون في المرحلة الراهنة كثيرا بتقديم "هدية" ما للرئيس الأمريكي بوش الابن قبل الرحيل، إنما ينتظرون "ببساطة" رحيله للتعامل مع من يأتي بعده!

خطأ فادح

وأما أن نضيف إلى ما سبق تكهنا آخر يربط من حيث التوقيت الزمني ما بين اعتقال كارادزيش وتجرؤ النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية على طلب اعتقال الرئيس السوداني البشير، فهذا ضرب من الشطط أو التعسف، بل إن فيه من الخطر ما يجعل طرحه من منطلق الدفاع عن العدالة والبشير خطأ فادحا.

كما أن هذا ليس هو السبيل الناجع لمواجهة استغلال القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، لاعتقال مجرم حرب تكاد تهمته تثبت عليه قبل محاكمته، وكان ضحاياه من المسلمين في الدرجة الأولى، من أجل مواجهة الغضبة الشعبية الإسلامية في السودان وخارج نطاقه، وتهدئة مخاوف الساسة المسئولين في بلدان عربية وإسلامية أخرى، وتسويغ مزيد من الخطوات العدوانية ضد السودان.

فمن الناحية المنطقية سياسيا يصعب القول: إن "توقيت الانتخابات المبكرة في صربيا"، وهي المقدمة لتنفيذ عملية الاعتقال، قد اختير ليتوافق مع خطوة النائب العام المذكورة.

ومن الناحية الموضوعية تختلف معطيات القضيتين اختلافا كبيرا، ابتداء من نوعية المحكمة الجنائية الدولية ونوعية صلاحياتها المحدودة رغم توصيفها بكلمة دولية، مقابل نوعية المحكمة الجنائية الخاصة بجرائم الحرب في البلقان وتخصيصها جغرافيا ومضمونا بذلك، انتهاء بطبيعة جرائم البلقان وما شهدته البوسنة والهرسك بالذات من عدوان خارجي محض حصد أرواح مئات الألوف في حرب علنية بأهداف علنية، ناهيك عن الاغتصاب الجماعي لعشرات الألوف، والتشريد الجماعي لزهاء مليوني نسمة.

وجميع ما يقابل ذلك في دارفور بقي في حدود اتهامات، لم يجد النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية -وهو يتجرأ على إطلاق طلبه- حاجة لتحقيق مسبق بها من خلال زيارة مباشرة للمنطقة، كما هو مطلوب منه بحكم نظام تلك المحكمة، ولا مجال للمقارنة بين هذا مثلا وبين حقيقة وجود القوات التابعة للأمم المتحدة شاهدة بصورة مباشرة على المذابح في أرض البوسنة والهرسك، لاسيما ما كان في تسيبرينتسا وجوراشدي وسراييفو!.

كما أن السودان، وقضية دارفور، وموقع البشير وسياساته، ثم المحكمة الجنائية الدولية، وحدود صلاحياتها، واستخدامها أداة في استهداف السودان واستقراره ووحدة أراضيه.. جميع ذلك له خصوصياته القائمة بذاتها، والتي تجعل من محاولة المقارنة إسهاما غير مباشر أو غير مقصود في تمرير ما يخشى من تمريره المشككون في توقيت اعتقال كارادزيش.

ليس للعدالة مكان

العنصر الأهم في هذه القضية وسواها، وهنا فقط نقطة التقاء مع اعتقال كارادزيش، هو أن الوضع العالمي الراهن -ولا نقول النظام العالمي- لم يعد يعرف للعدالة مكانا في صناعة قراراته الدولية وتنفيذها.

قد تلتقي بعض القرارات والممارسات الدولية -دون قصد ولا تخطيط- مع ما تتطلبه العدالة ويفرضه التزام الحق في قضايا الإنسان والأسرة البشرية، مثل محاسبة ميلوسوفيتش وكارادزيش وأقرانهما، أو استقلال كوسوفا والبوسنة والهرسك، ولكن مجموع الحصيلة من تلك القرارات والممارسات هي تثبيت أوضاع هيمنة جائرة، وتحقيق مصالح قلة منتفعة مسيطرة.

هذا بالذات ما سبق الإشارة إليه، وهو أن ردود الفعل "الشعبية" وفق ما تصوره التعليقات التي تلجأ إلى الشبكة العنكبوتية، أصبحت تعبر عن مدى انعدام ثقة الشعوب بأي خطوة تصدر عن القوى الدولية والمرتبطين بها، سيان هل حققت على أرض الواقع غرضا مشروعا عادلا أم لم تحقق.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات