|
في ظل التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، ودخول البلدين مرحلة من التصعيد عبر مناورات ومناورات مضادة، وتأكيد الولايات المتحدة أنها ستدافع عن تل أبيب وحلفائها في المنطقة، تلوح في الأفق نذر مواجهة عسكرية محتملة تتخذ من الخليج العربي مسرحا لها رغم ما نشهده من انفتاح أمريكي جزئي على إيران هذه الأيام.
وفي ظل اختلال ميزان القوى بين الطرفين، لوحت طهران بمجموعة من الأوراق، خاصة ما يتعلق منها بموارد الطاقة، قد تساعدها إما للحيلولة دون تعرضها لضربة عسكرية من قبل واشنطن وتل أبيب، أو إلحاق خسائر فادحة بمصالحهما تجعل ثمن الضربة مكلفا للغاية.
وقد ناقش سيمون هندرسون Simon Henderson مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ما تمتلكه إيران من أوراق نفطية تساعدها في صراعها الحالي مع أمريكا والغرب، وذلك في دراسة تحت عنوان (الطاقة في خطر.. إيران.. النفط، والغرب).
وتتمثل هذه الأوراق من وجهة نظر الكاتب في التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز من خلال عمل عسكري، أو رعاية أعمال تخريب ضد المنشآت النفطية الخليجية، إلى جانب تلويح إيران بإيقاف صادراتها النفطية.
عواقب الرد العسكري
تعد الورقة العسكرية إحدى الأوراق التي طالما لوحت بها إيران لتهديد إمدادات الطاقة؛ إذ هدد العديد من مسئوليها، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، بإغلاق مضيق هرمز، وعرقلة الصادرات النفطية في المنطقة، خاصة أن لدى إيران سابق خبرة تاريخية خلال الحرب العراقية الإيرانية، كما أنها تمتلك من القدرات العسكرية ما يمكنها من تنفيذ ذلك التهديد.
ولا يقتصر التهديد الإيراني على مضيق هرمز فقط -طبقا لهندرسون- بل هددت طهران بالانتقام من مصالح أمريكا النفطية، بما في ذلك تلك المملوكة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة (دول مجلس التعاون الخليجي) وبصفة خاصة المملكة العربية السعودية.
وحسب الدراسة ستكون موارد النفط السعودية -التي تلبي وحدها 10% من احتياجات النفط العالمية اليومية- هدفا مغريا لإيران؛ وذلك بالنظر إلى أن معظم المنشآت النفطية تقع في الإقليم الشرقي للمملكة، حيث الأقلية الشيعية القريبة مذهبيا من إيران، وقد يفسر هذا التهديد إعلان المملكة في يوليو 2007 عن تشكيل قوة أمنية جديدة تحت سيطرة وزارة الداخلية، تتولى مسئوليات تتعلق بحماية هذه المنشآت النفطية، وتم تدريب هذه القوة الجديدة ذات الـ 35 ألف عنصر من قبل شركة لوكهيد مارتن عملاق الدفاع الأمريكي، والتي ساعدت الجمهوريات السوفيتية السابقة في تأمين الترسانات النووية.
وقف صادرات النفط غير وارد
ويرى هندرسون أن إيران تعلق آمالا كبيرة على صادراتها النفطية والتي تبلغ 2.5 مليون برميل يوميا لاستخدامها كسلاح في صراعها مع الغرب، وذلك من خلال التلويح بوقف هذه الصادرات، ما سيؤدي إلى حدوث أزمة عالمية تستطيع طهران أن تحقق من ورائها مكسبا دبلوماسيا.
غير أن هناك مجموعة من الأسباب التي ربما تقلل من المكاسب الناجمة عن استخدام هذه الورقة، أو تحول دون استخدامها أصلا، فليس من المرجح -طبقا للدراسة- أن يحقق اللعب بهذه الورقة الهدف المنشود؛ إذ إن حجم الاحتياطات التي تمتلكها المملكة العربية السعودية من النفط يمكن أن يغطي، من الناحية النظرية، كامل الصادرات الإيرانية.
وقد سبق وساعدت القدرات الإنتاجية غير المستخدمة للمملكة الاقتصاد العالمي على مواجهة عراقيل الثورة الإسلامية عام 1979، حتى بالرغم من ارتفاع سعر النفط آنذاك.
ومن جهة أخرى، فإن إيران قد لا تلجأ إلى استخدام هذه الورقة أصلا بالنظر إلى أوضاع صناعتها النفطية التي تعاني بدورها من صدمات متعددة تعرضت لها خلال الثلاثين عاما الأخيرة، إلى جانب حاجتها إلى استثمارات هائلة -خارجية- لتنمية وتطوير قدراتها، ومما يدل على ذلك إعلان شركة النفط الإيرانية الرسمية، في يونيو عام 2007، عن أن حقولها تحتاج على الأقل إلى 100 بليون دولار استثمارات من قبل شركات دولية خلال العقد القادم لرفع الإنتاج بما يتراوح بين مليون وخمسة ملايين برميل يوميا.
كما تواجه إيران بالفعل مشكلات في الحفاظ على مستوى الإنتاج الحالي، وإن تحدثت عن نيتها زيادة الإنتاج، خاصة مع تعرض بعض حقولها للنضوب، وهو ما أشار إليه وزير النفط الإيراني السابق كاظم وزيري ماهانه عام 2006 حين قال: إن "إيران لديها هبوط طبيعي في الإنتاج مقداره 500 ألف برميل يوميا"، وقد قدر مندوب إيران لدى منظمة أوبك حسين كاظم بور، أن حقول النفط تحتاج استثمارات سنوية تقدر بمليار دولار للإبقاء على مستواها الحالي.
ويزيد من تعقد المشكلة أن شركة النفط الإيرانية تعتمد في رفع القدرة الإنتاجية على مساهمات الاستثمار المحلية، وتستعمل تقنيات متأخرة كثيرا عن التقنية المتقدمة المتوفرة في أي مكان آخر في العالم.
ومن جهة أخرى، فإن أي تحسن في الإنتاج سيعادله، جزئيا على الأقل، زيادة ثابتة في الاستهلاك المحلي الذي تزايد بأكثر من الضعف منذ قيام الثورة الإسلامية من 600 ألف برميل يوميا إلى 1.7 مليون برميل يوميا، ومع ذلك لا تستطيع المصافي الإيرانية إنتاج كل المنتجات البترولية التي تحتاجها البلاد وبخاصة البنزين الذي يتم استيراده.
ويضيف هندرسون إلى العوامل السابقة التي تحول دون إيقاف إيران لصادراتها النفطية، قضية الديون الخارجية، فعلى الرغم من الفائض القياسي الذي بلغ في عام 2007 نحو 26 بليون دولار، فإن هناك التزامات على طهران بسداد ديون خارجية قد تجعل من الصعب عليها أن تفكر مجرد التفكير في إيقاف تصدير النفط؛ حيث يبلغ الدين الإجمالي لإيران نحو 45 بليون دولار، وتقدر التزامات الوفاء بالدين في 2007/2008 بـ 12.4 بليون دولار، و2.8 بليون دولار في 2008/2009، و2.1 بليون دولار في 2009/2010، و1.7 بليون دولار في 2010/2011، و4.5 بلايين دولار في 2011/2012 فصاعدا.
وأخيرا، فإن توقف الصادرات النفطية قد يؤثر على الاقتصاد المحلي بشدة، ومن المحتمل أن يؤدي إلى حالة استياء واسعة النطاق ضد الحكومة، وليس أدل من ذلك من تلك الاضطرابات التي نشبت في طهران عندما فرضت الحكومة نظام الحصص لتوزيع البنزين في يونيو 2007، وبالرغم من جهود الحكومة للتغلب على مشكلة البنزين فإن الإقدام على إيقاف تصدير النفط قد يؤدي إلى إخفاق هذه الجهود؛ إذ قد تفقد قدرتها على توفير البنزين من الخارج مما يضرب شرعيتها في الداخل.
الغاز.. جبهة إيران الأمامية
تمتلك إيران ثاني أكبر الاحتياطيات العالمية للغاز الطبيعي؛ إذ يصل حجم احتياطيها نحو 15.5% من مجموع الاحتياطيات العالمية.
وتحاول الجمهورية الإسلامية تطوير سلسلة من العلاقات الثنائية مع بلدان أجنبية وشركات عالمية تحبط محاولات الولايات المتحدة والبلدان المعنية الأخرى عزل إيران والضغط عليها لتغيير سياساتها النووية.
وقد تحركت طهران على محاور عديدة من أجل نسج مصالح متبادلة مع الكثير من دول العالم استنادا إلى مواردها من الغاز الطبيعي، فعلى المحور الأوروبي تعمل إيران على إمداد أوروبا بأكثر من 15 بليون متر مكعب من الغاز سنويا، بدءا من تركيا التي وقعت معها في يوليو 2007 صفقة تعاون تساهم أنقرة بموجبها في تطوير حقل بارس العملاق في الجنوب وفق قاعدة إعادة الشراء، وتعد تلك الصفقة جزءًا من اتفاقية أكبر تتضمن عبور الغاز الطبيعي الإيراني إلى أوروبا من خلال تركيا، بالإضافة إلى عبور الغاز التركماني إلى تركيا من خلال إيران.
ويعرف الجزء الأوروبي من المشروع بخط أنابيب "نابوكو"، وتساهم فيه شركة OMV النمساوية بعقد تبلغ قيمته 32 بليون دولار، وقد دافعت الشركة عن هذا العقد في مواجهة انتقادات من قبل يهود النمسا قائلة: إنها "لا تستطيع تحمل المسئولية عن الوضع السياسي في إيران"، ونأت الحكومة النمساوية بنفسها حينما أعلنت أنها لن تتدخل؛ لأن شركة OMV شركة خاصة، وهو ما كان اختبارا لمدى صمود هذه المصالح.
وفي هذا الصدد أيضا وقعت إيران وسويسرا في مارس عام 2008 اتفاقا لتصدير الغاز الإيراني الذي سيصل أوروبا بواسطة خط "نابوكو"، وقد وقع الاتفاق في طهران وزيرة الخارجية السويسرية "ميشللين كالمي-ري" التي دافعت عن الصفقة بالقول: "الصفقة متفقة تماما، ولا تخالف قرارات مجلس الأمن الدولي المفروضة على إيران".
ونجحت إيران بالفعل في تحقيق صفقات أخرى هائلة؛ إذ وافق عملاق الطاقة الروسي شركة غاز بروم في فبراير 2008 على المساهمة في مشروعات الطاقة الإيرانية بما في ذلك جزء من حقل بارس الجنوبي وحقل نفط آخر، وفي الشهر ذاته أشارت مؤسسة الصين الوطنية للنفط "كونوك" CNOOC إلى أنها ماضية لتنفيذ عقد قيمته 16 بليون دولار لدعم حقل بارس الشمالي للغاز، وفي ديسمبر 2007 وقعت مجموعة سينوبك الصينية صفقة لتطوير حقل نفط يادافاران الساحلي.
وتسعى طهران أيضا إلى عقد صفقات غاز مع دول الخليج العربي، فهناك مفاوضات للاتفاق على السعر من أجل إتمام مشروع لتصدير الغاز الإيراني إلى دولة الإمارات، كما ناقشت إيران أيضا إمداد البحرين بالغاز خلال زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمملكة في نوفمبر 2007، وتم التوقيع على مذكرة تفاهم لإمداد البحرين بمليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا، ومن المحتمل كذلك أن تكون الكويت والعراق مهتمتين بالغاز الإيراني في ضوء تناقص الغاز المحلي.
وفي يونيو 2007 وقعت إيران صفقة لتصدير الغاز إلى سلطنة عمان لاستخدامه محليا، أو إعادة تصديره في شكل مسال، ووقعت الدولتان في أبريل 2008 صفقة لتطوير حقل غاز "كيش" في الخليج معا، حيث تقترح شركة عمان للنفط استثمار بليوني دولار.
وعلى المستوى الإقليمي تعمل إيران على خلق وتعزيز مصالح مشتركة مع الهند وباكستان عبر مشروع خط الأنابيب الإيراني/الباكستاني/الهندي الذي تقدر قيمته بـ 7.4 مليارات دولار، وتصل طاقته الأولية إلى 60 مليون متر مكعب يوميا.
وعلى الرغم من الخلافات التي حدثت بين الهند وباكستان حول السعر وتعريفة نقل الغاز إلى الحدود الهندية، والخلافات بين كل من دلهي وإسلام آباد وطهران بسبب طلب الأخيرة مراجعة صيغة السعر كل ثلاث سنوات بدلا من سبع سنوات، فإن إيران تبذل قصارى جهدها لتنفيذ المشروع؛ وهو ما اتضح خلال زيارة الرئيس نجاد لكل من باكستان والهند في أواخر أبريل 2008.
باحث سياسي.
* موجز لدراسة تحت عنوان "الطاقة في خطر.. إيران، النفط، والغرب"، نشرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في يونيو 2008، للكاتب سيمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة بالمعهد.
|