English

 

الأحد. يوليو. 20, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بعد القنطار ورفاقه.. أي إستراتيجية لحزب الله؟

إبراهيم غالي

بعد تحرير القنطار.. سلاح حزب الله للدفاع
بعد تحرير القنطار.. سلاح حزب الله للدفاع

سيبقى يوم 16 يوليو 2008 يوم نصر مؤزر وتاريخي في حياة كل اللبنانيين، باعتباره اليوم الذي أغلقت فيه المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية؛ إذ لم يبق بعد عودة عميد الأسرى العرب "سمير القنطار" ورفاقه أسير أو جسد شهيد لم يعد إلى وطنه، أو تم الكشف عن مصدره.

وسيضاف ذاك اليوم الذي نفذت فيه الصفقة السابعة للأسرى بين إسرائيل وحزب الله منذ بداية تاريخ هذه الصفقات في عام 1991 إلى العديد من القرائن التي تثبت انتصار حزب الله على إسرائيل في حرب عام 2006، ونجاعة تجربة المقاومة في الأخذ بمبدأ العين بالعين الذي اعتمدته المقاومة مع العدو الإسرائيلي منذ تحرير الجنوب اللبناني في عام 2000.

أيضا سيبقى هذا اليوم شاهدًا في التاريخ اللبناني على وجود درجة قصوى من الإجماع الداخلي على القضايا الوطنية الكبرى، كقضية الأسرى والمعتقلين، لاسيما وأن المصادفة قد لعبت للمرة الثانية على التوالي دورها في أن يكون مشهد المقاومة متناسقا لحد كبير مع مشهد الإجماع الداخلي.

فالتزامن بين تنفيذ البند الأول من اتفاق الدوحة، أي انتخاب رئيس جديد للبنان بعد فراغ دام ستة أشهر، وبين الذكرى الثامنة لتحرير الجنوب يوم 25 مايو الماضي لم يمنع من تكرار المشهد ثانية، فالرؤساء الثلاثة، والوزراء والنواب، وممثلو كافة الطوائف والقوى السياسية وغير السياسية كانوا في استقبال القنطار ورفاقه، بالتزامن مع انعقاد أول جلسة للحكومة الجديدة التي تم تشكيلها يوم 11 يوليو الماضي وفقا للبند الثاني من اتفاق الدوحة، والذي أنهى أزمة سياسية امتدت لأكثر من عام ونصف، وكادت تعصف بالبلد، وترجعه سنوات للوراء قد تعود لعام 1975، تاريخ بداية الحرب الأهلية.

مشهد مختلف.. لا يحمل جديدا

المشهد اللبناني تغير بالتالي من نقيض إلى نقيض.. انتصار جديد للمقاومة يلتف حوله كل اللبنانيين، واعتراف إسرائيلي بالفشل أمام حزب الله، وإغلاق لواحد من الملفات الشائكة والمعقدة بين حزب الله وإسرائيل، وتنفيذ للبندين الأول والثاني من اتفاق الدوحة مشفوعا بتوحيد الصف الداخلي في مرة نادرة، وولوج جديد لملف العلاقات السورية اللبنانية بعد لقاء باريس بين الرئيسين اللبناني ميشال سليمان، والسوري بشار الأسد على هامش أعمال قمة الاتحاد من أجل المتوسط.

على أن رمزية هذا المشهد لا تنطوي بالضرورة على مداخل ومفاعيل أكيدة قد تولد ديناميات جديدة في علاقات الأكثرية بالمعارضة والعكس، أو الاتفاق المحقق للسير قدما نحو بناء دولة قوية لم تبصر أفق النور منذ الاستقلال في عام 1943، أو نسيان البعض من قوى الأكثرية - خاصة تيار المستقبل - أحداث معركة السابع من آيار/مايو الماضي، أو حتى تغيير الرؤى والإستراتجيات الكبرى التي يرتكز عليها كل فريق لبناني في إدارة شئونه الخاصة أولا، والعامة لاحقا.

تمثلت قمة الرمزية في ذاك المشهد في إعلان الأمين العام لحزب الله "حسن نصر الله" في مناسبة عودة دفعة الأسرى الأخيرة انفتاح الحزب على كل نقاش لإستراتيجية تحرير مزارع شبعا، وتلال كفر شوبا، والغجر، قائلا: "البعض يتصور أننا نتهرب من نقاش إستراتيجية الدفاع، نحن نريد أن نصل إلى نتيجة في هذا الحوار، ونذهب نحوه بروح إيجابية، ونصر على النقاش الآن، وعلى أن يشارك الجميع في حماية هذا البلد، وأن تتحمل الدولة المسئولية الأولى في حماية هذا البلد".

الجديد الذي يحمله حسن نصر الله رمزي بدوره، ولا يخرج عن سياقات التهدئة التي تسود لبنان اليوم، والتي هي انعكاس لتهدئة أخرى "إقليمية"، فهو قد ذكر أمرين جديدين: هما تحمل الدولة بالدرجة الأولى مسئولية حماية هذا البلد والدفاع عنه، وأن المقاومة والدفاع ليسا احتكارا لأحد، أو وجبة "أكلة" نتنافس عليها.

السيد وليد جنبلاط، رئيس اللقاء الديمقراطي النيابي، وصديق الحزب في انتخابات عام 2005، وعدوه اللدود منذ عام 2006 يكمل هذه الرمزية بقالب صب صبا، ليس لأن القنطار من أصول درزية، بل هي لعبة استحضار تاريخ كفاحي سابق لوالده، يغازل بها مجددا حزب الله عشية الانتخابات المقبلة، الأمر الذي رد عليه الحزب بغزل مماثل.

يقول جنبلاط عن مزارع شبعا: "إن البيان الوزاري يجب أن يركز على تحرير مزارع شبعا سلما أو حربا، أو من خلال وضعها تحت الوصاية الدولية، يلي ذلك بدء للحوار من أجل استيعاب سلاح المقاومة ضمن إطار الدولة".

رئيس الحكومة الجديدة فؤاد السنيورة يخشى أن يعكف الوزراء شهرا آخر على الاتفاق على البيان الوزاري، فيعتبر ما قاله حسن نصر الله مهما جدا، ويذكر أن حديث حزب الله عن حماية الدولة أمر لم نتعود سماعه منذ فترة، وهو بهذا يحاول إحداث الخلخلة الملائمة لتمرير البيان الوزاري، في مشهد يعيد للأذهان البيان الوزاري السابق الذي سيق بعد قصة التحالف الرباعي في الانتخابات الماضية.

قوى 14 آذار بوجه عام تبدو غير متفائلة بكل هذه الأهازيج، فعبرت عن ارتياحها بعودة الأسرى، والتي "تمت بإشراف الأمين العام للأمم المتحدة"، وتندرج من وجهة نظرها "في إطار تنفيذ القرار 1701"، وطالبت المنظمة الدولية "الإسراع في عودة مزارع شبعا إلى السيادة اللبنانية"، وكأن هذه القوى تقول بلسان حالها متى سيسقط لنا المجتمع الدولي حجة حزب الله للاستمرار في امتلاكه للسلاح، وبناء دولة موازية للدولة؟

البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، والذي فقد سيطرته على المرجعيات السياسية المسيحية، كان أكثر وضوحا من قوى 14 آذار، فبارك الحدث الإيجابي؛ لكنه أكد على "ضرورة أن يكون في الدولة جيش لا جيشان"، وإن أشار إلى أن حزب الله "موجود والضرورة أوجدته، وهو يقوم بما يراه واجبا".

وكان للنائب مصطفى علوش من تيار المستقبل موقفًا يتجاوز منطوق نصر الله للحالة اللبنانية، فأشار إلى أن حديثه "هو للاستهلاك المحلي فقط، وللتهدئة الداخلية، وهذا الأمر سيتغير بسهولة عند حدوث أي طارئ، بالأخص في المسألة الإيرانية".

المقاومة منهج لا أداة

الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان قرأ الحدث بكل معانيه أفضل من ذوي الخبرات السياسية، فهو سعى لتأكيد أنه رئيس جامع للبنان، واستغل المناسبة للتذكير بما جاء في خطاب القسم من السعي لاستغلال طاقات المقاومة لدى بناء إستراتيجية دفاعية وطنية لتحرير ما بقي من أرض لبنانية، وبالتالي لم يكن ليخذله حسن نصر الله في مناسبة كهذه إلا أن يصيغ موقفا محببا لقائد الجيش الأسبق، فكلاهما موجود في الجنوب، والتجربة اللبنانية في التحرير وما بعده أثمرت تنسيقا رائعا بين المقاومة والجيش قبل حرب 2006 وبعدها.

فهل سيتمكن الرئيس الجديد والحكومة العتيدة والأقطاب الأربعة عشر أصحاب طاولة الحوار الوطني في عام 2006 من أن يكيفوا إستراتيجية للدفاع الوطني تستوعب سلاح حزب الله، أو يدخلون في مناقشات معمقة لكيفية معالجة مسألة السلاح؟ وهل الحزب بوارد أصلا، وهو أعلن مشاركته في التشاور، أن يساعد على مخارج من ذلك النوع؟

برغم أن المعطيات الراهنة، خاصة بعد إغلاق ملف الأسرى، قد تؤشر إلى إمكان الاتفاق حول قضية سلاح حزب الله، وبرغم أن الحزب قد وقع على اتفاق الدوحة، والذي يعد أول وثيقة رسمية ومكتوبة يوقع عليها الحزب، وتتضمن "حصر السلطات الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة بما يشكل ضمانة لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الأهلي للبنانيين كافة"، إلا أن هناك العديد من العوامل التي تحول دون فتح نقاش جدي حول السلاح، أو إمكان أن يوافق الحزب على إستراتيجية دفاعية تخالف ما سبق، وقام به الحزب منذ تحرير الجنوب.

فعلى المستوى اللبناني الداخلي، يلاحظ أن اتفاق الدوحة ذاته - والذي تم بموجبه انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة - جاء وفق توازنات داخلية دقيقة، ولم يتمكن من إعطاء الرئيس الصوت المرجح في مجلس الوزراء، بل وتشكلت الحكومة وفق رغبات المعارضة، الأمر الذي جعل منها حكومة تعطيل وطني من لدن الأكثرية والمعارضة على السواء.

ويتبع ذلك بالضرورة أن أبرز مهمات الحكومة الجديدة لن تتجاوز إدارة انتخابات 2009، وبالتالي لا يمكن لحكومة كهذه، ولا لرئيس قيدت صلاحياته منذ اتفاق الطائف أن يزيلا فجائيا ذاك الخلل القائم في النظام السياسي، فكيف لهما أن ينفذا مقررات حوار وطني حال اتخذ مواقف محددة تخص الإستراتيجية الدفاعية الجديدة.

وأكثر من ذلك، أن حزب الله يتحدث اليوم بأريحية تامة عن تلك الإستراتيجية، فحسن نصر الله يدرك ألا مجال لدفاع الدولة عن ذاتها في ظل وجود جيش لا يقدر على الدفاع بقدر ما يحفظ الأمن الداخلي.

والإشكالية الكبرى هنا أنه برغم نص اتفاق الطائف على دور الجيش في تحرير الأرض والدفاع عن الوطن، إلا أن النخبة الحاكمة في لبنان منذ عام 1990 وحتى اليوم لم تسع بجدية لتحديث هذا الجيش الذي لا يمتلك ترسانة جوية أو بحرية أو صاروخية تؤهله لأن يكون جيشا للدفاع.

وقد حالت أمريكا وإسرائيل أكثر من مرة دون محاولات سابقة لتطوير هذا الجيش؛ بحجة أن ذلك يقتضي أولا نزع سلاح حزب الله.

أما حزب الله، فسيعاود الحديث على طاولة الحوار عن شروط قاسية للتعامل مع سلاحه، كما حدث في عام 2006؛ إذ ربط ذلك بين تحرير بقية الأرض، ووقف المطامع الإسرائيلية في المياه اللبنانية، وسأل حينذاك: "من يضمن عدم الاعتداء الإسرائيلي في أي وقت على جنوب لبنان، ومن يحمي هذا الجنوب إذا تخلى الحزب عن السلاح؟".

وكان الحزب قد استبق الموقف بعد انتخاب سليمان مباشرة من هذه القضية بالقول: "إن موضوع المقاومة منفصل عن تحرير مزارع شبعا"، ومغزى ذلك أن حزب الله لن يسمح بتغيير مواقفه السابقة، والتي ترتكز على أن السياسة دائما تكون في خدمة مشروع المقاومة، أي الاحتفاظ بالسلاح.

ويجوز القول إن إقفال ملف الأسرى لا يعني استبدال حزب الله لإستراتيجيته العسكرية المعتمدة بعد حرب 2006، والتي تشمل ثلاث وظائف مرتبة حسب أولويات الحزب وظروف المرحلة، وهي: الدفاع والتحرير والردع، فالحزب قد قدم أولوية الدفاع على أولوية التحرير، كما ذكر الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام للحزب إبان الحرب الأخيرة.

وبكلمات أخرى، فإن الحزب سيظل على موقفه الدفاعي -الدفاع يستلزم الردع - وسيضع هدف التحرير جانبا بصفة مؤقتة، استنادا إلى استكمال بيان الصورة الإقليمية، وإمعانا للنظر في علاج ملفات الداخل اللبناني الشائكة، والسماح للجهود الدبلوماسية لحل قضية مزارع شبعا، ولاسيما وأنها ترتبط بالموقف السوري، وليس الإسرائيلي فقط.

وسوف يسعى الحزب لعدم التورط في حرب كبرى، خاصة بعد أن بدأت صورته تعود للتحسن أمام الرأي العام العربي بعد إتمام صفقة الأسرى.

الحاصل من ذلك أنه لا ارتباط جذري بين تحرير كافة الأسرى اللبنانيين وبين حدوث تقدم يتمناه البعض في لبنان حول تخلي الحزب عن سلاحه، لكن الحزب - ووفقا لاعتبارات الداخل والخارج - سوف يكون أقل مرونة لدى مناقشة الإستراتيجية الدفاعية، هذا إذا ما استمرت الأوضاع كما هي عليه اليوم، أي التهدئة، أما إذا ساد التوتر المناخ الإقليمي، أو إذا ظل ملف إيران النووي دون حل مؤكد، فسوف يضع الحزب ذاته دائما في موقف الاستعداد لأي مواجهة مقبلة مع إسرائيل، خاصة أن قرار السلم والحرب هو قرار الولي الفقيه، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ولا يمنع ذلك أن حزب الله، وطبقا لما تابعناه من إستراتيجيات متباينة للحزب حتى تحرير الجنوب وبعده، ووفقا أيضا لركائزه العقدية القائمة على مركزية قضية القدس في خطابه الأيديولوجي والعقدي، فإن الحزب قد يلجأ في الفترة المقبلة إلى إستراتيجية الهجوم غير المباشر، أي أن وظيفته العسكرية داخل لبنان ستكون الدفاع، بينما تكون وظيفته عبر الحدود هي في التواصل مع سائر فصائل المقاومة الأخرى بالمنطقة، خاصة أن حسن نصر الله أشار في كلمته الأخيرة إلى أن "مشروع المقاومة مشروع واحد، وحركة المقاومة حركة واحدة، ومسارها واحد، ومصيرها واحد، وإن تعددت أحزابها وفصائلها وطوائفها وعقائدها، ونؤكد أن حركات المقاومة في هذه المنطقة هي حركات متكاملة متواصلة تتراكم جهودها وخبراتها؛ لتحقق الأهداف نفسها في تحرير الأرض والإنسان؛ لأن جوهرنا هو المقاومة مهما مر وتعاقب من قوى وأطر وعناوين".


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات