|
| د. المسيري |
وينتهي مشوار عطائه وتنتهي معاناته مع مرض جسمي عضوي، ولكنه ترك فينا معاناة مرضية مع أمراض فكرية وسياسية عديدة، رحل عنا من دون أن يرى النضوج الفكري الذي كان ينشد في أوساط مثقفينا وشبابنا – رغم أن هناك من يحمل معه نفس الهم-، رحل وهو الذي كان مدافعا على خصوصية المسلم في فكره وفي هويته وفي قيمه ومدافعا على حقوق (الغلابة)، رحل الذي أوجد خطا مقاوما جديدا في مواجهة العدو الإسرائيلي، خط بناه على المعرفة وعلى الفكرة وعلى التحليل وعلى النموذج، لقد كانت موسوعته المفصلة من أهم الانجازات المعرفية في فهم الظاهرة (اليهودية والصهيونية)، رحل وأكيد أن في قلبه حسرات على أمة تنحدر يوما بعد يوم نحو تخلف وابتعاد عن مقوماتها، رحل من دون أن يرى مرض التوريث في بلداننا العربية وفي بلده خاصة قد تجاوزته الأنظمة .
ربما الكلام عن رجل في مكانة المفكر عبد الوهاب المسيري قد يبخسه حقه بكل تأكيد لأن جهود الرجل كانت عظيمة بعظم تصوراته ورسالته، فهو منافح عن الإسلام، منافح عن الهوية والخصوصية، منافح عن قيم الأمة العربية الإسلامية، صاحب تصور ورؤى وأساليب معرفية في التحليل و التفكيك والتركيب، منتج وكاتب قوي بما يطرح وبما يحلل وبما يستنج، له من المؤلفات ما يشهد على غزارة في الفكر وفي قوة على الفهم والإدراك و التتبع لخلفيات الظواهر وكوامنها.
قصة لقاء لم يتم..
أروي لكم ما جري من بيني وبين الفقيد المسيري من قصة لقاء لم يتم، في بداية الأمر لم أكن أعرفه حقيقة المعرفة ولم أكن على إطلاع على فكره ومشاريعه، إلى أن جاءت مرحلة إعداد مذكرة الماجستير والتي كانت ذات صلة بأهم مشروع طرحه الدكتور هو "إشكالية التحيز"، فتوجهت إلى القاهرة في مهمة خاصة وهناك اتصلت بمدير مكتبه "الأستاذ عمران" لضبط موعد مع الدكتور إلا أن حالته المرضية حالت دون لقائه لكن الأستاذ أبلغني أن الدكتور على استعداد بأن يقدم العون عبر البريد من خلال توجيهات وكتابات، وبعد فترة طويلة عاودت الاتصال بالأستاذ وقد وجدته آنذاك في العاصمة السعودية الرياض(ربما للعلاج)، وهناك فاتحته بالموضوع ووجدته متذكر له وعلى اطلاع به، غير أن حالته التعبة حالت دون أن نواصل النقاش في الموضوع إلا أنه تمنى لي التوفيق في العمل وكان ذلك في بداية هذا العام.
فما كان من الرجل من تقدير لطلبة العلم وما كان يعطيه لهم من اهتمام ومن دعم دفعني إلى أن أغوص أكثر في فكر هذا الرجل وأحاول فك منظومته المعرفية والسعي لفهم أكثر لرؤيته ولمشاريعه المعرفية، وهنا اخترت مشروع المذكرة في الماجستير تحت عنوان " إشكالية التحيز في تحديد المصطلح السياسي الحديث"، والذي كان حقيقة بمثابة سبر أغوار أفكار الدكتور وفهم نموذجه المعرفي الذي كان منطلقا لكل كتاباته، وفي هذا المقام الذي يصعب على الواحد أن يجد فيه عبارات أو كلامات تفي الرجل حقه، فإن أضع بين أيديكم جزءا (بسيطا) من مذكرتي حول تحيزات المصطلح السياسي، والذي ربطته في هذا العنصر بالتوليدات والاجتهادات الاصطلاحية السياسية للدكتور المسيري، أرى أنها تفتح مجال أوسع في نقاش تفاصيل مشروع التحيز في المصطلح السياسي لي ولغيري.
إشكالية التحيز
إن البحث في مميزات البديل في المصطلح السياسي النابع من ثقافتنا وحضارتنا، يدفعنا إلى أن نقف مع أحد رموز هذا المشروع التوليدي للمصطلحات السياسية التي كانت ناتجة من إدراك لأبعادها و غائيتها، واللتان يرى فيما أنهما الركيزتين الهامتين للمثقف المسلم في إدراك طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، وغيره من الصراعات التي فرضت على الأمة العربية الإسلامية، وأقصد بهذا التقديم الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي كان المحرك للدراسات الاجتماعية العربية الإسلامية بغية إدراك خطورة إشكالية التحيز وتأثيرات تحيز النموذج المعرفي الغربي على الإنية (الهوية) العربية الإسلامية وعلى كل المقومات الحضارية الخاصة بنا. وكما انه حرك هذه الأداة التفسيرية، فلم يقتصر مشروعه على توضيح الأخطاء و العيوب بصورة مجردة لنموذج المعرفي الغربي وتأثيراته على المصطلحات السياسية ومدى صلة البيئة الحضارية بتوليد المصطلح واستعمالاته وغاياته، و إنما كان مشروعه موصولا بإنتاج فكري وإبداع لغوي واجتهاد بشري، فقد اشتغل على التوليد المميز للمصطلحات السياسية ذات الدلالة الفريدة و الهامة في انتاجاته الفكرية والتي كانت خير معين له في إيصال مشروعه بصورة أوضح وأكثر أصالة.(1)
وهو في هذا المشروع التوليدي للمصطلحات السياسية النابعة، يصفه الأستاذ ياسر علوي(2) بقوله: ( إن المسيري أعلن بوضوح رفضه لـ (جيتوية)(3) المصطلح... والتي تتراوح تجلياتها بين رفض ترجمة المصطلحات العبرية إلى اللغات الأخرى، والإصرار على الاكتفاء بالترجمة المنطوق اللغوي والعبري...وهو ما يمثل باختصار تحديد من المقدرة التفسيرية للمصطلح) والدافع من وراء نقض أو تجاوز مثل هذه المصطلحات من قبل الدكتور المسيري يوضحه الأستاذ ياسر فيضيف بقوله:(المعيار في رفض مصطلح شائع أو غربي وبناء مصطلح جديد كان دائما وراء السعي وراء قدرة تفسيرية أكبر، وليس الرغبة في بناء نسق علمي مستقل والاحتماء بجيتو مصطلحي مضاد)(4) ، من خلال ما ذكره الأستاذ نستنتج أن المشروع التوليدي للدكتور المسيري لم يكن من اجل تميز إنساني أو أن يظهر كفلتة في تاريخ الأمة، أو بغية وضع نموذج يختزل في أيقونة الصراع العربي الإسرائيلي. إنما جاء بغية توضيح الآليات المساعدة على تفسير أفضل للظواهر السياسية وغيرها، وهو ما مثلته حركة الدكتور من أجل إيجاد نماذج تفسيرية في معارف أخرى تندرج جميعها في العلوم الاجتماعية.
الصناعة المصطلحية
والصناعة المصطلحية التي تميز بها الدكتور ظهرت أكثر قوة في المصطلحات السياسية التي اتصلت بالصراع العربي الإسرائيلي بصورة مباشرة، فللدكتور منظومة اصطلاحية سياسية يغلب عليها الصناعة اللغوية ، ولكنها تمثل المدلول بصورة تجعلك تتأكد أن المصطلح قد استوعب كل أبعاد المفهوم، وخاصة المتمثلة منها بالقضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية.
من الصعب أن نلم بكل الإنتاج الاصطلاحي للدكتور المسيري لأن مثل هذا العمل يتطلب دراسة مستقلة تدرس [أسس التوليد المصطلحي للدكتور المسيري: دراسة في الآليات والغايات]، و لاقتصار دراستي على جزئية المصطلح السياسي، فإني سأعمد لاختيار نخبة من البدائل الاصطلاحية السياسية التي طرحها الدكتور موزعة في كتبه و دراساته المختلفة والكثيرة، تختص كما ذكرت آنفا بحيثيات النموذج التفسيري الخاضع للصراع العربي الإسرائيلي.
الجماعات الوظيفية اليهودية(5): بقدر ما تمثله هذه الأخيرة من نموذج تفسيري اعتمده الدكتور في توضيح نشاطات وتأثيرات اليهود في العالم، بقدر ما هي مصطلح سياسي يمكن أن ينبعث في دراساتنا الأكاديمية الجامعية، فالجماعات الوظيفية هو مصطلح قديم/حديث ظهر في دراسات غربية لدى ماكس (فيبرMax Weaber) و(ماركس Markes) وغيرهم ولكنه لم يأخذ هذه التسمية بالذات، غير انه كان كامنا في كتاباتهم، وقد استعمله علما الاجتماع بمصطلحات مختلفة (الأقلية الوسطية، الشعوب التجارية، الوسطاء المهاجرون، الأقليات الدائمة)(6) ، وبمحاولة استقصاء تعريف لها من مجموع التعريفات الجزئية أو المطولة لها يمكن أن نورد ما كان أبلغها حيث يعرفها الدكتور المسيري على أنها مجموعات بشرية تستجلبها المجتمعات الإنسانية، من خارجها في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم من بين الأقليات الإثنية أو الدينية،...ثم يوكل لها وظائف شتى لا يمكن لغالبية المجتمع الاضطلاع بها.(7) و عملية الجلب هنا هي ملية ليست واعية بل غير واعية كغيرها من الظواهر الاجتماعية.
وعن استبدال هذا المصطلح بالجماعات اليهودية إنما يعود لدراسة تاريخية أثبتت للدكتور أن عملية التحويل في الجماعات اليهودية في العالم الغربي إلى جماعات وظيفية كانت بتسارع كبير، حيث ملأ اليهود الفراغات بين طبقة النبلاء والفلاحين وأصبحوا أقنان بلاط أي جماعة وظيفية مالية تابعة للبلاط الملكي تضطلع بدور التجارة و جمع الضرائب. ولم يقتصر هذا التحول على العالم الغربي إنما امتد ليشمل العالم الإسلامي.(8)
وعن العلاقة بين هذا المصطلح و العقيدة اليهودية فهي تعود إلى كون اليهود أصبحوا يمثلون غرباء في الأوطان التي هم بها، وهو ما دفعهم إلى القيام بحركات استيطانية منها حركة الاستيطان بفلسطين، هنا يمكن النظر إلى الخلفية النظرية في مسألة الاستيطان التي تقوم عليها إسرائيل، التي دعمت وتدعم من دول غربية كبيرة بغية توطينهم من أجل خدمة المصالح الإمبريالية الغربية وهي بذلك تنتقل من جماعة وظيفية داخل المجتمع الذي جلبها، إلى جماعة وظيفية خارجه ولكن تخدم مصالحه، وبهذا يمكن النظر من زاوية الجماعات الوظيفية إلى العديد من المسائل المتصلة كأرض الميعاد وقضية الجدار العازل ومسألة تهويد القدس، وهذا لاعتبار بسيط أن هذه الجماعات تقوم على أساس تعاقدي كما ذكرت آنفا، وهو ما عبر عنه الدكتور بقوله: (أن الغرب كما تخلص من المجموعات اليهودية من خلال فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فكذلك الجماعات الوظيفية اليهودية وجدت فكرة الدولة العبرية ملجأ لها بعد انتهاء وظيفتها في المجتمع الغربي)(9)
الهولوكست: استُعمل هذا المصطلح للدلالة على حالة الإبادة التي تعرض لها اليهود على يد النازيين للتخلص أساسا من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا وفي البلاد الأوروبية التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان عن طريق تصفيتهم جسديا من خلال أفران الغاز. و لفظة مصطلح تعني باللغة اليونانية (حرق القربان بالكامل)، و عن سر اختيار هذا المصطلح يمكن أن يكون المقصود منه عموما هو تشبيه الشعب اليهودي بالقربان المحروق، وانه حرق لأنه أكثر الشعوب قداسة، كما أن النازيين من الأخيار يحق لهم القيام بهذا الطقس، أو ربما وقع هذا الاختيار على هذا المصطلح ليعني أن يهود غرب أوروبا احرقوا كقربان في عملية الإبادة النازية ولم يبق منهم شيء فهي إبادة كاملة بالمعنى الحرفي. وبدلا عن هذا المصطلح يطرح الدكتور البديل المناسب لهذه الحادثة التاريخية (الإبادة النازية ليهود أوروبا)، وهو في نظره المصطلح الأكثر تفسيرا وحيادا من المصطلحات المستخدمة في اللغات الأوروبية والعبرية.(10)
صهيوني لا إسرائيلي
الكيان الصهيوني: يقترح الدكتور المسيري هذا المصطلح بديلا عن (دولة إسرائيل)، حتى يبعد عن المفهوم الديني لها فيوضح ذلك بأن الصهاينة اختاروا عدة مصطلحات دينية مختلفة ليطلقوها على كيانهم الاستيطاني، فسموه (كنيست يسرائيل)، ثم (يشوف) ثم سمي أخيرا (إسرائيل)، وكلها مصطلحات تحمل دلالات دينية لا علاقة لها بأي ظواهر سياسية أو اجتماعية، ويوضح أن الغرض من استخدام المصطلح الديني في الإشارة للظاهرة السياسية بأنه (خلط بين الحدود). ويقترح بديلا عن دولة إسرائيل أن يسميها الكيان الصهيوني حتى يهرب من التسمية الدينية للدولة.(11) وهو مصطلح له مقدرة تفسيرية عالية لأنه منفتح، فهو لا يقبل القول بأن ما أسس على أرض فلسطين هو مجتمع يهودي متجانس تحكمه دولة عادية، وإنما هو كيان كائن لم تتحدد صفاته بعد، أين يؤكد على الشذوذ البنيوي لهذا الكيان الذي غرس في فلسطين المحتلة، ولكنه كيان مشتول لا جذور له فإنه يمكن أن ينفض كما بنفض الغبار.(12)
قد يكون يسيرا ما ذكر من مصطلحات بديلة منتقاة للدكتور المسيري، ولكنها تعبر عن عمق رؤية فكرية و إسلامية نابعة، تسعى إلى إيضاح الالتباسات وتحدد البديل بصورة علمية وليس بصورة غوغائية، وبالتالي فإن المصطلح السياسي البديل يتطلب أن يكون واضعوه من أصحاب الرؤية العلمية الثاقبة التي تعالج إشكالية التحيز بصورة علمية وبمرجعية حضارية.
وقد يكون هو المستخلص من كل جهود الدكتور أن المصطلح البديل في جميع حقول المعرفة لابد وان يكون منتهيا إلى نقطة مرجعية أساسية وهي تقديس الانتماء والحفاظ على الموروث والعناية بالمحدث بحسب ما تضمنه قيمنا الحضارية، ونستنتج نقطة أخرى وهي أن الإشكال الذي كان سائدا ولا يزال في بعض الأوساط الضيقة و هو: من له حق توليد المصطلح اللغوي أم المختص؟ فنجد أنها في مثال الدكتور المسيري قد حلت، وهي أن الأصل في الصياغة الاصطلاحية أن تكون مؤدية لغايات كبرى للأمة وتعنى بربطها بواقعها ولا يعزلها عنه، ونقف على نقطة ثالثة وهي أن الترجمة أو التعريب لا يمكنه فك الحصار اللغوي ولا إيقاف هذا الطوفان الاصطلاحي بل تجب له المراجعة والتفكيك والتركيب لنصل إلى بدائل منسجمة وواقعية مع ما يجب أن تدل عليه.
|