|
| البرلمان السوداني يقر قانون الانتخابات الجديد |
بموافقة البرلمان السوداني يوم 7 يوليو 2008 على قانون الانتخابات السوداني الجديد الذي وافق عليه أغلبية أعضاء البرلمان بما فيها حزبا "المؤتمر الوطني" الحاكم، و"الحركة الشعبية" الجنوبية بـ 350 صوتا مقابل 14 صوتا عارضوا القانون غالبيتهم من "نواب التجمع الوطني" المعارض، وامتناع عضوين عن التصويت، يكون السودان قد قطع نصف الطريق نحو أول انتخابات سودانية برلمانية ورئاسية وولائية (محلية) ستجري مطلع العام المقبل 2009.
يشارك في هذه الانتخابات كافة أبناء السودان من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأحزاب الشمال المعارضة، وكل ألوان الطيف، الأمر الذي دفع مراقبين لوصفها بأنها "ستكون أول انتخابات حرة حقيقية معبرة عن كل أبناء السودان".
وعلى الرغم من رصد حقوقيين ما اعتبروه "نواقص" في القانون الذي يتضمن 115 مادة، والذي سوف تجري على أساسه انتخابات كل من: الرئيس ورئيس حكومة الجنوب والبرلمان الاتحادي، وبرلمان الجنوب، وحكام الولايات، فهناك شبه توافق على أن القانون الجديد حقق إنجازات مهمة، وسعى لترميم مشكلات قديمة، والذي سيسمح لقوى كثيرة مهمشة، أو صغيرة التمثيل السياسي التعبير عن نفسها.
بل إن هذا التوافق على أن القانون حقق على الأقل 90% من الضوابط الديمقراطية، وساهم في موافقة الحركة الشعبية الجنوبية عليه برغم اعتراضها على بعض نصوصه؛ ولذلك أجرى البرلمان على القانون الأصلي 67 تعديلا شكليا، باستثناء تعديل النسبة المؤهلة لدخول الانتخابات بالنسبة للأحزاب إلى 4% بدلا من 5%.
وحتى الخلافات التي دارت حول تعديلات إضافية كانت ثانوية؛ لأن القانون حقق الحد الأدنى من المطلوب، فالقانون حدد نسبة 60% من المقاعد للدوائر الجغرافية على مستوى الولايات، و40% لدوائر التمثيل النسبي، ما سوف يستفيد منه كل القوى المهمشة، والأحزاب الصغيرة، وكذا النساء اللاتي فرض لهن القانون 25% من المقاعد؛ على أن تكون 10% دوائر ولائية منفصلة ومغلقة على النساء، و15% دوائر نسبية حزبية منفصلة ومغلقة.
وعندما اعترضت أحزاب المعارضة الصغيرة (قرابة 13 حزبا) على نسبة الـ 5% كشرط لدخول البرلمان جرى تخفيضها إلى 4% من الأصوات.
أما الترشح لمنصب رئيس الجمهورية فقد نص القانون على أن يجمع هذا المرشح تزكية من 15 ألف ناخب من 18 ولاية، تنزل إلى 10 آلاف ناخب في الترشح لرئاسة حكومة الجنوب، ويجمعهم من 7 ولايات جنوبية، وأن يزكي الوالي 5 آلاف من نصف محليات ولايته.
وهذه الشروط انتقدتها أيضا أحزاب المعارضة، وتحالف ضد رفضها قرابة 17 حزبا وقوة سياسية صغيرة لا تمثل أغلبية في البرلمان؛ خشية عدم قدرتها على الحصول على هذه النسب اللازمة لترشيح منتسبيها للرئاسة أو منصب الولاة وغيره، كما اشترط القانون لفوز مرشح برئاسة الجمهورية أن يحصل على 51% من الأصوات، وهي النسبة نفسها المطلوبة لفوز ولاة الأقاليم السودانية المنتخبين.
والأهم أن قانون الانتخابات وضع ضمانات لنزاهتها، منها: منع الأساليب والممارسات الفاسدة/ واستخدام إمكانيات الدولة، بحيث تكون الفرص متساوية للأحزاب، وسمح بوجود مراقبة دولية للانتخابات، كما أن القانون أنشأ مفوضية مستقلة للانتخابات القومية؛ تكون من تسعة أعضاء، من ذوي الخبرة والحيدة والاستقلالية، حيث يقوم رئيس الجمهورية بتعيينهم بعد مشاورة نائبه الأول، ويشترط أن يعتمدهم البرلمان بثلثي أعضائه ويوافق عليهم.
وكان إقرار القانون الآن، وعدم التنازع حوله أمرًا ملحًا؛ لأنه لم يتبق الكثير على موعد الانتخابات البرلمانية؛ ولأن التأجيل أو التأخير معناه تأخير خطط الانتخابات، وتأخير تنفيذ اتفاقية السلام في الجنوب، واستمرار بقاء الأحوال مضطربة، مما يضر بوحدة السودان.
لذلك كان من الملفت للنظر وقوف أحزاب الشمال – خصوصا حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي – مع القانون ومع الحكومة؛ لأن الأحزاب الشمالية تدرك أن هناك حاجة ملحة للتوحد مستقبلا - وفي الانتخابات - لضمان الحفاظ على هوية السودان العربية الإسلامية في مواجهة دعاوى الانفصال، ودعاوى الطائفية والعرقية، ومن يرفعون لواء أن السودان إفريقي زنجي، لا عربي مسلم.
فكما هو معلوم هناك مشكلات لا تزال تواجه وحدة السودان في غرب دارفور، وفي الجنوب نفسه الذي لا يزال بعض قياديه يدفعون باتجاه الانفصال.
ووسط هذه الدعوات تتصاعد المخاوف من ضياع هوية السودان الحقيقية العربية الإفريقية، بل إن قوى سياسية سودانية تخشى عرقلة اضطرابات دارفور لهذه الانتخابات، فضلا عن صعوبة إجرائها هناك أصلا في بعض مناطق التوتر العسكري، مما دفع الحكومة لتكثيف الاتصالات السرية مع فصائل التمرد هناك؛ للتوصل لاتفاق سلام عاجل في غضون الستة أشهر المقبلة.
وترجع أهمية قانون الانتخابات الجديد إلى أنه ضروري؛ كي يختار السودانيون على أساسه رئيسًا وحكومة جديدين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وهو ما سوف يؤثر بدوره على تحديد أوزان القوى الحقيقية للأحزاب في السودان، ولقوة الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، وحزب الجنوب (الحركة الشعبية) - اللذان يسيطران على 80% من مقاعد البرلمان الحالي- مما سيؤثر مستقبلا، وبدرجة كبيرة على تحديد مصير البلاد وحدة أو انفصالا.
115 مادة ونصرا كبيرا للمرأة
ويتألف القانون الجديد من 115 مادة، أبرزها: المفوضية القومية للانتخابات، والسجل الانتخابي، والنظام الانتخابي لرئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والولاة، والترشيح لعضوية المجلس الوطني، ومجلس الولايات، والمجالس التشريعية الولائية، إضافة إلى ضوابط الحملة الانتخابية وتمويلها، ومراكز الاقتراع وفرز الأصوات، والاستفتاء، وعقوبات الممارسات الفاسدة وغيرها.
ويعتبر قانون الانتخابات واحدا من قوانين كثيرة تسعى الخرطوم لتغييرها؛ كي تتوافق مع مرحلة السلام الجديدة، ومع الدستور الديمقراطي الجديد الذي وضع بعد اتفاق السلام بين الشمال والجنوب عام 2005، وأنهى أطول حرب أهلية شهدتها إفريقيا.
لكن الجديد والمهم في هذا القانون أنه أقر نظامي القوائم النسبية، والانتخاب الحر المباشر معا، حيث أقر انتخاب 60% من المقاعد عبر الدوائر الانتخابية الجغرافية؛ أي مثل الانتخابات التقليدية القديمة (وهي حوالي 270 دائرة من الـ 450)، و40% عبر التمثيل النسبي (أي 68 دائرة).
وكان التطور الأبرز في هذا القانون هو النص على أن يكون 25% من المقاعد للنساء (أي حوالي 112 دائرة من الـ 450)، وهو انتصار كبير للمرأة السودانية قد وافق عليه الجميع، برغم أن المطالب النسائية كانت تطلب أن ترتفع النسبة إلى 50% من المقاعد، وخرجت مظاهرات ضده أمام البرلمان!
والطريف أنه على حين احتج النساء وطالبن بالمزيد، انتقد متدينون وعلماء هذا الاهتمام بالنساء لحد تخصيص 25% من مقاعد البرلمان لهن، واعتبر بعضهم أن أصول هذا الاقتراح بتخصيص نسبة مقاعد للنساء جاءت من وراء الحدود (الخارج)، وأنها جاءت تأثرا بمقررات الأمم المتحدة التي يسيرها الفكر الغربي في هذه المجالات، ومؤتمرات بكين والقاهرة وغيرها، واتفاقية سيداو التي لم يوقع عليها السودان، وتدخل العالم في عصر تمكين المرأة.
بل إن بعض الأحزاب السودانية الديمقراطية -كحزب الأمة- أبدى بعض أعضائها -على غير المتوقع- مساندة لفكرة انتخاب المرأة عبر الأحزاب، وعدم تخصيص كوتة (حصة) لهن، مثل قول الدكتور عبد النبي علي أحمد الأمين العام لحزب الأمة أثناء المداولات حول قانون الانتخابات بالمركز العام للمؤتمر الوطني 26/6/2008: "كنا وما زلنا نرى أن النساء لا بد أن يمثلن من خلال أحزابهن وليس كنساء".
مفوضية مستقلة للانتخابات
ويرى خبراء سودانيون أن أهم ما في قانون الانتخابات هو أنه أقر تشكيل لجنة مستقلة تدير الانتخابات بما يبعد شبهة تأثير الدولة وأجهزتها عليها، وأن مشاركة قوى المعارضة في الشمال فيها، وكذا مشاركة الحركة الشعبية الجنوبية، ومراقبة أجانب لها يرفع درجة المراقبة والشفافية فيها، ويجعلها -ربما- الانتخابات الأكثر حرية منذ انتخابات عام 1986.
ويقول الدكتور الطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، إن قانون الانتخابات الجديد استوفى الشروط التي وضعتها اتفاقية السلام، حيث ستكون هناك مفوضية مستقلة للانتخابات ليس لأعضائها أي انتماء حزبي، وهم من أناس مشهود لهم بالنزاهة وبالحياد في التعامل، وهذه المفوضية منحت سلطات واسعة جدا، وهي مسئولة عن العملية الانتخابية من أولها إلى نهايتها، وتضع الجداول، وتعين لجان الانتخابات، وتبت في أي طعون أو استئنافات تصل إليها.
وقال: "القانون يشتمل أيضا على مواد كثيرة تخص استغلال النفوذ أو الفساد أو التزوير، وكل الأساليب الفاسدة التي يمكن أن تتم في الانتخابات ويمنع هذه الأساليب الفاسدة".
انتقادات للقانون
والحقيقة أن قانون انتخابات 7/7/2008 لم يخل مع ذلك من انتقادات شديدة تتعلق أساسا بنقطتي شرط الـ 5% (أو 4% بعد تخفيضها) لدخول الأحزاب الصغيرة للبرلمان؛ إذ يرى المعارضون أن هذا الشرط أشبه بجدار يحرم العديد من القوى المهشمة، والأحزاب الصغيرة من دخول البرلمان، في حين أن الهدف هو تشجيع هذه القوى على المشاركة السياسية، لا رفع السلاح الذي نتج عنه مآسٍ وتمردات في عدة ولايات أبرزها دارفور.
ويقول أنصار هذا الرأي إن قانون الانتخابات استكمال لأسلوب يتبعه حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالتعاون مع شريكه الحاكم في الجنوب (الحركة الشعبية)، وهو السيطرة على الحياة السياسية، واقتسامها بالتساوي بنفس عقلية تقسيم السلطة والثروة بينهما، مع تجاهل باقي الأحزاب والقوى؛ سواء الشمالية أو الجنوبية أو حتى الشرقية والغربية.
أيضا من الانتقادات القانونية الأخرى عدم نص القانون على كيفية انتخاب نائب الرئيس، حيث لا توجد في نصوص مشروع قانون سنة 2008 أي نص أو إشارة إلى الكيفية التي يتم بها انتخاب أو اختيار نائب رئيس الجمهورية، برغم أن القانون نص على أن نظام الحكم رئاسي جمهوري.
ويقول أصحاب هذا الرأي القانوني إنه على الرغم من نص اتفاقية نيفاشا للسلام مع الجنوب على كيفية اختيار وتعيين نائب للرئيس، فإنه كان من الضروري النص على هذا في قانون الانتخابات القومي، بحيث ينسحب الأمر على نواب آخرين للرئيس ليسوا فقط من الشمال أو الجنوب.
وهنا نشير إلى أن مسألة اختيار نائب الرئيس قد تم تنظيمها وترتيبها في نصوص الدستور الانتقالي لسنة 2005، حسبما وردت في اتفاقية نيفاشا للسلام الشامل، والتي جاء ترتيبها على أسس "شمال- جنوب"، حيث نص الدستور على أنه "إذا انتخب الرئيس من الشمال فإن الشخص الذي يتم انتخابه لرئاسة حكومة الجنوب سيتم تعيينه نائبا للرئيس السوداني، وإذا تم انتخاب الرئيس من الجنوب فإنه سيقوم بتعيين شخص من الشمال نائباً للرئيس".
أما اتفاقية نيفاشا فقد نصت على أن للرئيس نائبين: واحد من الجنوب وآخر من الشمال (المواد 2، 3، 7)، وتم شرح ذلك في المادة 62/1 من الدستور التي نصت على أنه "إذا فاز الرئيس من الجنوب فعليه تعيين نائب رئيس من حزب الأغلبية في الشمال".
أما الوضع بعد تنفيذ الاستفتاء على حق تقرير مصير الجنوب عام 2011، فقد تم ترتيبه في المادة 69/1 من الدستور، والتي نصت على أن "يكمل الرئيس ونائبه الفترة الانتخابية إذا اختار الجنوب الوحدة، أما في حالة اختيار الجنوب للانفصال والاستقلال بدولته فعلى رئيس الجمهورية مواصلة الفترة الرئاسية إذا كان من الشمال، أما إذا كان من الجنوب فيعتبر منصب رئيس الجمهورية شاغرا بالاستقالة، وحينها يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس ليكمل الفترة الانتخابية.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|