|
| هل تساهم سوريا في تحقيق المصالحة الفلسطينية؟ |
"أبو مازن في سوريا لأول مرة منذ سنوات للقاء الرئيس الأسد وترتيب المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس.. لقاء مرتقب بين الرئيس الأسد والرئيس اللبناني الجديد ميشال سليمان في باريس؛ لكسر حدة الجليد بين البلدين منذ اغتيال الحريري.. فرنسا تتخلى عن سياسات مناهضة لسوريا وتدعو الأسد لزيارة باريس بعدما سبق أن تزعمت حملة ضده مع أمريكا ضمن ما سمي "قانون محاسبة سوريا".
هذه كلها تطورات تؤشر على عودة الدور السياسي والدبلوماسي السوري المفقود في المنطقة العربية، ربما ساعد عليه أفول نجم الأصوليين المحافظين في واشنطن وغلق أجندتهم الخاصة بدول "محور الشر" ومنها سوريا وكوريا الشمالية، ولملمة الرئيس بوش ما تبقى من أوراقه المبعثرة في العراق وأفغانستان – كأولوية - تمهيدا لنهاية عهده.
ولو لم يستشعر الرئيس الفلسطيني عباس هذا الدور السوري الهام والمؤثر في إبرام المصالحة الفلسطينية أو تشجيع مبادرته الخاصة بالمصالحة والحوار بين كافة الفصائل الفلسطينية التي طرحها في يونيو الماضي –والمقصود بها بشكل أساسي المصالحة بين فتح وحماس – ما ذهب لسوريا برغم أنها الرئيس الحالي للقمة العربية.
ولو لم يدرك الفرنسيون - وخلفهم معسكر الأغلبية (الموالاة) في لبنان - أهمية الدور السوري في تمرير المصالحة المصالحة اللبنانية / اللبنانية الأخيرة والتوافق على انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة أخرجت لبنان من حرب أهلية موسعة كانت منتظرة هذا الصيف، بل أهمية استمرار دورهم في هذه المعادلة المتوازنة التي تحفظ للبنان استقراره، ومن ثم المصالح الفرنسية في المنطقة، ما سعوا لكسر الحصار الذي فرضته واشنطن – ومعها الأمم المتحدة - على سوريا ودعوة الرئيس الأسد لزيارة باريس، بل ترتيب لقاء بينه وبين الرئيس اللبناني الجديد.
والحقيقة أن هذا الدور السوري المفقود العائد للتأثير مرة أخرى في المنطقة لا يعود لصمود سوري أسطوري يمكن أن نعزف عليه أمام آلة الضغوط الغربية الرهيبة التي أوصلت الأمور لحد الحديث عن ضربة أمريكية عسكرية أو إسرائيلية لدمشق في وقت سابق، بقدر ما يعود لتجاوب أو تنازلات سوريا تجاه الأطراف الغربية بعدما التقت مصالح الطرفين في نقطة وسط، فيجب ألا ننسى هنا أن سوريا بدأت سلسلة مفاوضات سرية مع إسرائيل عبر الوسيط التركي يتوقع أن تنتقل قريبا لمفاوضات مباشرة، ولا أن الغرب وإسرائيل في حاجة لتفكيك المعسكر الإيراني السوري وعزل سوريا عن إيران تمهيدا – ربما - لسيناريو "يوم القيامة" ضد منشآت طهران النووية، ولا ننسى أيضا أن دمشق في حاجة لمن ينتشلها من حالة الحصار التي هي فيها ولإعطائها دورا ما.
وقد لا يكون مستغربا وسط هذا كله كيف مرت حادثة مجزرة السبت الأسود في "سجن صيدنايا" أول يوليو الجاري - التي قتل فيها عدد غير محدد من النزلاء (قرابة 25 سجينا إسلاميا) بسبب إهانة حراس السجن للقران الكريم ودهسه بالأقدام – دون أن نرى حملة تصعيد حقوقية أمريكية أو فرنسية أو حتى عربية ضد دمشق؛ لأن ملف التهدئة والصداقة والتنازلات السورية فتح مرة أخرى.
عباس في دمشق
ولأن زيارة الرئيس الفلسطيني عباس لدمشق هي الحدث الأبرز والأهم، خصوصا لجهة دعوته الرئيس بشار الأسد للتدخل لدعم مبادرته الخاصة بوحدة الصف الفلسطيني، فمن الطبيعي أن ينظر هنا لأهمية الدور السوري وتأثيره في هذا الملف الهام، خصوصا أن سوريا تحتضن قيادتي حركتي حماس والجهاد وفصائل فلسطينية أخرى.
ومع أن عباس التقى كافة الفصائل الفلسطينية في دمشق، ولم يلتق قادة حماس الذين ذهب خصيصا لمطالبة سوريا بدفعهم لقبول المصالحة والتخلي عن السيطرة عن غزة، فلقاء عباس مع الأسد وبحث مسيرة مفاوضات السلام في المنطقة، وكيفية تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية كاف للدلالة على بحث الرئيس عباس عن دور سوري مؤثر وضاغط على حماس لتسهيل مهمة الرئيس عباس.
وربما تكون زيارة عباس لدمشق "ضربة معلم"؛ لأنه يدرك أن مفتاح حماس في يد دمشق التي تستضيف مكتبها السياسي بأكثر مما هو في يد القاهرة التي توترت علاقتها مع حماس نسبيا على خلفية اقتحام معبر رفح، ما جعل حماس تقول إن مصر أكثر انحيازا لحركة فتح، كما أنه كان ينتظر – وهو الأهم - تسلم ورقة من خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة – عبر الرئيس السوري – تتضمن خطة حماس للمصالحة وإعادة الأمور لنصابها بتوحيد الضفة وغزة وإجراء انتخابات جديدة.
ربما لهذا كان من الطبيعي أن يتولى الرئيس السوري عرض موقف حماس –نيابة عن خالد مشعل– على الرئيس عباس وأن يؤكد له، وفق وكالة الأنباء السورية، ضرورة بذل أقصى الجهود من أجل تحقيق وحدة الصف الفلسطيني؛ لأن اللحمة الوطنية بين الفلسطينيين هي السبيل الوحيد لنيل حقوق الشعب الفلسطيني وتطلعاته في ظل دولته المستقلة، وعاصمتها القدس.
ولذا ثمن عباس "الدور التي تقوم به سوريا والجهود التي يبذلها الرئيس الأسد بصفته رئيس القمة العربية لتعزيز التضامن العربي، ولم الشمل الفلسطيني، ودعم قضاياه المحقة والعادلة"، وتأكيده على "التزام منظمة التحرير الفلسطينية بقرارات القمم العربية من أجل مصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية".
أسباب العودة السورية
ولا يخفى أن هناك مخاوف فلسطينية من أن تطغى المفاوضات السورية مع إسرائيل على ملف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية المتعثرة؛ بحيث تحل سوريا مشاكلها مع تل أبيب كما فعلت مصر، ويبقى الفلسطينيون بلا سند مقاوم أو داعم عربي، خصوصا بعدما ظهر أنه لا توجد رغبة إسرائيلية ولا نية أو قدرة أمريكية على تحقيق ذلك، رغم ما قاله أبو ردينة مستشار أبو مازن من أن عباس أبلغ الأسد أن "أي تقدم على هذا المسار من شأنه أن يعزز الموقف الفلسطيني في المفاوضات مع إسرائيل".
وربما تكون مباحثات عباس – الأسد استهدفت محاولة طرح رابط ما في المفاوضات السورية الإسرائيلية حول القضية الفلسطينية التي تعثرت مفاوضاتها منذ استئنافها في نوفمبر الماضي بعد مؤتمر أنابوليس؛ إذ إن هذه المفاوضات التي بدأت مؤخرا بوساطة تركية وبعد توقف دام ثمانية أعوام تدور حول سلام دائم يصعب إقراره ما لم تحل مشاكل لبنان أيضا ومعسكرات اللاجئين الفلسطينيين بها، وهو أمر ألمح له أمين عام حزب الله في مؤتمره الصحفي الأخير حينما تحدث عن "الإستراتيجية الدفاعية" و"إستراتيجية التحرير" وعقبة اللاجئين الفلسطينيين.
ولا يخفى أيضا أن الرئيس عباس في حاجة ماسة للدور السوري لتسريع هذه المصالحة والحوار وإقناع حماس بإعادة الأوضاع في غزة لما كانت، خصوصا أن مدة رئاسته أوشكت على الانتهاء في يناير المقبل 2009، ويفترض أن تنقل سلطاته لرئيس البرلمان الفلسطيني (نائبه لأن رئيسه مسجون في إسرائيل) الذي ينتمي لحركة حماس، كما أن رفض حماس وعدم اعترافها بما أعلن مؤخرا من جانب سلطات الفتوى في أجهزة السلطة بشأن تمديد مهمة عباس حتى عام 2010 يؤشر لمزيد من الانقسام ما لم يتم حل الخلافات القديمة، وإلا ظهرت خلافات أعمق وأصبح هناك رئيسان في غزة (رئيس البرلمان بالنيابة) والرئيس عباس في الضفة؛ ما يرسخ مأساة دويلتين فلسطينيتين لا دولتين فلسطينية وإسرائيلية!
وليس هناك من شك في أن الرئيس عباس ظل يقاوم هذا اللجوء لسوريا وطرح فكرة الحوار مع حماس –خصوصا في ظل الفيتو الأمريكي - ويراهن على تحقيق إنجاز في المفاوضات مع الإسرائيليين، وعندما خذله الأمريكيون والإسرائيليون ولم يتسع الوقت بسبب الانتخابات الأمريكية والأزمة الإسرائيلية الداخلية، لم يجد بدا من العودة للحوار مع حماس ومع سوريا؛ لأن البديل هو اتساع وتجذر الانقسام الفلسطيني، وهو ما يراهن عليه الغرب وإسرائيل، فضلا عن أن خيار المقاومة لدى حماس أجبر إسرائيل على التفاوض (اتفاق التهدئة)، في حين أن خيار عباس التفاوضي السلمي لم يأت له بأي مكسب.
وربما استغل الأسد هذا في مطالبة عباس – كما أكدت مصادر سورية - بعدم المراهنة على الدعم الأمريكي، خصوصا أن المفاوضات التي انطلقت عقب مؤتمر أنابوليس الذي عقد نهاية نوفمبر الماضي لم تحقق أية نتائج، وهو ما يتحسب الرئيس عباس منه خشية تحول جذري في الموقف الأمريكي والإسرائيلي منه هو شخصيا ووقف التعامل معه، الأمر الذي يقوده للعودة لورقة حماس لضمان حد أدنى من الوحدة الفلسطينية وفي الوقت نفسه الضغط على الطرف الأمريكي والإسرائيلي والاستقواء بالتيار المقاوم لصالح التفاوض مستقبلا مع إسرائيل.
هناك مؤشرات قوية بالتالي لا تخطئها العين على عودة الدور السوري المفقود المؤثر عربيا نتيجة عوامل كثيرة محلية وإقليمية ودولية، وراء تحول دمشق مؤخرا إلى قبلة للفرقاء الفلسطينيين واللبنانيين وللرسائل غير المباشرة بين طهران وأمريكا، ويبدو أن أفول نجم بوش وفشل خطط حصار ومحاسبة سوريا، إضافة للتحول النسبي في الموقف السوري بقبول التفاوض مع تل أبيب في تركيا، هما من الأسباب المساعدة على هذه العودة السورية.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|