English

 

السبت. يوليو. 5, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ماذا يجري في تركيا؟! *

د.إبراهيم البيومي غانم

الحجاب عنوان لتناقضات المشهد التركي
الحجاب عنوان لتناقضات المشهد التركي
المحكمة الدستورية التركية أصدرت يوم 5 يونيو الماضي قرارا ببطلان التعديلات الدستورية التي تسمح للطالبات بدخول الجامعة بالحجاب، وعلى إثر ذلك قال رئيس الأركان يشار بيوكانت: إن "تركيا دولة حقوق علمانية ديمقراطية"، مشيرا إلى ضرورة احترام قرار المحكمة، بينما صرح رئيس الحكومة رجب أردوغان بأن "المحكمة الدستورية تجاوزت صلاحياتها".

ولا تزال تصريحات المسئولين والسياسيين الأتراك تتوالى تعقيبا على التطورات التي من شأن قرار المحكمة أن يتسبب فيها بالنظر إلى القضية المرفوعة من المدعي العام لحل حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحرمان عدد كبير من قياداته من العمل السياسي وعلى رأسهم رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.

البرلمان التركي من جانبه أعلن في (11/6) أنه لن يأخذ إجازته التشريعية المعتادة (يوليو وأغسطس) حتى يصدر حكم المحكمة الدستورية في دعوى حل الحزب الحاكم، ومن المتوقع أن يصدر في سبتمبر المقبل، وإذا قررت المحكمة حل "العدالة والتنمية" فإن حكمها سوف يسري أيضا على حزب المجتمع الديمقراطي (كردي)، وربما يسري كذلك على حزب الحركة القومية، ومن ثم فإن مسرح السياسة التركية مرشح لمزيد من عدم الاستقرار السياسي بما له من انعكاسات شديدة السلبية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام، وربما تشهد الشهور القليلة المقبلة مفاجآت ليست في الحسبان.

ويتعلق قرار المحكمة الدستورية التركية بالتعديل الذي أقره البرلمان التركي في فبراير الماضي على المادتين 10و42 من الدستور بهدف احترام مبدأ المساواة بين المواطنين في المعاملات وفي الحصول على الخدمات -كما سنوضح بعد قليل- وقد جاء قرار المحكمة مشوبا بعيوب كثيرة تتلخص في أن المحكمة نصبت نفسها مشرعا فوق البرلمان، وتجاوزت صلاحياتها، وتعدت على اختصاص السلطة التشريعية.

وبعيدا عن البحث القانوني والدستوري في مدى دقة القرار، فإن مغزاه السياسي في رأينا هو أنه يعبر عن وصول قوى "العلمانية" في المجتمع التركي إلى "أزمة" عميقة بالمعنى الذي قصده غرامشي، ففي الوقت الذي تحقق فيه السياسات التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية الحاكم نجاحات متوالية، وخاصة في الميدان الاقتصادي، وفي ميدان العلاقات الدولية لتركيا، نجد أن مواقف القوى العلمانية تلقى مزيدا من الرفض الشعبي، ويدفعها ذلك إلى الخروج على القانون والدستور أحيانا، ضاربة بمبادئ وأبجديات الممارسة الديمقراطية عرض الحائط، ومن ثم تتصاعد مظاهر عدم الرضا عن تلك القوى العلمانية في أوساط اجتماعية كانت تؤيدها في مراحل سابقة من تاريخ التطور السياسي التركي منذ تأسيس الجمهورية سنة 1923.

وهذه الحالة هي بالضبط ما قصده غرامشي بمفهوم "الأزمة السياسية"؛ حيث تتخذ قوة ما سياسات غير شعبية، وتتجاوز القواعد والأطر القانونية القائمة في سبيل المحافظة على مواقعها في السلطة.

أما عندما تكون السياسات ذات مضمون شعبي، وتحظى بالقبول الطوعي والرضا، فإن القاعدة الشعبية المؤيدة لتلك السياسات والقوى التي تتبناها تتسع، وتزداد شرعيتها قوة ورسوخا، باعتبار المبدأ الديمقراطي الذي يقول إن الشعب مصدر السلطات، وهذا هو بالضبط المعنى العكسي لمفهوم الأزمة لغرامشي.

وعليه يمكن القول إن الأحزاب العلمانية، والمؤسسات المساندة لها في تركيا هي الواقعة في عمق الأزمة السياسية، وإن حزب العدالة والتنمية، وحلفاءه من الأحزاب الأخرى القومية والديمقراطية يقفون خارج هذه "الأزمة السياسية"، وإن كانوا هم هدفها المقصود، وضحيتها التي يرغب الواقعون في الأزمة أن ينالوا منها.

خلفيات الأزمة حول معركة الحجاب

في فبراير (2008) أقر البرلمان التركي التعديلات التي اقترحها حزب العدالة والتنمية الحاكم على المادتين العاشرة والثانية والأربعين من الدستور، وجاء قرار البرلمان بأغلبية وصلت إلى 80% من أعضائه، وتقترب هذه النسبة من نسبة مؤيدي الحجاب في المجتمع التركي، حسب أحدث نتائج استطلاعات الرأي العام التركي حول هذه المسألة.

وقد رحب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بهذا التعديل ووصفه بأنه "انتصار للديمقراطية والعدالة في تركيا"، وهذه الكلمات التي قالها أردوغان تلخص المغزى الحقيقي من تلك التعديلات؛ حيث صوت بالموافقة عليها 411 عضوا من إجمالي أعضاء البرلمان البالغ عددهم 550 عضوا، بينما عارضها 103 أعضاء فقط، أغلبهم من حزب الشعب الجمهوري -الأتاتوركي- المعارض، كما سمحت الحكومة بخروج مظاهرات ضمت عشرات الآلاف من المناهضين لتلك التعديلات، ورفع المتظاهرون صور مصطفى كمال أتاتورك، وشعارات تؤكد علمانية الدولة، ولم تتعرض قوات الأمن للمتظاهرين بأي أذى، وعبر كل فريق عن رأيه بطريقته، وكانت الكلمة النهائية لممثلي الشعب، الذي هو مصدر السلطات، وهذا هو "الانتصار الديمقراطي" الذي أشار إليه أردوغان.

أما انتصار "العدالة" الذي أشار إليه رئيس الوزراء أيضا، فيتمثل في أن تلك التعديلات ستمكن طالبات الجامعات التركية من حرية ارتداء الحجاب، ومن ثم سوف تتيح فرصة التعليم العالي مجددا أمام آلاف الطالبات اللائي حرمن في فترات سابقة من حق التعليم الجامعي وما فوق الجامعي، منهن بنات أردوغان رئيس الحكومة نفسه، وزوجة عبد الله جول رئيس الجمهورية التركية الحالي وابنته أيضا، وذلك بسبب إصرارهن على لبس الحجاب من جهة، وعدم تسامح الإدارة الجامعية التي يسيطر عليها العلمانيون منذ عشرات السنين في مسألة حظر الحجاب من جهة أخرى بحجة تطبيق قرار مجلس التعليم العالي بتعميم حظر دخول المحجبات إلى الحرم الجامعي، وهو القرار الذي جرى تعميمه على جميع الجامعات التركية منذ الإطاحة بحكومة نجم الدين أربكان سنة 1997، على أثر الإنذار الشهير الذي وجهه له الجنرال إسماعيل حقي قره داغي رئيس أركان الجيش آنذاك، وتضمن (20 نقطة) انصبت جميعها على كبح جماح ما سمي "التطلعات الأصولية الإسلامية"، وكان من بين تلك النقاط: الالتزام الكامل بالمادة (174) من الدستور، التي تؤكد المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، وفي مقدمتها مبدأ (العلمانية)، و"عدم التفكير في السماح بارتداء الحجاب".

هكذا كما ورد في نص الإنذار المذكور، مع ملاحظة أن الدستور التركي منذ عهد أتاتورك إلى اليوم لم يرد فيه نص يمنع الحجاب صراحة، وإنما جرى تأويل العلمانية تأويلا جعلها معادية للإسلام ولكل من يرتبط بها أو ينتسب إليها، والملفت للنظر أن الجدل الذي أثير حول تعديل المادتين (10و42) من الدستور قد دار بين المؤيدين والمعارضين حول مسألة "حرية ارتداء الحجاب" بصفة عامة، وفي الجامعات بصفة خاصة، في حين لا يتحدث نص المادتين عن مسألة الحجاب أصلا، وإنما عن "المساواة أمام القانون"، وهذا هو عنوان المادة العاشرة، وعن "التعليم حق وواجب"، وهذا هو عنوان المادة الثانية والأربعين.

ويكمن سر احتدام الجدل بين مؤيدي التعديل ومعارضيه في تلك "المفارقة" بين تركيز الجدل السياسي والحزبي والإعلامي على مسألة الحجاب، بينما تتحدث مادتا الدستور عن المساواة وحق التعليم، كما تكشف هذه المفارقة نفسها عن أحد أهم الفروق بين "العلمانية السلبية"، و"العلمانية الإيجابية" على حد تعبير يشار أكيش النائب في البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية حاليا، ووزير خارجية تركيا وسفيرها في القاهرة سابقا.

وقبل الكشف عن أبعاد تلك المفارقة، وتحليل الفروق التي كشفتها معركة الحجاب الأخيرة بين العلمانية السلبية والعلمانية الإيجابية، يحسن ذكر نص فقرات المادتين قبل التعديل وبعده، وهما كما يلي:

  1. نصت الفقرة الرابعة من المادة العاشرة قبل التعديل على أن "تلتزم جميع المؤسسات الحكومية وجهات الإدارة العامة بمبدأ المساواة (بين المواطنين) في كل المعاملات التي تقوم بها".

    أما بعد التعديل فأصبحت تنص على أن "تلتزم جميع المؤسسات الحكومية وجهات الإدارة العامة بمبدأ المساواة (بين المواطنين) في كل المعاملات والخدمات التي تقوم بها"، والتعديل هنا هو بإضافة كلمة واحدة فقط هي "الخدمات"، حتى يشمل مبدأ المساواة "التعليم" باعتباره خدمة تقدمها المؤسسات الحكومية للمواطنين.

  2. نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية والأربعين على أنه "لا يحرم أحد من حق التعليم والتعلم"، ونصت الفقرة الثانية من المادة نفسها على أن "حق التعليم ينظمه القانون".

    أما بعد التعديل فقد أصبحت الفقرة الأولى تنص على أنه "لا يحرم أحد من حق التعليم إلا بنص صريح في القانون"، والتعديل هنا واضح في النص على أن يكون الحرمان من حق التعليم "بنص صريح في القانون"، وليس بمجرد تأويل من عند الجهات المسئولة.

    وأضيفت فقرة سابعة للمادة نفسها تنص على أنه "لا يمنع أي مواطن مهما كانت الأسباب من حق التعليم العالي، ويبين القانون حـدود التمتع بهذا الحق".

واضح أن الهم الأساسي للتعديل هو مبدأ المساواة في الحق في التعليم وليس الحجاب في حد ذاته، مع إزالة العقبات التي تحول دون حصول بعض أبناء المجتمع على حق التعليم الذي كفله الدستور، وجاءت مواقف المعارضة لتكشف عن أبعاد مفهوم "العلمانية السلبية".

العلمانيون وحجج حظر الحجاب

يستند أنصار العلمانية السلبية في تركيا -ويتقدمهم حزب الشعب الجمهوري المعارض- إلى حجة أساسية مؤداها: أن الحجاب يمثل تهديدا للنظام العلماني في تركيا ومبادئ أتاتورك، وأن إلغاء الحظر عليه سيحول تركيا إلى دولة دينية مماثلة لإيران.

ويقول أحد رموز هذا الفريق وهو الدكتور أورال أركوبوت رئيس جامعة الشرق الأوسط التقنية في تركيا: "إن التعديلين الدستوريين يعدان بمثابة فرض العقائد الدينية على الدستور".

وعقب إعلان نتيجة التصويت على تعديل المادتين، تعهد نواب حزب الشعب الجمهوري باللجوء إلى المحكمة الدستورية لإلغاء هذا التعديل.

أنصار العلمانية السلبية يفهمونها على أنها معادية للدين ولكل ما يمت إليه بصلة، ولكنهم لا يقدمون تعريفا محددا للعلمانية التي يؤمنون بها، بل إننا لم نجد في كتابات أتاتورك نفسه أي تعريف للعلمانية! فقط هناك نص على "مبدأ العلمانية" كأحد مبادئ الدستور الذي وضعه أتاتورك، ولا يزال هذا المبدأ موجودا في الدستور إلى اليوم.

وقد ساد ذلك المعنى السلبي باعتبار أن العلمانية تعني "الفصل بين الدين والدولة"، وأنها -وهذا هو الأهم- تعني محاربة الدين وكل مظاهر التدين، والأكثر أهمية من كل ذلك، وأشد خطرا في الوقت نفسه هو أن أنصار العلمانية السلبية يتصورون لأنفسهم منزلة سامية، تسمح لهم بممارسة الوصاية على عقول وآراء واختيارات بقية المواطنين.

وقد اتخذ أنصار هذا المعنى السلبي من العلمانية أيديولوجية لهم سعوا من خلالها باستمرار لفرض سيطرتهم على المجتمع التركي، وتصوروا أنهم أولياء أمره، ويفكرون بالنيابة عنه، وأن سلطة الدولة وأجهزتها البيروقراطية والعسكرية يجب أن تكون لهم وحدهم، وهم يكرهون المؤسسات الشعبية التمثيلية، بما في ذلك المجالس التشريعية، ولا يتحملون البرلمان -كما يقول محمد ألتان أستاذ القانون الدستوري بجامعة إستانبول- إلا بقدر ما يشكل امتدادا للبيروقراطية المدنية والعسكرية التي تدين لهم بالولاء.

وبالرغم من أن هذا الفهم السلبي للعلمانية هو مجرد تأويل وليس نصا من نصوص الدستور أو القانون، فإنه وجد طريقه للتطبيق؛ بسبب سيطرتهم على المؤسسات التعليمية والقضائية، فصدرت قرارات لا ترقى إلى مستوى القانون من الناحية الرسمية، ولكنها باتت أعلى مقاما من نصوص الدستور في الواقع والممارسة تحظر ارتداء الحجاب في جميع مؤسسات الدولة وأجهزتها الحكومية، منها الجامعات والمعاهد العليا.

وعندما اشتكت طالبات الجامعة من هذا الحظر، أيدت محكمة القضاء الإداري هذا الحظر الظالم، دون مراعاة لما يترتب عليه من إهدار لمبدأ المساواة بين المواطنين في الحصول على حق التعليم، وهو مبدأ دستوري صريح، ودون الانتباه للحرمان من حق العمل الذي يترتب على حرمان بعض الفتيات من التعليم الجامعي أيضا.

العدالة والتنمية وحجج تحرير الحجاب

يؤكد أنصار العدالة والتنمية، ومؤيدو تعديل المادتين (10و42) من الدستور التركي، أن "الحجاب" من مسائل الحريات الفردية، وأن هذه المسألة -كما يقول أحد نواب حزب العدالة والتنمية- تدخل في باب حقوق الإنسان، ومن ثم فالحجاب "حق طبيعي وقانوني لكل مواطنة تركية".

ويرون أن "العلمانية السلبية" في تركيا تحرم الفتيات المحجبات من فرص الحصول على التعليم الجامعي، ومن ثم حق العمل، ولهذا وجب إجراء التعديلات الدستورية اللازمة التي تعالج الإخلال بمبدأ المساواة والحق في التعليم، وهذه حجة حقوقية واضحة ومحددة، وتجد لها سندا من نصوص الدستور نفسه الذي أكد المواطنة والمساواة في الحقوق، منها حق التعليم، كما أكد الحريات العامة والفردية، بما فيها حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.

أنصار العدالة والتنمية يرون أن العلمانية تعني بناء دولة تكون في خدمة المجتمع، لا أن يكون المجتمع في خدمة الدولة، وأن الشعب يجب أن يمارس ولايته على نفسه دون وصاية من أحد على إرادته، وأن حكم القانون هو طريق الاستقرار والعدالة والتنمية، بينما يقدم أنصار العلمانية السلبية مفهوما غائما ومطاطا يسهل تأويله، ومن ثم يسهل سوء استخدامه.

يقدم أنصار العلمانية الإيجابية تعريفا واضحا ومحددا، فحزب العدالة والتنمية مثلا يعرف العلمانية في برنامجه الانتخابي 2007 فيقول: "العلمانية هي مبدأ يتيح للناس من كل الأديان والاعتقادات الفرصة ليمارسوا اعتقاداتهم براحة تامة، ويعبروا عن مفاهيمهم الاعتقادية ويعيشوا من خلالها، ولكنها أيضا تتيح للناس الذين لا يملكون أية اعتقادات الفرصة ليرتبوا حياتهم على هذه المحاور".

من هذه الزاوية فإن العلمانية هي مبدأ "التعايش الاجتماعي السلمي"، ولا نكاد نصادف -نحن المتخصصين في العلوم السياسية- تعريفا واضحا ودقيقا ومفهوما للعلمانية مثل هذا التعريف.

ولا يجد أنصار العلمانية الإيجابية تناقضا بينها وبين الدين أو الديمقراطية؛ يقول حزب العدالة والتنمية في برنامجه الانتخابي المشار إليه أيضا: "إن حزبنا يعتبر الدين أحد أهم المؤسسات للإنسانية، ويعتبر العلمانية متطلبا أساسيا للديمقراطية، والعلمانية ضمان لحرية الدين والضمير"، ويرفض الحزب تفسير مفهوم العلمانية على أنها عدوة للدين؛ لأن هذا التفسير يشوهها.

كان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان قد صرح عدة مرات بأن حكومته عازمة على تخفيف القيود المفروضة على حرية ارتداء الحجاب، ونقلت صحيفة "صباح" التركية في منتصف يناير 2008 عن أردوغان قوله: "سنتخطى هذه المشكلة معا.. لا حاجة للانتظار للدستور الجديد.. حل هذه المشكلة بسيط للغاية.. سنجلس معا ونحلها بجملة واحدة".

وقد تم التعديل الدستوري في إطار ديمقراطي، واستنادا إلى مبدأ المساواة في حقوق المواطنة، وبقي أن يتم تعديل نص م/17 من قانون التعليم العالي؛ ليصبح الطريق مفتوحا لتدخل من تشاء من الطالبات الجامعات التركية بالحجاب، ولكن تظل بعض المؤسسات الأخرى محرومة من هذه المساواة مثل المحاكم والبرلمان، وهو ما سيكون موضوعا للجدل مجددا عندما يطرح حزب العدالة والتنمية مشروعه لإعادة كتابة الدستور بشكل شامل -حسب وعده الانتخابي- وذلك خلال العام المقبل 2009.

تصاعد العداء العلماني للدين والديمقراطية

على تلك الخلفية وما تنطوي عليه من مؤشرات تؤكد تزايد القوى الديمقراطية وصعود الشعبية الإسلامية، تعمقت "الأزمة السياسية"، التي تسرف فيها قوى العلمانية في تركيا اليوم، ولم تعد هذه العلمانية معادية للدين فقط، وإنما باتت معادية للديمقراطية أيضا.

عداؤها للدين ومظاهر التدين معروف منذ عقود طويلة ترجع إلى العشرينيات من القرن الماضي، وفشلها معروف كذلك في ثني الأتراك عن تدينهم وإصرارهم على ممارسة حريتهم الدينية والعقدية وبقية الحريات المتجذرة في الأصول الإسلامية، وفي أوساط أغلبية أبناء الشعب التركي، وبخاصة في منطقة الأناضول التي تمثل أكثر من 90% من مساحة البلاد.

أما عداء العلمانية للديمقراطية فيتصاعد يوما بعد يوم في تركيا، ويتجلى في أشكال ومواقف متعددة، لعل من أهمها تجاوز المحكمة الدستورية صلاحياتها عندما نظرت في مضمون التعديلات الدستورية وليس في الجانب الإجرائي لتلك التعديلات كما يقضي قانون المحكمة ذاتها، إضافة إلى كراهية الأحزاب العلمانية لكل المؤسسات التمثيلية والنيابية التي تعبر عن إرادة الشعب، وعلى رأسها المجلس الوطني الكبير، ليس فقط لتمتع الحزب الحاكم حاليا بأغلبية المقاعد وإنما من قبل ذلك، والسجل السياسي لتلك الأحزاب يثبت عمق كراهيتها للمؤسسات الشعبية ونفورها منها باستمرار.

كان من المتوقع أن تزداد حدة النفور العلماني من المؤسسات النيابية المعبرة عن إرادة الشعب؛ بعد أن أشارت استطلاعات الرأي العام التركي إلى أن الدستور المقترح الذي يعكف حزب العدالة والتنمية الحاكم على إعداده بواسطة لجنة من الخبراء الأكاديميين قد يحظى بالقبول عند طرحه، وفقا للإجراءات الديمقراطية المعتادة، ولكون التعديلات المقترحة توسع نطاق الحريات العامة، وتحد من السلطات المخولة للمؤسسة العسكرية، وتمنع حل الأحزاب السياسية إلا في حالة ثبوت ممارستها أعمالا إرهابية أو تشجيعها أعمالا من هذا النوع.

هذا ما يفسر مسارعة المدعي العام التركي إلى تحريك دعوى قضائية لحل حزب العدالة والتنمية، وحرمان 71 من أبرز قياداته من العمل السياسي لمدة خمس سنوات، ولعل هذا هو ما دفع أورهان باموك الأديب التركي الحائز على جائزة نوبل في الآداب إلى أن يصف حزب العدالة والتنمية بأنه "أكثر ديمقراطية من الأحزاب العلمانية".

ولكن حديثنا عن أزمة "العلمانية" لا يعني أن حزب العدالة والتنمية وأنصاره مرتاحون ويضعون الساق على الساق في مأمن من خطر الحظر والمحاكمات التي قد تأتي بعده، فالمؤسسة العسكرية التركية لا تزال ذات نفوذ واسع ولها أذرع طويلة، (وإن أضحت أقصر قليلا من السابق)، وتمتلك مؤسسات صناعية وتجارية كبيرة (وإن كانت أقل قليلا من السابق)، وترتبط بها عدة مؤسسات إعلامية، (وإن كانت أضعف كثيرا من السابق)، إلى جانب السيطرة الكاملة على جميع الأجهزة الأمنية ومؤسسة القضاء، وأغلب الأحزاب السياسية التركية لا تخرج عن رأي المؤسسة العسكرية في العديد من القضايا.

والسؤال هو: هل العلمانية التركية التي تعادي الديمقراطية، وتعادي الدين جديرة بأن تصبح أمرا سرمديا بدعوى تأويلات مطاطة تتكئ على الدستور؟!

مؤشر "فوكس" الشهير لقياس مدى سيطرة الدولة على الدين (دين الأقلية ودين الأغلبية)، يقول إن كل بلدان الاتحاد الأوروبي، باستثناء بلدين، على درجات تتراوح ما بين الصفر والـ6 درجات.

وسجلت فرنسا 6 درجات على هذا المؤشر، أما تركيا فقد سجلت 24 درجة، وهو مستوى بالغ السوء؛ إذ يمثل الصفر أقل قدرا من سيطرة الدولة، وحيث تشير درجة الثلاثين وما فوقها إلى أشد درجات السيطرة من جانب الدولة والتضييق على الحريات الدينية فيها، ولم يتحسن وضع الأقليات الدينية (المسيحية واليهودية) والعرقية (الكردية) تحسنا نسبيا إلا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم.

العدالة وحل الأزمة الحالية

إضافة إلى مشروع إعادة كتابة الدستور الذي يعكف عليه الحزب منذ عدة أشهر، تتسرب بعض الأنباء عن محاولات للوساطة تجرى خلف الكواليس تقوم بها جهات مختلفة ومنظمات رجال الأعمال والصناعيين، الذين يشعرون بقلق بالغ على مصالحهم من أجواء عدم الاستقرار التي سوف تحدث إذا تم حظر حزب العدالة والتنمية.

وقالت جريدة "ميلليت" ذائعة الصيت في تركيا: إن رئيس الغرف التجارية والبورصات رفعت حصارجي أوجلو عرض صيغة توافق بين المختلفين المتنازعين تتضمن التالي:

  1. أن يمتنع حزب العدالة والتنمية عن تقديم تعديلات دستورية بشأن منع وحظر الأحزاب.

  2. أن تبطل المحكمة الدستورية التعديل الدستوري الذي سمح بارتداء الحجاب في الجامعات.

  3. أن تتخلى المحكمة الدستورية عن الدعوى المقامة لحظر الحزب.

أما أنصار "الجمهورية الثانية" وعلى رأسهم أستاذ القانون الدستوري الأشهر في تركيا الدكتور محمد ألتان فيقولون إن أمام أردوغان وحزبه فرصة تاريخية للتخلص نهائيا من ذهنية جمعية الاتحاد والترقي العنيفة والإجرامية التي حكمت تركيا للفترة من 1909 - 1918، ويفهم من ذلك أن على الحزب الحاكم ألا يتردد في اتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية التي تدعم التوجه الديمقراطي في البلاد، وترسخ الحريات العامة، الفردية والجماعية؛ حتى يمكن قطع الطريق على أصحاب النزعات اللاديمقراطية الذين يريدون إعادة البلاد إلى الخلف.

وإذا كانت المحكمة الدستورية قد ألغت التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان بأغلبية ساحقة في فبراير الماضي، فإن على الحزب أن يلجأ إلى طرح خلافاته مع خصومه في استفتاء عام كالذي جرى في قضية انتخاب الرئيس عبد الله جول.

في داخل أروقة الحزب، يبحث أعضاء العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان ستة خيارات هي:

  1. الدعوة لانتخابات عاجلة وحل المشكلة من خلال صناديق الاقتراع والرجوع إلى الشعب.

  2. التركيز على الدفاع أمام المحكمة الدستورية لإقناعها بزيف الاتهامات الموجهة ضد الحزب.

  3. انتظار صدور حيثيات حكم المحكمة الدستورية بشأن قضية الحجاب لكي يتمكن الحزب من بناء دفاعه على تلك الحيثيات.

  4. الدعوة لإجراء تعديل دستوري يجعل حل الأحزاب السياسية مقصورا فقط على حالة ممارستها الإرهاب أو دعمها له وفقا لشروط الاتحاد الأوروبي التي وضعها في اتفاقية البندقية.

  5. إجراء انتخابات عامة ومحلية واستفتاء على الدستور الجديد الذي أعدته لجنة رفيعة المستوى من خبراء القانون وأساتذة الجامعات والمفكرين وممثلي المجتمع المدني التركي، على أن يكون ذلك في الخريف المقبل، وأن يتم وضع ثلاثة صناديق للاحتكام إلى رأي الشعب دفعة واحدة عبر الانتخابات العامة والمحلية والاستفتاء على الدستور الجديد.

  6. إنشاء حزب جديد فور صدور قرار المحكمة بحل العدالة والتنمية، ومن ثم اللجوء إلى انتخابات مبكرة.

وفي كل الأحوال، نلاحظ أن العقل الجمعي للحزب يفكر في المسلك الديمقراطي، ويجتهد ما وسعه الاجتهاد من أجل النزول على إرادة الشعب، للإنصات إليها، ولوضعها موضع التطبيق.

تناقضات المشهد السياسي التركي

لعل أهم ما يلفت النظر فيما يجري حاليا في تركيا هو حالة التناقض بين قيمتي "الحداثة"، و"التقليد"، أو "التقدم" و"التخلف"، وحالة التجاذب التي يخضع لها المجتمع التركي، بين تيارات ومؤسسات دأبت على وصف نفسها بصفة الحداثة والعصرنة، ووصف ما سواها بصفة التقليدية أو الرجعية والتأخر، ويفيدنا مفهوما المركز والمحيط اللذان استخدمهما عالم الاجتماع التركي "شريف ماردين" في تحليل أوضاع السياسة الداخلية التركية -كما سبق أن أشرنا- في تحليل وفهم أبعاد ما سميناه "تناقضات الحداثة والتقليد" فيما بين القوى الفاعلة على مسرح السياسة التركية.

من المفترض أن تكون القوى ذات المرجعية العلمانية أكثر استيعابا وممارسة لقيم الحداثة، وأن تكون أيضا أكثر استعدادا للدفاع عنها والتضحية في سبيلها، وأهم هذه القيم: الرشادة العقلانية، والحرية، والحوار، وقبول الآخر، والتسامح، والإيمان بالعلم والتكنولوجيا، وانتهاج نمط الإدارة الديمقراطية، والتخصص، وتقسيم العمل، والبعد عن الشخصنة، وتبني قضايا المجتمع والإسهام في حلها، وفي حالة الأخذ بهذه القيم وممارستها ممارسة فعلية، فإن النتيجة المتوقعة هي أن تصبح تلك المؤسسات أكثر قدرة على التوسع الثقافي والاجتماعي وتحظى بالشرعية الاجتماعية، وألا تبقى متمترسة فقط بمواقعها في مراكز السلطة (القانونية أو السياسية).

ومن المفترض في المقابل، ومن وجهة نظر التوجه العلماني الأتاتوركي الذي سيطر على مجريات الحياة السياسية في تركيا منذ تأسيس الجمهورية، أن تكون القوى ذات المرجعية الإسلامية ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمدنية عموما على النقيض مما سبق بالنسبة للمؤسسات ذات المرجعية العلمانية، أو على الأقل تكون أقل حرصا منها على استيعاب قيم الحداثة وممارستها والدفاع عنها.

وإذا صح هذا الافتراض بشقيه، فإن خط الانقسام الأساسي بين القوى السياسية في المجتمع التركي، هو ذلك الخط الذي يفرق بين مؤسسات تحمل صفات الحداثة، وأخرى تحمل صفات تقليدية وتعمل في اتجاه معاكس للحداثة، وهو أيضا الخط الذي يفرق بين مؤسسات تقترب من المجتمع وتتبنى قضاياه بقدر ما تبتعد دون أن تنفصل عن الدولة وبيروقراطيتها العامة، ويفرق بين مؤسسات تسهم في كبح جماح الدولة وتحد من تغولها على المجتمع، وتتيح فضاء أوسع أمام مختلف الشرائح الاجتماعية لممارسة فضائل الحرية وتطوير قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة، قياسا على ما تقوم به المؤسسات السياسية والمدنية في المجتمع (العلماني) في الديمقراطيات الغربية.

وإذا استخدمنا تعبيري المركز والمحيط -بحسب شريف ماردين- فإن خط الانقسام المفترض هو خط يفصل بين "مركز" يضم المؤسسات المدنية المبنية على مبادئ الحداثة، و"محيط" هامشي يضم المؤسسات الأخرى ذات المرجعية الإسلامية أو التقليدية.

ولكن واقع المجتمع السياسي التركي لا ينسجم مع التصور السابق لخط الانقسام المفترض؛ إذ إنه يحمل كثيرا مما يتناقض مع هذا التصور، ويكاد يكون الحاصل على أرض الواقع هو العكس تماما.

وتنقسم آراء المحللين الأتراك حول ما يجري حاليا في بلدهم إلى فريقين:

فريق متفائل يرى أن العلمانية السلبية تحارب معركتها الأخيرة، وأنها سوف تنهزم أمام الإصرار الديمقراطي والتأييد الشعبي الذي يعبر عنه حزب العدالة والتنمية، وفريق آخر غير متفائل يرى أن الأمر جد خطير في ضوء السوابق التاريخية في السياسة التركية، ومنها أن المحكمة الدستورية سبق أن حظرت 18 حزبا، وأن الجيش كانت له الكلمة الفاصلة في لحظات التأزم الشديدة التي مر بها النظام العلماني.

ولكن أنصار هذا الرأي يرون أنه بالرغم من قوة احتمال حل حزب العدالة والتنمية بقرار من المحكمة الدستورية، فإن مثل هذا القرار لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وأن بإمكان أعضاء العدالة والتنمية أن يؤسسوا حزبا جديدا في بضعة أيام، وبإمكانهم خوض الانتخابات "التي ستكون مبكرة في حالة حل الحزب خلال أربعة أشهر من الآن"، وأنهم سيحصلون على تأييد شعبي أعلى مما حصلوا عليه في السابق.

فطبقا لنتائج آخر استطلاع للرأي شمل ألف شخص من 8 محافظات تركية، أجراه مركز "متروبول للأبحاث الاجتماعية والإستراتيجية" في نهاية مايو الماضي ونشرت نتائجه صحيفة "يني شفق" التركية مؤخرا، اتضح أن 69,9% من الأتراك يعارضون حل حزب العدالة والتنمية، وقال 48.8% منهم إنهم سوف يصوتون لصالح رجب أردوغان وحزبه الجديد في حالة إغلاق حزبه الحالي، وتزيد هذه النسبة عن النسبة التي حصل عليها في انتخابات يوليو 2007 والتي وصلت إلى 46,5%،

وتقول أكثر التحليلات تشاؤما بالنسبة لمستقبل الديمقراطية التركية إنه في ظل استبعاد وقوع "انقلاب عسكري"، فإن إرادة الشعب هي التي سترسم صورة المستقبل بالطريقة التي يرضاها الشعب نفسه، بعد أن سئم من مرارة الوصاية العلمانية عليه، وذاق حلاوة طعم ممارسة حقه في الولاية على نفسه.


أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية - مصر.

*مجموعة مقالات نشرت للكاتب في جريدة المصري اليوم في الفترة من 21/6/2008 وحتى 2/7/2008.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات