|
| من صور تجارة شركات غربية بالبشر |
أثار التقرير الأمريكي الأخير حول الاتجار بالبشر ردود فعل غاضبة في دول الخليج العربية بعد أن أبقى أربع دول منها هي المملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر على قائمة سوداء تضم 14 دولة لم تبذل أي جهد لمكافحة الاتجار بالبشر. وقد عبرت في بيان لها عقب اجتماع تشاوري لوزراء خارجيتها، عن أسفها لما ورد ضدها في التقرير معتبرة أنه "يهدف إلى ممارسة ضغوط غير مبررة لأهداف سياسية"، ودعت الخارجية الأمريكية إلى مراجعة سياستها "غير الودية" تجاه دول المجلس.
وتضم القائمة التي ذكرها التقرير السنوي عن الاتجار بالبشر -الذي أعدته وزارة الخارجية الأمريكية في الفترة بين أبريل 2007 ومارس 2008 وشمل 170 بلدا- أيضا كلا من الجزائر والسودان وسوريا وإيران، فضلا عن كوريا الشمالية وكوبا وبورما.
تقارير سابقة
بناءً على القانون الذي أقره الكونجرس الأمريكي في العام 2000 تلتزم وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير يشمل جميع دول العالم، يتم من خلاله تقييم جهود الحكومات الأجنبية في القضاء على الاتجار بالبشر، مصنفا الدول في ثلاث فئات على أساس تلك الجهود، كما أنه يتضمن عقوبات ضد الضالعين في تلك القضايا.
وتصنف الحكومات التي تنطبق عليها المعايير التي تم وضعها في قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر في الفئة الأولى. أما الفئة الثانية فتضم الدول التي تثبت التزاما بمعالجة مشاكلها، ولكنها لم تبلغ مستوى المعايير الدولية بعد. وتضم "لائحة المراقبة" في نفس الفئة الثانية الدول التي تبدي دلائل على معالجة قضايا الاتجار بالبشر، في حين تصنف الحكومات التي لا تبذل جهودا ملحوظة للتقيد بالمعايير الدولية في الفئة الثالثة.
هذا، وقد تتعرض حكومات الدول المصنفة في الفئة الأخيرة لعقوبات معينة؛ فقد توقف الحكومة الأمريكية تقديم المساعدات، باستثناء المساعدات الإنسانية والمساعدات المرتبطة بالتجارة. وتتعرض الدول التي لا تتلقى مثل هذه المساعدات إلى حرمانها من التمويل للمشاركة في برامج تبادل تعليمي وثقافي. وبصورة متطابقة مع قانون حماية ضحايا المتاجرة بالبشر، قد تواجه مثل هذه الحكومات أيضا معارضة الولايات المتحدة لتقديم المساعدات من مؤسسات مالية دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ومنذ صدور تلك التقارير لم يخل أحد منها من دول خليجية وأخرى عربية وإسلامية. وتوزعت تلك الدول بين الفئات الثلاث للتقرير، لكن مواقعها اختلفت من عام لآخر. ففي تقرير العام 2005 مثلا كانت السعودية والكويت وقطر والإمارات ضمن الفئة الثالثة، لكن في تقرير العام 2006 لم يبق سوى المملكة العربية السعودية في تلك الفئة. وذلك بعد الإجراءات التي اتخذتها الدول الأخرى والتي لاحظها معدّو التقرير.
فقد رحب التقرير بالإجراءات المقترحة في الكويت بتوحيد المعايير في عقود خدم المنازل، وأشاد بالتزام الحكومة بسن تشريعات من شأنها أن تجعل استغلال العمال الأجانب جريمة، إضافة إلى تطبيقها حظرا على خيالة الإبل الأحداث في سباقات الإبل ومقاضاة بعض أصحاب العمل لخرقهم قوانين العمل.
وفيما يتعلق بقطر، قال التقرير إنها تصدت لمشكلة الاتجار بالأحداث من خلال إعادة العديد من خيالة الإبل الأطفال إلى أوطانهم الأصلية. كما أنها أسست مأوى لخدم المنازل الذين تعرضوا لسوء المعاملة واستحدثت خطا هاتفيا خاصا لتلقي الشكاوى.
وحظرت الإمارات عادة استخدام الأطفال كخيالة في سباقات الإبل وأعادت جميع الضحايا الذين تم تحديد هويتهم إلى أوطانهم الأصلية، وقد أطلقت الإمارات العربية المتحدة والكويت حملات توعية شعبية مناهضة للاتجار بالبشر.
لكن عُمان التي كانت تحتل موقعا في الفئة الثانية انحدرت خلال هذا التقرير إلى "لائحة المراقبة" في نفس الفئة نظرا لعدم وجود أي دليل على كونها زادت جهودها لمكافحة الاتجار بالبشر.
وفي تقرير العام 2007 عادت الأمور لتسوء مرة أخرى بعد أن تم إدراج الإمارات على لائحة المراقبة في الفئة الثانية لأنها لم تبذل جهودا كافية، بينما انضمت البحرين والكويت وعمان وقطر لكل من السعودية وأوزبكستان على القائمة "السوداء" التي ضمت حينها 16 دولة.
جهود خليجية
ويأتي تقرير هذا العام (2008) في ظل محاولات حثيثة من جانب دول الخليج العربية للحد من مظاهر الاتجار بالبشر على أراضيها للتخفيف من حدة الضغوط الأمريكية والغربية بهذا الشأن.
ففي السعودية مثلا قامت 7 جهات حكومية -وزارات الداخلية والخارجية والعدل والشئون الاجتماعية والعمل، وهيئتا حقوق الإنسان والتحقيق والادعاء العام- بالتوقيع على الصياغة النهائية لنظام مكافحة الاتجار بالبشر في أبريل الماضي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود المملكة للحد من جرائم مثل استغلال العمالة في الجنس أو التسول وسحب جواز العامل أو إقامته وتركه دون هوية للضغط عليه لمزاولة عمل ما.
وفي الإمارات صدر أول تقرير حول مكافحة الاتجار بالبشر في مايو الماضي والذي سلط الضوء على الإجراءات التي اتخذتها الإمارات منذ إصدار قانون في نوفمبر 2006 يفرض عقوبات صارمة ضد كل من ارتكب جرائم الاتجار بالبشر، وكذلك على خططها المستقبلية في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة والتحديات التي ستواجهها.
وقد أشار التقرير إلى أنه تم تسجيل عشر قضايا متعلقة بجرائم الاتجار بالبشر حتى نهاية عام 2007، وصدرت أحكام بالإدانة في خمس قضايا واجه المتهمون فيها عقوبات بالسجن تتراوح بين ثلاث إلى عشر سنوات، وذلك بسبب المساعدة أو التحريض على ارتكاب جرائم الاتجار بالبشر.
وفي قطر عقد العديد من اللقاءات والمؤتمرات التي تتناول سبل مواجهة ظاهرة الاتجار بالبشر، آخرها كان "المؤتمر العلمي الأول لمكافحة الاتجار بالبشر بين النظرية والتطبيق" الذي عقد في شهر مارس الماضي، الذي دعا خلاله الأمين العام للمجلس الأعلى لشئون الأسرة في قطر عبد الله بن ناصر آل خليفة، إلى إدراج قضية الاتجار في البشر في المناهج التعليمية في البلدان العربية.
وكانت قطر قد دعت عام 2003 إلى بناء إستراتيجية وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر وحددت آليتها التنفيذية وسنت العديد من القوانين وأنشأت العديد من المؤسسات التي تترجم توصيات هذه الإستراتيجية وتضعها موضع التنفيذ، من أبرزها المكتب الوطني لمكافحة الاتجار بالبشر.
وفي يناير الماضي أصدرت البحرين قانونا لمكافحة الاتجار بالبشر، الأمر الذي دفع تقرير الخارجية الأمريكية إلى إخراجها من الفئة الثالثة إلى الثانية.
لماذا الآن؟
لكن برغم المحاولات الخليجية والعربية لمواجهة قضايا الاتجار بالبشر، لكن الضغوط الأمريكية والغربية لا تتوقف بل تتزايد يوما بعد يوم. وكأن الهدف الأساسي لذلك ليس القضاء على هذه الجرائم، التي لا توجد فقط في هذه الدول بل توجد في جميع أنحاء العالم وبشكل أكبر بكثير من الدول الخليجية والعربية والإسلامية، بل الهدف هو تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، خاصة في ظل الارتفاعات القياسية المتتالية لأسعار النفط، الذي يوجد الجزء الأكبر منه في أراضي هذه الدول المتهمة بإعادة الرق والعبودية مرة أخرى من رحم التاريخ، وكأن التاريخ طوى صفحة الرق من قبل.
إن المتابع لتطور الاهتمام بظاهرة الاتجار بالبشر يجد أنها ارتبطت أساسا بالتطورات السياسية التي شهدها العالم منذ مجيء إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى الحكم في بداية هذا القرن وما ارتبط بها من تطورات شكلت منعطفات حادة غيرت الكثير من قواعد العلاقات الدولية.
هذه الإدارة التي ارتبطت بمشروع إمبراطوري عنصري هدفه هو السيطرة على العالم بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، والأدلة الملموسة التي شاهدها ومازال يشاهدها العالم على ذلك، كثيرة.
كانت البداية مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي شكك كثيرون في طبيعتها وأهداف مرتكبيها ثم جاء احتلال أفغانستان ومن بعده العراق الذي أريد له أن يكون منطلقا للسيطرة على بقية دول المنطقة تمهيدا للسيطرة على العالم كله، باعتبار أن العالم عبارة عن مجموعة من الحلقات المرتبطة ببعضها وأن منطقة الشرق الأوسط تعتبر الحلقة الأضعف التي أغرت الأمريكيين بإمكانية السيطرة عليها بكلفة محدودة.
لكن مع الفشل المتوالي في تحقيق الأهداف الأمريكية، خاصة بعد تصاعد المقاومة العربية للمشروع الأمريكي في العراق وفلسطين ولبنان والهزيمة الثقيلة التي تلقتها إسرائيل على يد حزب الله اللبناني صيف العام 2006، وعدم القدرة على مواجهة التحدي الإيراني المتمثل في بناء برنامج نووي هدفه الحالي امتلاك التكنولوجيا النووية ومستقبلا ربما السلاح النووي، لم يتبق أمام الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص سوى محاولة الاحتفاظ بما تبقى من نفوذ لها في المنطقة من أجل حماية مصالحها الحيوية وأهمها بطبيعة الحال أمن إسرائيل والنفط.
والاحتفاظ بهذا النفوذ سيكون من خلال امتلاك أوراق ضغط قوية على الدول الخليجية والعربية، سياسية واقتصادية وثقافية بالأساس بعد فشل الخيار العسكري، وتأتي قضايا الاتجار بالبشر وغيرها من القضايا لتمثل أوراق الضغط تلك.
وللأسف الشديد، لن تستطيع الكثير من النظم العربية والإسلامية الوقوف أمام هذه المخططات الغربية التي تأتي واحدا تلو الآخر؛ لأنها نظم فاسدة لا تملك مشروعية سياسية وشعبية كافية لتمنحها المناعة والصلابة للوقوف بوجه هذه المخططات، هذا مع افتراضنا بوجود نية لديها من الأساس للقيام بذلك.
|