|
| هل تتوافق التعددية مع المحاصصة؟.. |
المتتبع سريعاً لتاريخ الإنسانية، لن يجد العناء في استنتاج مؤداه أن الديمقراطية كمبدأ لإدارة الحياة الإنسانية لم يكن ليلقى التأييد والقبول، إلا لكونه مدخلاً لاستقرار الشعوب، ومقوماً منيعاً للحفاظ على حق الكل المكون لأي مجتمع كي يكون له دوره حسب كفاءته ووزنه الشعبي، ورغبته في إدارة شؤون مجتمعه. أي أن رغبة كامنة في تحقيق قبول جماعي بأمور عدة من بينها من يحكم وكيف ومتى؟ تكون أرضية صلبة لتوافق داخلي بدءاً من بؤر المجتمع الصغرى ووصولاً إلى الدولة، في إطار مفهوم درج حديثاً هو السلم الأهلي.
تعريف يُزيف الديمقراطية
ارتضى الفلسطينيون لأنفسهم خيار الديمقراطية منهجاً حتى قبل الوصول إلى الدولة، الخصم قبل الصديق بارك ودعم وهنأ تجربة نظر لها كبذرة للديمقراطية في منطقة تئن شعوبها من ألم البعد عنها. مباركة الصديق ودعمه هي نتاج حرص على تقوية البني الاجتماعية والسياسية الفلسطينية بما يخدم مشروع التحرير، أما مباركة الخصم فما هي إلا نتاج أمل بأن تكون الديمقراطية وعاءً يحتوي تيارات سياسية طالما أرقتها.
درامية أول مشهد ديمقراطي فلسطيني من وجهة نظر خصومهم وأنصار الخصوم، كانت كفيلة بأن يطالب الفلسطيني بإعادة إخراج ذات المشهد، علّ نتائجه تكون أخف وطأة على الأفئدة والقلوب. لم يُعد المشهد، وبدأت ردات فعل المشاهد الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي تؤسس لصيغة جديدة في إدارة العلاقات الداخلية الفلسطينية، ساندها في ذلك أن المشاهد العربي والإسلامي الرسمي يفضل الكوميديا على الدراما أيضا.
بدأت إشكالية المصطلحات تطفو من جديد، يسأل الفلسطيني نفسه: أليست الديمقراطية أن نختار من نشاء؟ أليست تحمّل الأغلبية لمسؤولية إدارة الحكم، وعلى الأقلية الاكتفاء بدور المعارضة؟
إجابة من لم تَرُق لهم نتائج الانتخابات الفلسطينية، كانت حاضرة. نعم الديمقراطية كذلك، لكنها ليست مطلقة، فقبل حرية الاختيار لا بد أن تكون مؤهلا لذلك، أهلية الشخص في علم القانون، أن يكون بالغاً عاقلاً راشداً، لكنها حسب تعريفات الديمقراطية الجديدة، أن يكون جائعاً صامتاً غير آمن. حينها تتمتع بأهلية تخولك حق الاختيار. جائع صامت غير آمن لا ينتظر منه إلا أن يأتي بمن يحمل نقيض مأساته، على الأقل هكذا يفكر المحاصرون بكسر الصاد.
الجدل جزء من المعضلة
منذ إجراء أول مشهد ديمقراطي إلى حين انتهاء فترته أو إعادة إخراجه، انعكست وما زالت آثار ذلك المشهد على حياة الفلسطيني، بدأ الخلاف ينتقل من دائرة المباح والمسموح إلى دائرة المحرمات، عمّ الفلتان والاقتتال بلداً ترقب الأمان. أفواه الساسة مضغت بل اجترت مفاهيم الديمقراطية، والسلم الأهلي، والتعددية السياسية، فيما أياديهم كانت على الزناد.
بعد جولات حوار كثر، واتفاقيات عدة، عاد الفلسطينيون للسلاح حكماً بينهم، أيّاً منهم البادئ وأيا منهم المخطئ، شأنٌ يعتبر الجدل فيه جزءاً من المعضلة. الحل تبدأ ملامحه ترتسم حين البحث في سبب هشاشة الأرضية السياسية الفلسطينية التي باتت خصبة لبذور الفتن والخلاف والانقسام. مضى عام على انقسام الوطن المجتزأ أصلا، لتكون النتيجة بحثاً جديداً في حوار أظنّه إعادة إنتاج لما سبقه من جولات.
يجدر بساسة فلسطين اليوم، أن يبحثوا قبل البدء في الحوار، سبب فشل نتائجه السابقة في اكتساب صفة الديمومة. في مقالات عديدة سابقة للكثير من المراقبين أشير إلى الخلل الذي اعترى اتفاقيات الوفاق والوحدة سابقة التحقيق. لا ضير اليوم، أن نذكّر ساستنا بما وقعوا فيه آنفاً، فنوضح مثالب ما سميت حينها بالإنجازات.
مسكنات لا علاج
المرض الفلسطيني الذي ينخر عظام بنية المجتمع الفلسطيني سياسياً واجتماعياً، لم يعد بحاجة إلى مختصين لتشخيصه، أعراضه تتمظهر في المؤسسات كافّة، وآثاره تعتلي الوجوه البائسة. هو الانقسام بكل ما تحمله الكلمة من معنى. من كانوا سبباً للمرض يبحثون سبل علاجه، (في هذه المرة، الحديد لا يفلّ الحديد)، كل ما أتوا به لتدارك ما افتعلته أيديهم لا يخرج عن كونه علاجاً بل مسكناً لظواهر المرض.
توزيع حصص وتهدئة للنفوس، وضبط لوسائل الإعلام التي تعاني الفلتان. لا بحث في آلية تتماشى مع الدعوات لمأسسة السلطة، وإخراجها من الثوب الحزبي لتصبح فلسطينية خالصة، كل ما يُبحث هو كيفية تشكيل مؤسسات السلطة، بما يضمن لكل تيار سياسيٍ وجوده حسب ما يستطيع، فتحولت السلطة إلى شركة، جلُّ ما يريده الحزب منها، أن تكون مصدراً لقوته وشاغراً لأبنائه متى شاء.
في مثل هذه الآلية من المعالجة، لن يكتب لأي اتفاق فلسطيني أن يدوم، وستبقى استمراريته رهن استمرار توزيع القوى على حاله، وحين تتبدل الأحوال، وتتغير موازين القوى، سيعاد تشكيل المؤسسات وفق نظام محاصصة جديد، بناء على معادلة الحق للأقوى. حينها لن يكون المنطق حليفنا حين نسأل عن تنمية وإصلاح وتطوير لمؤسسات السلطة.
تناقض الدعوات
أغرب ما يمكن قراءته في المشهد الفلسطيني، أن يطالب ذات الشخص أو التيار السياسي بمتناقضات في آن واحد، ويدعمه في ذلك كتاب ومفكرون ومراقبون. طالب معظمهم بالديمقراطية، وحين ووجه الفلسطيني بأن نتائج ديمقراطيته لم تأت حسب المقاس، توجه المطالبون ذاتهم بنداءٍ من أجل الوحدة الوطنية. مختصر القول: الوحدة الوطنية والديمقراطية نقيضان، لا يمكن اعتبار المطالبة بهما معاً إلا تسفيهاً للعقول، أو غياب الوعي بتناقض الدلالات.
إن كانت الديمقراطية أتت لتعبر عن التعددية، والوحدة تعني ذوبان المتباينات من الألوان السياسية في لون واحد قد لا يكون الأنسب، فإن في ذلك دعوة صريحة لديكتاتورية خاضعة للتجميل، تحمل اسم الوحدة في بلد الديمقراطية. الديمقراطية تعني من جملة ما تعنيه مجتمعاً يتمتع بحرية الاختلاف وتكوين الجماعات السياسية في إطار التعددية السياسية، والفرصة في قيادة المجتمع عامة تحال إلى من يقرر الشعب أنهم أغلبية، وعلى الأقلية الاكتفاء بدور المعارضة في إطار المؤسسات، وغير ذلك هو أبعد ما يكون عن الديمقراطية.
عفوية المنهج
الحديث هنا عن عفوية منهج الحوار الذي خاض الفلسطينيون غماره غير مرة، لتأتي النتائج -آنياً- مرضية في أحيان كثر، لكنها لا تؤسس لوضع سياسي مستقر على المدى البعيد، السبب بالإضافة إلى ما ذكر سابقاً وما سيذكر لاحقاً، يكمن في عفوية منهج الحوار والذي يتضح في كونه لا يتعدّى ردة فعل على توتر داخلي، والأصل أن يكون الحوار سمة ملازمة للعمل السياسي حتى في حالات التوافق، بحكم أن التوافق لا يلغي التعددية وبالتالي الاختلاف السياسي.
الحوار كردة فعل، مضافاً إليه تحوله من تصنيف الوسائل إلى الغايات لدى التيارات السياسية الفلسطينية، أدى به ليكون مجرد جزء من التضليل الإعلامي الذي يسوقه الساسة للمواطنين لكسب تأييدهم وثقتهم، فهم يدركون كم يتوق الفلسطيني للُحمة داخلية تكون مُعيناً لمواجهة الاحتلال في مشروع التحرير.
إشكالية أخرى تواجه الحوار الفلسطيني من حيث منهجيته، تتمثل في كونه ينطلق أحياناً من مسلمات لا تقبل النقاش لدى البعض، وهذا يفقد الحوار من مضمونه، والمسلمات التي نتحدث عنها هنا لا تشمل ثوابت الفلسطينيين في تمسكهم بحقوقهم وإنما تتعلق بالنفوذ الفصائلي والمصالح الفئوية الضيقة.
هلامية النص
سمة غالبة على الاتفاقيات الفلسطينية الداخلية وأشهرها الوفاق الوطني ومكة، أن بنودها مرنة بما يكفي كي يتم تفسيرها وفقاً لرغبة كل تيار سياسي، فتتحول وثيقة الوفاق أيّاً كان اسمها بعد فترة ليس بالطويلة، إلى نقطة خلاف من حيث دلالات بنودها وآلية تفسيرها، وتصبح محلاًّ للحوار. هذا الأمر اتضح جلياً في وثيقة الوفاق الوطني حين أصبحت المقاومة الفلسطينية رهن تفسير بند (تركيز المقاومة)، وفي اتفاق مكة حين أصبح الانفتاح على العالم رهن تفسير بند (احترام الاتفاقيات). لذلك على المتحاورين إن أرادوا حلاً يؤسس لمرحلة جديدة تتسم بالهدوء الداخلي، وتستمر طويلاً أن يتحلوا بجرأة صياغة بنود اتفاقياتهم بما يضمن وضع النقط على الحروف.
إن كان الفلسطيني اليوم ينتظر وفاقاً وطنياً متوّجاً باتفاق موقّع من الفصائل، فأجزم أيضاً أنه لا يرغب في تكرار اتفاقيات مضت، والمطلوب اليوم من الفصائل الفلسطينية جميعها ليس إلا تجنّباً لما وقعوا فيه من الإشكاليات السابقة، وأن يخرجوا بوثيقة تلتزم بإفرازات الديمقراطية، لا أن تكون تقسيماً لحاصل جمع مؤسسات السلطة على التيارات السياسية الفلسطينية، مطروحا منها مساحة مقتطعة للمواقف الدولية، لتكون النتيجة ممالك حزبية منزوعة السيادة في سلطة ما قبل الدولة.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني- ماليزيا.
|