English

 

الأربعاء. يونيو. 25, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » شؤون عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

براميل الدم.. لماذا يؤجج النفط النزاعات؟ *

مايكل روس

ترجمة - محمد عبد الحليم

مايكل روس
مايكل روس
ربما كان العالم أكثر سلاما الآن عن 15 عاما مضت؛ حيث دارت رحى 17 حربا أهلية كبرى -يقتل في الواحدة أكثر من ألف سنويا- منذ نهاية الحرب الباردة، ومع حلول عام 2006 لم يتبق سوى 5 فقط، فيما انخفض عدد النزاعات الأصغر من 33 إلى 27.

ويتوقع أن يرتفع عدد النزاعات بالدول المنتجة للنفط في المستقبل نظرا لارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات فلكية، الأمر الذي يدفع المزيد من دول العالم النامي لإنتاج النفط والغاز، لاسيما وقد استقبلت إدارة الرئيس بوش عام 2001م بزوغ منتجين جدد للنفط بالترحاب والتهليل باعتبارها فرصة سانحة لتنويع مصادر وارداتها من الطاقة، وتقليص الاعتماد على نفط الخليج العربي.

أكثر من عشر دول في إفريقيا وحوض بحر قزوين وجنوب شرق آسيا، إما صارت أو في سبيلها لتصير دولا مصدرة للنفط والغاز.

بعض هذه الدول مثل تشاد وتيمور الشرقية وميانمار تعاني بالفعل من نزاعات داخلية، وأغلب الباقي من هذه الدول يعاني من الفقر وغياب الديمقراطية وسوء الحكم؛ مما يعني أنها مرشحة لتختبر طعم العنف بالمثل، وعلى ضوء ذلك فإن سجل أسعار النفط سوف ينتج عنه نوع من المكاسب الاقتصادية غير المتوقعة التي سوف تؤدي لمزيد من عدم الاستقرار.

بالطبع ليس النفط وحده هو المسبب لتلك المشاكل، فالماس مثلا والمعادن كذلك يمكنها أن تنتج مشاكل مشابهة، ولكن في حالة الدول التي تعتمد على النفط أكثر من اعتمادها على الذهب أو النحاس أو أي مصدر طبيعي آخر، فإن تأثير النفط يبدو أكثر بروزا وأوسع انتشارا في إثارة القلاقل بها.

لعنة النفط

 

الثروة النفطية..نعمة أم نقمة؟

لقد فجر النفط منذ سبعينيات القرن العشرين ازدهارا اقتصاديا وثروات طائلة للدول المنتجة له، ثم سبب لها العديد من الكروب فيما بعد، ففي بداية السبعينيات تمتعت الدول المنتجة بنمو اقتصادي سريع، لكن في العقود الثلاثة التالية، العديد منها عانى من ديون ضخمة، ومعدل بطالة عال، ثم ركود أو انحدار اقتصادي.

وعلى الأقل فإن نصف الأعضاء بمنظمة أوبك (الدول المصدرة للنفط) كانوا أفقر عام 2005 عما كانوا عليه قبل 30 عاما؛ فالدول الغنية المنتجة للنفط والتي كانت واعدة بشدة مثل الجزائر ونيجيريا انفرط عقدها بعد عقود من النزاع الداخلي.

هذه الدول أصابها وباء ما يطلق عليه "لعنة النفط"، أحد جوانب المشكلة هي متلازمة اقتصادية تعرف "بالمرض الهولندي" تبعا للمشاكل التي عانت منها هولندا في ستينيات القرن الماضي بعد اكتشاف الغاز الطبيعي في بحر الشمال.

يحل هذا البلاء بالبلدان عندما تصبح منتجا بارزا ومصدرا للموارد الطبيعية؛ فارتفاع صادراتها من هذه الموارد يرفع قيمة عملتها الوطنية، الأمر الذي يجعل صادراتها من المواد الأخرى مثل السلع المصنعة والزراعية أقل قدرة على التنافس بالأسواق الخارجية، ثم ما يلبث أن يتدنى حجم الصادرات من تلك السلع، الأمر الذي يحرم الدولة من مزايا قاعدتها الصناعية والزراعية ويتركها معتمدة على موردها الطبيعي، وبالتالي يضعها تحت رحمة الأسواق الدولية المتقلبة.

على سبيل المثال، في نيجيريا تسببت فورة النفط في السبعينيات في انخفاض صادرات البلاد الزراعية من 11.2% من إجمالي الناتج الوطني إلى 2.8% عام 1972، وهو الانهيار الذي لا تزال لليوم البلاد في حاجة إلى أن تتعافى من آثاره.

وجه آخر للعنة النفط يتمثل في الارتفاع المباغت للعوائد، قلة فقط من الدول الغنية بالنفط لديها نظام مالي منضبط قادر على استثمار الثروات المفاجئة بحكمة، بينما الغالبية تبعثرها على مشاريع تبذيرية، مثلا فإن حكومتي كازاخستان ونيجيريا أنفقتا عوائدها النفطية في بناء عواصم جديدة، في حين أنهما لم تفلحا في إيصال مياه الشرب النقية لكثير من القرى المحرومة منها والمنتشرة في بلادهما.

أما الدول ذات الحكومات الرشيدة، والشعوب ذات التعليم الجيد والاقتصاديات المتنوعة، مثل كندا والنرويج، فقد تجاوزت الآثار السيئة للفورة النفطية، لكن العديد من الدول الغنية بالنفط تعاني من حكومات أقل كفاءة ومن شعوب ذات دخل أدنى؛ مما يجعلها أكثر قابلية لأن تصيبها لعنة النفط.

كذلك فإن للثروة النفطية مثالبها السياسية، وغالبا ما تكون هذه أسوأ من سلبياتها الاقتصادية؛ ذلك لأن عوائد النفط تزيد من النزوع للفساد، وتحكم قبضة الحكام المستبدين، وتوهن الديمقراطيات الجديدة، فحكومات إيران وروسيا وفنزويلا كلما تلقت أموالا أكثر من صادرات النفط والغاز عولت أقل على شعوبها ولم تلق لها بالا، معتمدة على شرعية النفط أكثر من استمدادها لشرعيتها من الشعوب، كما أنه يصبح أهون عليها إسكات معارضيها أو شراء ذممهم، وحين يرتفع سعر النفط من 10 دولارات عام 1999 إلى أكثر من مائة دولار عام 2008 يكون خطر الفساد والاستبداد في ازدياد.

النفط محش حرب

بالنسبة لمنتجي النفط والغاز الجدد فإن أشد الأخطار التي تهددهم هي احتمال اندلاع النزاعات المسلحة؛ ففي الدول المنتجة للنفط تزداد فرصة اندلاع تمرد داخلي مرتين عن فرصة اندلاعها بالدول غير النفطية، وفي العالم الثالث تتراوح النزاعات بين حركات انفصالية محدودة، مثلما يحدث في دلتا النيجر وجنوب تايلاند إلى حروب أهلية مشتعلة (شاملة أو شبه شاملة)، كما هو الحال في الجزائر وكولومبيا والسودان والعراق على الطريق.

ويمكن إجمالا أن تندلع النزاعات بسبب الثروة النفطية من إحدى ثلاث طرق:

الأولى: لما يمكن أن تحدثه من عدم استقرار اقتصادي، يقود بدوره إلى اضطراب سياسي، فعندما يفقد الناس وظائفهم يزداد ضيقهم بحكوماتهم، ويصيرون أكثر عرضة للانخراط في صفوف جيوش التمرد المسلح لمواجهة الحكومات النهمة للأموال السائلة التي تجنيها من النفط، ومن شأن الانخفاض المباغت في الدخل أن يقود إلى صراع داخلي في أي بلد، ولكن الدول النفطية تتعرض أكثر من غيرها لدورات من الفوران والركود تجعلها أكثر من غيرها تعرضا لمثل تلك الأزمات. وكلما ازداد اعتماد الحكومة على عوائدها النفطية ازدادت احتمالات تعرضها للاضطرابات.

الثانية: غالبا ما تساعد الثروة النفطية في دعم المتمردين؛ فحركات التمرد تفشل في كثير من الدول بسبب افتقار مؤججيها إلى التمويل، لكن جمع التمويل في الدول النفطية أمر سهل؛ إذ إن بوسع المتمردين سرقة النفط وبيعه في السوق السوداء كما يحدث في العراق ونيجيريا، أو ابتزاز الأموال من شركات النفط التي تعمل في مناطق نائية مثلما يحدث بالسودان وكولومبيا، أو عن طريق العثور على شركاء يمولونهم مقابل وعود مستقبلية بامتيازات نفطية في حالة وصولهم إلى السلطة، كما في غينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو.

الثالثة: تشجع الثروة النفطية على الانفصال؛ فعادة ما يتم إنتاج النفط والغاز في جيوب من البلاد تدر الكثير من العوائد على الحكومة المركزية مقابل قلة فرص العمل المتاحة لسكان تلك الجيوب والذين غالبا ما يتحملون أعباء التطوير النفطي في مناطقهم مثل فقدانهم لملكية الأراضي ومعاناتهم من الأضرار البيئية، لذا يلجأ سكان هذه المناطق إلى المطالبة بالحكم الذاتي أو الاستقلال عن الحكومة المركزية كما يحدث في المناطق الغنية بالنفط في بوليفيا، وإندونيسيا، وإيران، والعراق، ونيجيريا، والسودان.

ليس المقصود بهذا القول أن النفط هو السبب الوحيد لمثل هذه النزاعات، أو أنه يقود حتما إلى العنف؛ حيث إن نصف الدول التي بدأت بإنتاج النفط منذ عام 1970 لم تعان من النزاعات؛ فالنفط وحده لا يطلق النزاع، لكن النفط يفاقم التوترات الكامنة ويعطي كلا من الحكومات ومعارضيها المسلحين الوسائل اللازمة لمحاربة بعضهم لبعض، فنادرا ما تواجه الحكومات التي تحد من الفساد وتحسن استخدام ثرواتها النفطية حالات عدم الاستقرار.

ولسوء الحظ أن إنتاج النفط يزداد بالتحديد في تلك الدول التي تشتد فيها الحاجة إلى الحكومات الرشيدة؛ حيث تتوزع غالبية الدول حديثة الانضمام إلى دنيا إنتاج الطاقة على النحو التالي:

في إفريقيا: تشاد وساحل العاج وموريتانيا وناميبيا.

وفي حوض بحر قزوين: أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان.

وفي جنوب شرق آسيا: كمبوديا وتيمور الشرقية وميانمار وفيتنام.

غالبية هذه الدول غير ديمقراطية، فهي شديدة الفقر وغير مؤهلة لإدارة زيادة كبيرة ومباغتة في العوائد، كذلك فالكثير منها يمتلك احتياطا نفطيا محدودا -يكفي لتوفير عوائد كبيرة لمدة عقد أو عقدين- الأمر الذي يعني في حالة اندلاع حرب أهلية بها أن تتبدد ثروتها، وسوف تتبدد معها كل فرصة لاستخدام تلك الثروة من أجل التخلص من الفقر.


*نقلا عن دورية "فورين أفيرز" الأمريكية (عدد مايو/يونيه 2008)  

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات