|
| ارتفاع الأسعار رغم وفرة المعروض |
ليس صحيحًا أن سعر برميل النفط مرتفع، وليس صحيحًا أن الدول المصدرة للنفط دول ثرية، وليس صحيحا أن ارتفاع أسعار النفط يدمّر مسيرة ازدهار اقتصادي عالمي، وليس صحيحًا أن رفع الإنتاج سيضغط على الأسعار.. هل يمكن إنكار هذه الأمور ببساطة، وهي التي ترددها المصادر "السياسية" الغربية ليل نهار؟
يمكن ذلك، ويمكن أيضا نفي الزعم القائل: إن مؤتمر جدة بين المصدّرين والمستوردين أجرى حوارا نجم عنه قرارا صائبا برفع إنتاج بعض الدول العربية النفطية، فقد سبق القرار انعقاد المؤتمر أصلا، ولم يكن صائبا.
ما زال بخسا
بعد استخراج النفط في منطقة الخليج، في الثلاثينيات من القرن الميلادي العشرين، أي قبل زهاء سبعين عاما -وكانت البداية في العراق فالسعودية والكويت- بقي الحصول عليه بأبخس الأثمان هو القاعدة التي لا تدافع عنها وتحرص عليها الدول المستوردة فقط، بل حكومات الدول المصدرة أيضا، أو أهمّها، وكم قيل إنها حريصة على عدم انهيار الاقتصاد العالمي، أي الغربي، لو ارتفع سعر البرميل دولارا أو اثنين!
باستثناء المقاطعة المرتبطة بحرب 1973م وقفزة الأسعار الأولى آنذاك (أي بعد أربعين عاما من استغلالٍ في منزلة سرقة الثروة دون جدال) لم تطلب الدول الغربية يوما، قبل ذلك العام ولا بعده أيضا، رفع الإنتاج، إلا وأتت الاستجابة بأسرع ممّا جاء الطلب، حتى بات السعر الرخيص للغاية مزعجا للدول المستهلكة نفسها ومضرّا بمخططاتها اقتصاديا، ولهذا أصبحت الرغبة في عدم استمرار انخفاضه من أسباب فرض رسوم ضرائبية متزايدة، لا مثيل لها على مواد أخرى، حتى أصبحت تتأرجح حول سبعين في المائة في معظم الدول الغربية المستهلكة.
المطلوب غربيا أن يكون سعر شراء النفط في الدول المصدّرة رخيصًا، وأن يكون سعر بيعه في الدول المستوردة مرتفعا، على المستهلك وليس على الدولة، والهدف هو ألا تكون المقارنة بينه وبين تكاليف الاستثمار في مصادر بديلة بفارق كبير يجعل المردود الاقتصادي المطلوب، أو المنتظر من تلك الاستثمارات ضعيفا، فلا يقدم أحد عليها. وتطوير مصادر بديلة هدف مطلوب أولا من أجل التخلص من الاعتماد على نفط الدول المنتجة، ولاسيما الخليجية، فكأنّما أصبحت هذه الدول هي التي تموّل - بسياسة - الأسعار المنخفضة خزائن الضريبة في البلدان الغربية، ومشاريع الاستثمار المستقبلية الهادفة إلى أن تصبح بضاعتها النفطية كاسدة.. يوما ما!
لم يكن ثمن بيع النفط ثمنا بخسا فقط، فكلمة بخس غير كافية للتعبير عنه!.. ولكن هل انتهى ذلك العهد فعلا بعد أن ارتفع سعر برميل النفط من أقل من دولارين قبل سبعين عاما، إلى أكثر من ثلاثين قبل أربعين عاما، إلى أكثر من مائة وثلاثين في اللحظة الراهنة؟
حلقة المضاربات
قبل محاولة الإجابة، يحسن الوقوف بإيجاز شديد وبشيء من التبسيط الضروري، عند ما يوصف بالمضاربات في أسواق النفط المالية عالميا، فهي سبب ارتفاع سعر برميله كما يقول المصدّرون، وليس قلة الإنتاج كما يقول المستوردون!
المضاربة على النفط الخام لم تنشأ اعتباطا، بل هي كأمثالها في نظام عولمة الاقتصاد الرأسمالي الغربي حلقة في سلسلة تطوّرات، ينبني بعضها على بعض، وحصيلتها على أرض الواقع هي ازدياد أموال أصحاب المال المضاربين، دون أن ينتجوا شيئا يوازي قيمة "أرباحهم". هل هذا ممكن؟
المتخصصون في عالم الأسواق المالية يعلمون أنه ممكن، ويعلمون بكيفية تحقيقه، وهذه صورة مبسطة عن كيفية انتشار المضاربة في عالم النفط الخام على وجه الخصوص:
1- إضافة إلى الاحتياجات الاستهلاكية الفعلية -أي التي تنقلها الشركات من الآبار إلى المستهلك- أصبحت تستخرج من الآبار كميات إضافية، بزيادة مطّردة خلال العقود الماضية، وهو ما يسمّى "المخزون التجاري" الاحتياطي، ومفعوله المالي مزدوج، فهو واقعيا بمثابة "فائض" عن حاجة الأسواق ولكن تتحكّم فيه الشركات، وليس "احتياطيا" في باطن الأرض، ما زالت الدول المنتجة تملكه ويعطيها مكانة متقدمة بقدر حجمه.
تحكُّم الشركات بالمخزون التجاري النفطي يعطيها مجالا أكبر للمساومة على اتفاقات تحقق أغراضها، وفي الوقت نفسه يحميها من التعرُّض لضائقة تمنعها من الاستجابة لطلبات المستهلكين إذا ما حدث نقص مفاجئ في استخراج النفط لأي سبب، كالحرب أو الاضطرابات الداخلية، أو مقاطعة ما بهدف سياسي.
2- بالطريقة ذاتها أصبحت الدول المستهلكة أيضا تشتري وتخزّن كميات نفطية ضخمة، هي ما يسمّى "المخزون القومي" الاحتياطي، وله مفعول مزدوج أيضا، فهو يعطي مجالا أوسع للحركة في التعامل السياسي مع الدول المنتجة، فيمكّن الدول المستهلكة من ممارسة الضغوط، بما في ذلك التهديد بالمقاطعة المعاكسة، أي الامتناع عن استيراد نفط هذه الدولة أو تلك، كما كان مع ليبيا والعراق وإيران وسواها.
3- ارتفاع الطلب على النفط لتغطية الاستهلاك والتخزين معًا، وليس لتغطية الاستهلاك فقط، ساهم إسهاما أساسيا في ابتكار أسلوب "البيع المؤجل"، أي أصبح النفط الخام يباع للشركات قبل استخراجه من باطن الأرض، فالدول المصدرة تعقد اتفاقات لتصدير النفط الخام -قبل استخراجه- بأسعار ثابتة، على ضوء مستوى الأسعار الآني، على أن يكون الاستلام بعد شهر أو شهور، وقد تصل لعام كامل أو أكثر.
4- في الأعوام الأخيرة ساهمت الحروب العدوانية الأمريكية أولا، والتهديدات المستمرة ضد دول أخرى - في مقدمتها حاليا إيران - ثانيا في ازدياد الرغبة في رفع المخزون الاحتياطي - القومي والتجاري - وساهمت في ذلك أحداث أخرى، مثل عدم الاطمئنان لبعض مصادر النفط، كما في نيجيريا، وفنزويلا، والاتحاد الروسي.
واجتمع عنصر ارتفاع طلب الاستهلاك نتيجة تطوّر اقتصادي كبير في بعض البلدان كالصين والهند والبرازيل، مع عنصر ازدياد رفع المخزون، فساهما في ازدياد حجم الطلب، وبالتالي في رفع الأسعار الآنية من جهة، وازدياد حجم ما يسمّى عقود البيع المؤجل من جهة ثانية.
5- هذه العقود للبيع المؤجل، وليس سعر النفط الاستهلاكي الفعلي، هي التي تُطرح في الأسواق المالية، فيتعامل المضاربون معها.
6- عندما يتوقع المضاربون ارتفاع الأسعار في مرحلة تالية، يقبلون على شراء تلك العقود "الأوراق" بثمن أعلى ممّا التزم به من اشتراها في الأصل، فتنتقل حقوقه إليهم، ثم إلى آخرين يشترونها من داخل صفوفهم، ويسعى صاحبها الأول من جانبه للحصول على البديل بعقود بيع مؤجل جديدة، فتتكرّر العملية، التي لم تبلغ بعد حدّ الإشباع!
7- المضاربة لا تجري إذن على مادة نفطية موجودة في الأسواق فعلا، بل هي موجودة في الأوراق حبرا فحسب، وازدياد حجم المضاربة، يرفع القيمة الآنية للعقود بالمقارنة مع قيمتها الأصلية، فيزداد الإغراء بشرائها في المضاربات، وتنشأ الحلقة الشيطانية المفرغة، بعيدا كل البعد عن الحاجة الاستهلاكية الآنية، ويصبح العامل الفعّال هو الحرص على تحقيق أرباح ضخمة وسريعة.
8- جميع ذلك والنفط موضوع المضاربة، ما يزال في باطن الأرض، فالمضاربون لا يشترونه ولا يستخرجونه، ولا ينقلونه ولا يكرّرونه ولا يبيعونه، ولكن يربحون ما يربحون باستخدام عقوده، شراء وبيعا، وراء الشاشة الصغيرة للحواسيب غالبا.
9- ارتفاع الأسعار في هذه "الأسواق المالية" المتعاملة بالأوراق، تتخذه الشركات التي توزع مشتقات النفط، كوقود السيارات ووقود التدفئة ووقود تشغيل المصانع، حجة لرفع أسعارها في أسواق الاستهلاك الحقيقي، وهنا يموّل المستهلك واقعيا لعبة المضاربة، وهذا الارتفاع الفعلي للأسعار يجدّد عنصر الإغراء بشراء عقود البيع المؤجل.. ويستمر الدوران في الحلقة الشيطانية.
10- لا توجد حتى الآن أي رقابة دولية على هذه المضاربات، رغم انكشاف حقيقتها وتأثيرها لعامة المستهلكين في الغرب، حتى باتوا يطالبون بالحدّ منها، وكذلك بالحد من الضرائب، أكثر مما تطالب الدول "المنتجة المصدرة"، فقد بلغت الأعباء درجة قاسية على المستهلك العادي، بعد أن أصبح حجمها في جيوب المضاربين وجباة الضرائب خياليا، وأصبح أحد الأسباب الرئيسية التي رفعت الأسعار في الآونة الأخيرة، حتى وصلت إلى أكثر من 130 دولارا للبرميل الواحد، وستصل إلى المزيد؛ لأن المستوردين والمضاربين يعلمون، أن قيمة النفط الحقيقية، أي من حيث الوظيفة التي يؤدّيها اقتصاديا، أعلى من ذلك بكثير، ولكن الخلل قائم في توزيع الثمن.
11- بتعبير آخر، قد يكون مبلغ 100 أو 200 أو 300 دولار للبرميل الواحد معادلا للقيمة الفعلية له، من حيث مفعوله في عملية الإنتاج الصناعي والاستهلاك المعيشي، ولكن حصول المضاربين الغربيين، ووزارات المالية في الدول المستوردة، على القسط الأعظم وحصول "صاحب الثروة" من شعوب الدول المنتجة على قسط ضئيل للغاية، هو موطن الخلل الأكبر الواجب تصحيحه.
والبقية تأتي
لا داعي إذن للسؤال: هل هذا السعر أعلى من القيمة الحقيقية للنفط الخام؟ فالذين يسدّدون ثمنه مضطرون، والذين يقبضونه رابحون، والذين يملكونه في الأصل من الشعوب خاسرون، أما القليل الذي تحصل عليه الدول المنتجة، فيبدو كثيرا؛ لأن تملّكه يقتصر على فئة محدودة العدد نسبيا، ولهذا انتشرت هوة الثراء والفقر انتشارا متزايدا في الدول النفطية نفسها.
وعلى افتراض صحة تلك المقولة جدلا، أين ما كان يقال بمختلف أساليب التخويف عن "انهيار الاقتصاد الغربي" إذا ارتفع سعر النفط عمّا كان عليه قبل أعوام معدودة، وقد كان دون 30 دولارًا، ولكن ارتفع إلى خمسة أضعاف تقريبا، وما زالت عجلة الازدهار في الغرب تتحرك، وما زالت عجلة الجوع والفقر "وأزمة الغذاء" في الجنوب تدهس أصحاب الخامات والطاقات الطبيعية داخل حدود بلدانهم؟
لقد طفح الكيل بالمسئولين في الدول المصدرة، وهم ينتجون وينتجون أكثر ممّا يستهلك المستهلكون، ويتعرّضون رغم ذلك إلى الاتهامات المتكررة، التي تتجاهل المضاربات وما يجنيه المضاربون الغربيون، وتتجاهل الضرائب وحكومات الدول المستهلكة وما تجنيه منها.
وينبغي التنويه هنا، إلى أنّ أقل من خمسة في المائة من قيمة البرميل الاسمية، سواء كانت 3 دولارات أو مائة وثلاثين، هو ما تحصل عليه الدولة المنتجة، وزهاء 70 في المائة تحصل عليه الدولة المستهلكة، و25 في المائة تحصل عليه الشركات النفطية العاملة في استخراج النفط، ونقله، وتكريره، وتوزيعه.
عندما يطفح الكيل يُفترض بالدول المنتجة اتخاذ إجراءات جديدة تواجه الوضع الشاذ في السوق النفطية من حيث الأساس، وبمختلف جوانبه، أو بعضها، فهل حدث ذلك أو هل يوجد ما ينبئ بحدوثه؟
بعض تلك الدول يريد ذلك، ولكن ليس لها وزن صناعة القرار الحاسم بالمقارنة مع الدول التي تتصدّر القائمة من حيث حجم الاحتياطي في باطن الأرض، ومن حيث حجم الإنتاج والتصدير، ومعروف أنّه من حيث الاحتياطي تحتل السعودية المرتبة الأولى يليها العراق، ومن حيث التصدير تحتل السعودية المرتبة الأولى تليها فنزويلا وإيران.
طفح الكيل ولم يكن الجواب عبر إجراءات عملية، بل عبر تصريحات رسمية وكتابات إعلامية، واستمرار الإجراءات على ما كانت عليه منذ عقود وعقود.
رسميا انعكس الانزعاج في نصوص الكلمات الرسمية التي ألقيت أثناء مؤتمر جدة للمصدرين والمستوردين، أما إعلاميا فكان الحديث عن حقيقة المعضلة واسع النطاق، ومن ذلك ما نشر يوم انعقاد المؤتمر في جريدة (Arab News) السعودية، فقد واكبت المؤتمر بحديث مفصل عن أن النفط الخام لا يزال من أرخص المواد الخام على الإطلاق، وأجرت مقارنات عديدة مع مراعاة الكميات من حيث مفعولها في الإنتاج الصناعي، فبيّنت أن سعر النفط أرخص حاليا من البلاتين بما يعادل 52000 ألف مرة، ومن الذهب بما يعادل 2350 مرة، ومن منتجات التقنية الحديثة بما يعادل 112 مرة، وهكذا مع الفضة، والنيكل، وحتى الخضار والمشتقات اللبنية.
الخبراء الغربيون يدركون ذلك ولهذا يستبعدون هبوط أسعار النفط، لاسيما وأنّهم لا يرون هبوطه في مصلحتهم في الوقت الحاضر. أهم الأسباب أن هبوطه سيقضي على مفعول المردود الاقتصادي المنوه به آنفا، لاستثمارات ضخمة تجري على صعيد تطوير مصادر الطاقة البديلة، وقد قدّر رئيس الوزراء البريطاني براون المطلوب منها حتى عام 2050م بما يعادل 1000 مصنع نووي، و700 ألف مضخة لاستغلال طاقة الرياح، وستة أضعاف الكمية الحالية من منشآت استغلال الطاقة الشمسية والحيوية والمائية، والتي تغطي معا زهاء 25 في المائة من مجموع الاحتياجات الاستهلاكية الآنية.
لهذا يقدر المعهد الفرنسي للنفط (IFP) المعروف أن سعر البرميل سيصل إلى 300 دولار بحلول عام 2015م، أما رئيسه أوليفييه آبيرت فيقول تعقيبا على مؤتمر جدة "لا ينبغي لأحد أن يراهن على انخفاض سعر النفط. يجب الاستعداد لذلك ويجب العمل للحيلولة دونه".
الثراء مزعوم والاستقلال
يجب الاستعداد لذلك كما يقول آبيرت؛ لأن ارتفاع سعر النفط سيصل إلى حدّ أدنى ما في اتجاه قيمته الحقيقية -وليس بالوصول إليها فعلا- بات شبه حتمي مع ازدياد الطلب عليه استهلاكا وتخزينا، وبعد سقوط بعض المعوقات القديمة، غير الاقتصادية في غالبها، ومن أسباب سقوطها تعدّد المستوردين، وميل الاحتياطيات القليلة من النفط في الشمال إلى النضوب خلال سنوات معدودة.
ولكن يجب الحيلولة دون ذلك، كما يقول آبيرت أيضا؛ لأن الثمن الذي يتمّ تحصيله يجب أن يبقى الجزء الأعظم منه، كما هو الحال الآن، من نصيب الشركات الغربية أرباحا، والدول الغربية عبر الضرائب، ومصدرا لتمويل مشاريع استثمارية لصالح مصادر الطاقة البديلة!
في الوقت الحاضر لا تبلغ عائدات جميع الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبيك"، ما يناهز خمسة في المائة من الإنتاج القومي العام في الولايات المتحدة الأمريكية. وما تزال الأرباح الصافية لشركة نفطية واحدة مثل "إكسون"، تعادل الدخل السنوي لدولة نفطية مثل الكويت، ناهيك عن المقارنة "المضحكة المبكية" مع ميزانيات الدول غير النفطية.
ولمزيد من الإيضاح: برغم الارتفاع الكبير لسعر النفط وصل دخل السعودية منه عام 2007م إلى 170 مليار دولار، أي ما يعادل ثروة فردين أو ثلاثة أفراد من أثرياء الغرب، وليس من شركاته، التي تعادل ميزانيات بعضها أضعاف الدخل السعودي بكامله، ناهيك عن دوله!
برغم ذلك لن تنقطع الضغوط الغربية المجحفة على الدول المنتجة، وأغلبها دول عربية وإسلامية، وهذا منتظر منها، ولكن لا ينبغي أن تكون "الاستجابة للضغوط" -طوعا وكرها- أمرا بدهيًّا منتظرا، فالمفروض نظريا أن الاحتلال قائم في "العراق" فقط من بين الدول النفطية!..
يستدعي هذا التنويه التساؤل عن مدى ارتباط توقيت الضغوط الآنية تخصيصا، بمستقبل النفط العراقي!
العراق يمتلك في باطن أرضه أكبر احتياطي عالمي (حوالي الربع) بعد السعودية، ويتميز عالميا بأنّ قيمة تكاليف استخراج النفط فيه - لأسباب عديدة (طبيعة الأرض ونوعية النفط) - هي الأدنى بما لا يقاس مع أي بقعة أخرى في العالم، وقد كان حجم إنتاجه قبل الاحتلال في حدود 3 ملايين برميل يوميا، مع قابلية الزيادة حسب المنشآت المتوافرة آنذاك إلى الضعف، وقد اهترأت المنشآت أثناء الحصار عبر 12 عاما، ثم دمرت في حرب الاحتلال، وبات بناؤها مجددا؛ ليمكن رفع الإنتاج يتطلب سنوات عديدة، وهو ينتج حاليا حسب مصادر وكالة الطاقة الدولية مليونين ونصف المليون برميل يوميا، ويمكن أن تزيد خلال سنوات إلى ثلاثة ملايين.
العراق هو الدولة الوحيدة في المنطقة التي أقدمت على "تأميم" النفط بنسبة مائة في المائة قبل 36 سنة، فلم تكن الشركات المستفيدة من استخراجه بعد ذلك أجنبية، أما الآن فبدأ الاحتلال الأمريكي يعمل لما بعد الانسحاب العسكري، الجزئي أو المرتبط بمعاهدة تشرع استمراره، أي يعمل لتحقيق أهداف الحرب رغم الهزيمة واقعيا، والمقصود أن تَحَكُّم الشركات نيابة عن الاحتلال العسكري بالنفط العراقي، يجعلها ويجعل الدول التي تنتمي إليها، أقدر على فرض السياسات النفطية على الدول المصدرة، وأقدر على التأثير في أسواق النفط العالمية تجاه الدول المستهلكة الأخرى.
بعد 36 سنة انقطاع ومع اقتراب موعد رحيل رئيس الحروب الإرهابية، والاستباقية العدوانية، بدأ مجددا عقد صفقات كبرى مع خمس شركات نفطية، هي إكسون وموبيل وشل وتوتال وشيفرون، ويجري توقيع الاتفاقات على هذه الصفقات من جانب حكومة الاحتلال المحلية دون أن تقدّم تلك الشركات "عروضا" كما هو متبع في حالات مماثلة في الممارسات الاقتصادية والتجارية، وهو ما يعني تجاوز شركات أخرى، كالصينية والروسية. ومدة الاتفاقات الجديدة الحالية عامان؛ لكنها تعطي الشركات المعنية ميزات كبيرة لتمديدها، كما تؤكد صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
بعد ما سبق يكفي لفهم الأسباب الموضوعية للمعارضة الشديدة من جانب رئيس منظمة البلدان المصدرة للنفط، شكيب خليل، لرفع الإنتاج استجابة للرغبات الأمريكية والغربية عموما، منتقدا بذلك السعودية التي اعتمدت على قوة مركزها المعروف تصديرا، فوضعت أعضاءَ المنظمة الآخرين أمام أمر واقع، فقد أعلنت عن زيادة الإنتاج قبل مؤتمر جدة الذي كان يُفترض أن دعوته العاجلة من جانبها استهدفت "حوارا" بين المصدرين والمستهلكين، للبحث عن كيفية الضغط على الأسعار عالميا، فسبق القرار ذلك الحوار!..
حتى العرض الذي بادرت السعودية إليه لدعم الدول النامية الفقيرة المتضررة أكثر من سواها من تكاليف الطاقة، وتكاليف لقمة الطعام معا، تضمن اقتراحا أن يصل الدعم إلى مليار دولار من جانب المنظمة، نصفها من السعودية، ولكن المبادرة وضعت الاقتراح رسميا بين أيدي المصرف المالي العالمي، بدلا من أن تجعله من أسباب التواصل المباشر بين الدول النفطية والدول النامية الأخرى.
وحيث تمت الاستجابة لمطالب الدول الغربية مسبقا، انعقد المؤتمر وانفض دون نتيجة أخرى، إذ لم يعد لديها حاجة في أن تبحث بصورة جادة، في أمر الضرائب التي تمثل 70 في المائة مما يدفعه المستهلك الغربي، وكان يشيع زورا أنه يدفعه للدول النفطية التي لا تحصل على ما يتجاوز خمسة في المائة من القيمة المعلنة لسعر برميل النفط، أو أن تبحث -أي الدول الغربية- بصورة جادة في أمر المضاربات، التي يقوم على معظمها أثرى أثرياء الغرب، ولا يهمهم في ذلك مواطن في دولة منتجة أو مواطن في دولة مستهلكة، بل يهمهم أن يبقى دخل أفراد منهم، أكبر من دخل عدد كبير من الدول النامية معا، ومن بعض الدول النفطية أيضا.
بقيت الإشارة إلى استحالة استمرار ذلك الخلل في التعامل مع ثروات الشعوب، استغلالا ومضاربة وبيعا بثمن بخس، وتجويعا لأفقر الفقراء.
ولهذا لا نستغرب أن يصدر في عام 2008م كتاب جديد عن أحد أشهر المضاربين الغربيين، وهو "زوروس"، وأن يحمل عنوان: "نهاية الأسواق المالية العالمية ونهاية مستقبلها".
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|