English

 

الخميس. يونيو. 19, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » البلقان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

كوسوفا.. هدايا الاستقلال المسمومة

د. عبد السلام بلاجي

Image
قرأت للسيد علي عبد العال مقالا بعنوان "صمت العرب أمام استقلال كوسوفو.. تخبط في السياسة والدبلوماسية العربية إزاء مختلف القضايا". فتذكرت لقاء جمعني بمسئول دبلوماسي أمريكي في صيف سنة 2001، حيث كنت أجرُّه للحديث عن موقف بلاده السلبي من نضال الشعب الفلسطيني، بينما كان هو يجرني للحديث عن موقف بلاده الإيجابي من شعب البوسنة والهرسك، فأحسست يومها أن هناك محاولة غربية لاسترضاء الشارع العربي والإسلامي الغاضب من المواقف السيئة للدبلوماسية الأوروبية والأمريكية في مختلف المناطق العربية والإسلامية: في السودان، والصومال، وليبيا، ولبنان، والعراق، وسوريا، والسعودية، وباكستان، وإندونيسيا، وفلسطين.. وغيرها.

التجزئة هدف غربي

اضغط للتكبير

ولكن حين أعلنت البلدان الغربية مساندتها لإعلان استقلال كوسوفا توجست خيفة من نوايا سيئة تجاه عامة البلدان العربية والإسلامية، وقلت متمثلا مذهب علماء الحديث: «من الحزم سوء الظن»، والذي يجعلني أسيء الظن أكثر عدم إبداء الدول الغربية على مدى عقود عدة أي تفهم لقضايا عادلة مثل قضايا المسلمين في جنوب التايلاند والفلبين وإثيوبيا والصين.. فضلا عن فلسطين السليبة وما أدراك ما فلسطين فهي صورة قديمة جديدة للكيد الغربي الاستعماري التجزيئي. وترجح لدي أن نصرة قضية المسلمين في كوسوفا في هذا التوقيت بالضبط هي من قبيل الحق الصحيح المراد به الباطل الصريح، وأنه مقدمة لإنجاز تقسيم البلدان الإسلامية بنفس السلاح: أي إعلان الاستقلال من جانب واحد والاعتراف به فورًا من طرف البلدان الغربية تحقيقا لمصالحها الاستعمارية الإستراتيجية القديمة.

ثم قفزت بي الذاكرة فورًا إلى مقالة الضابط الأمريكي المتقاعد رالف بيترز Ralph Peters التي نشرها في مجلة الجيش الأمريكي Armed Force Journal مطلع سنة 2007 والتي تضمنت رؤية أمريكية حول إعادة تقسيم مناطق من العالم الإسلامي المقسم أصلا، وللتذكير فالدول التي اقترح هذا الضابط أن يشملها التجزيء هي: سورية، العراق، السعودية، الأردن، اليمن، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، وإيران، وباكستان، وأفغانستان. ولا يوجد ذكر لفلسطين مطلقا. وقد أرفق مقاله بخريطة للتقسيم المقترح مؤكدًا أن اقتراحاته ستعمل على تصحيح ما سماه «الأخطاء التي تعاني منها مجموعات شعبية هامة و"مخدوعة" مثل الأكراد والبلوش والعرب الشيعة».

وإذا أخذنا السعودية كنموذج لمشروعه التقسيمي نجده يقترح إقامة دولة دينية إسلامية في مكة والمدينة على غرار دولة الفاتيكان المسيحية، محاولا تصوير هذه الدولة وكأنها مطلب إسلامي، حيث أكد ذلك بقوله: «فلنا أن نتخيل كم سيكون العالم الإسلامي أكثر عافية حين تحكم مكةَ والمدينةَ بالتناوب من طرف مجلس يمثل المدارس والحركات الإسلامية الأساسية في دولة إسلامية مقدسة كنوع من مجلس فاتيكان إسلامي عال.. سوف تعطي حقول النفط الساحلية للشيعة العرب الذين يسكنون تلك المنطقة، بينما المنطقة الجنوبية الشرقية ستؤول إلى اليمن».

أما إيران وأفغانستان وباكستان فستخضع لإعادة تقسيم متداخل ومعقد، وهكذا «ستخسر إيران قدرا كبيرا من الأراضي لصالح أذربيجان موحدة، وكردستان حرة ودولة شيعية عربية، وبلوشستان حرة، لكنها سوف تربح مقاطعات حول هيرات التابعة حاليا لأفغانستان، وما ستخسره أفغانستان لصالح إيران في الغرب ستربحه في الشرق، حيث القبائل في الحدود الشمالية الغربية لباكستان».

وعلى هذا النمط اقترح الضابط تقسيم بقية الدول، ومن الصعب تصور براءة مقالة كهذه نشرت في مجلة رسمية تابعة للجيش الأمريكي. خصوصا إذا علمنا أن لكل بلد إسلامي قضية "أقلية" مسجلة في كواليس الدبلوماسيات الغربية تنتظر الفرصة المواتية لتحريكها: فللسنغال جنوبها، ولموريتانيا زنوجها، وللمغرب والجزائر وليبيا أمازيغها، ولمصر أقباطها، وللسودان زنوج جنوبها، وللسعودية شيعتها، ولسوريا والعراق أكرادها، ولإيران أعراقها التي لا تحصى، وللبنان طوائفها، ولباكستان قبائلها، ولإندونيسيا جزرها، ولمالي طوارقها، ولنيجيريا طوائفها، ولماليزيا هندوسها وبوذيوها.

كما أن من المعلوم أن هناك العديد من قضايا الجغرافيا السياسية مطروحة في البلدان الإسلامية، وهي تؤثر بشكل كبير في التحولات السياسية لهذه البلدان وتستنزف منها جهودًا مادية وبشرية وعسكرية هائلة، ومن هذه القضايا العديدة يمكن الإشارة إلى قضية الصحراء المغربية، وإقليم كازامانس جنوب السنغال قبل توقيع اتفاق للسلام يهدف إلى إنهاء الصراع في ديسمبر سنة 2004، وقضية جنوب السودان، وقضية الجولان السورية الخاضعة لاحتلال الكيان الإسرائيلي، وقضية كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان والتي كان لها وما يزال تأثير على كيان الدولة نفسه، وغيرها من القضايا، فضلا عن القضايا الحدودية بين العديد من البلدان الإسلامية وجيرانها من البلدان الإسلامية أو غيرها. وتساءلت كثيرا: لماذا لا يؤيد الغرب "استقلال" الفلسطينيين مثلا؟ مع أن قضيتهم قضية عادلة بمختلف المقاييس؟..

لا مصلحة في نشأة كيانات صغيرة

هذا من الناحية السياسية الصرفة، أما من الناحية المبدئية فحين كتب أخونا الفاضل الأستاذ نبيل شبيب حفظه الله مقالته "استقلال كوسوفا الوشيك.. مناورات صربية وغربية بعد الانتخابات في صربيا". أدليت برأيٍ طالما تداولته مع بعض الإخوة دون أن أكتب عنه مفصلا اللهم إلاّ بضعة أسطر في مقالة نشرت بمجلة الاتحاد البرلماني العربي سنة 1996 تحت عنوان "العالم الإسلامي في ظل النظام الدولي الجديد". وأرى من الفائدة إعادة طرح هذا الرأي للنقاش الجاد.

وملخص هذا الرأي أنني ضد الكيانات الصغيرة والضعيفة ولو كانت إسلامية، بل إني أفضل للكيانات الإسلامية الصغيرة على الخصوص أن تبقى في ظل دول قوية وربما تتمتع بحكم ذاتي يحفظ لها خصوصياتها مع المطالبة بحقوقها كاملة في نطاق دولة كبيرة وموحدة، وفي تقديري أن ذلك قد يكون أفيد لها ثقافيا وحضاريا ودعويا من أن تكون مستقلة.

ويحضرني في هذا المجال دولة باكستان التي لم يستقر كيانها بعد كدولة حقيقية برغم مرور أكثر من نصف قرن على نشأتها، والتي كان الكثير من المسلمين وعلى رأسهم أبو الحسن الندوي يرون أن استقلالها عن الهند سيضعفها وسيضعف الوجود الإسلامي في الهند، وهذا ما رأيناه وشاهدناه بأم أعيننا. وينطبق هذا الحكم عندي على كثير من الحالات الأخرى كالمسلمين في جنوب الفلبين، والشيشان، وشمال قبرص.. وغيرها. برغم أن هذه الحالة الأخيرة، يمكن أن يكون لها حل آخر وهو الانضمام إلى دولة مسلمة كبيرة مجاورة كتركيا مثلا.

ولا تخفى على الدارس أن هذا التوجه له مبرّرات ويتوخى عددا من المصالح منها:

- أن الدول الصغيرة تكون عرضة للابتزاز والاستغلال السياسي من طرف الدول الكبرى أكثر من غيرها، وهذه حال عدد من دول الخليج كما هو معروف.

- أن مهمة البلدان والشعوب الإسلامية لا تكمن في إضافة دول قزمية صغيرة لا تملك حتى مقومات وجودها. بل في الدفاع المستميت عن مصالح الأقليات والكيانات المسلمة داخل بلدانها، وهذا من ناحية النظر الإستراتيجي أفيد للمسلمين كأمة ودعوة. ومثال المسلمين في جنوب إفريقيا خير مثال على ذلك، فنسبتهم لا تتجاوز اثنين في المائة من السكان، لكن فعاليتهم الثقافية والدعوية والسياسية مرتفعة للغاية.

- أن المسلمين في ظل هذه المقولة يكون لهم منطق واحد وهو منطق المصلحة والعدل، وهو مقياس تبنى عليه كثير من أحكام السياسة الشرعية، وهو يكسبنا احترامًا وقوة أكثر؛ لأننا في هذه الحالة لا نكيل بمكيالين أو أكثر، فندافع عن الوحدة في كشمير وتيمور الشرقية والصحراء المغربية.. وغيرها، في حين ندافع عن التجزّؤ والتشظية في الشيشان وكوسوفو.

- أن بإمكان الأمة والبلدان الإسلامية أن تكسب حلفاء لها في قضاياها العادلة إذا ساعدت البلدان المعنية بحلّ هذه القضايا في ظل الوحدة.

وحبذا لو يفكر المسلمون في إنشاء هيئة للحكماء -وما أكثرهم في بلداننا وأمتنا- تكون مهمتها الدراسة والتوسط في حلّ هذه القضايا وغيرها بما يحفظ مصالح الأمة والأقليات المسلمة والبلدان المعنية، ولعل اتحاد علماء المسلمين يكون هو الهيئة المناسبة لذلك، أو هيئة أخرى يأخذ الاتحاد على عاتقه مهمة الدعوة إلى تأسيسها.


باحث وأستاذ جامعي في المغرب.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات