|
كتاب "تطور الفكر
السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه"
من الدراسات المهمة؛ فهو رؤية نقدية منهجية
عميقة للفكر الشيعي الإمامي وما انبنى عليه،
ومحاولة جادة للتوصل إلى منابعه الأولى،
وكيفية تطور نظريته السياسية والاختراقات
التي حدثت فيها، فالكتاب يحمل في أحد جوانبه
رؤية لتاريخ ونشأة الأفكار، واللحظات الأولى
لمولدها ونموها وتشكلها، والنظر في مآلاتها،
وما أنتجته من حركة سياسية.
أما
الكاتب فهو "أحمد الكاتب" أحد الباحثين
الشيعة الذين نشئوا في الحوزة العلمية
الشيعية، واستغرق تأليف الكتاب سنوات، رجع
فيها إلى الغالبية العظمى مما كتبه الشيعة
أنفسهم في الموضوع محل الدراسة، ووضع الكاتب
منهجية صارمة في بحثه تتسم بالموضوعية
والجدية؛ نظرا لأن الكتاب في عمقه يتناول
مسَلَّمات يؤمن بها الشيعة، وأفكار يحوطونها
بالكثير من القداسة التي لا تقبل جدلا ولا
نقاشا، وقد عرض الكاتب مؤلفه على عدد من
العلماء والمراجع الشيعية؛ ليقولوا كلمتهم
فيه، وانتظرها طويلا لكنها لم تأت، ومن ثم لم
يصدر ردا علميا شيعيا على ما طرحه من رؤى
وأفكار.
ناقش
الكتاب مجموعة من الأفكار الكبرى التي يؤمن
بها الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، وكان لها
انعكاسها المباشر على الممارسات السياسية
للشيعة الإمامية مثل نظرية "الانتظار"
السلبية، والتي كانت تحرم أي نشاط سياسي
للشيعة في ظل غيبة "الإمام المهدي"،
وعندما تخلى الشيعة الإمامية عن
نظريات "عصر الغيبة" خرجوا من مربع
الانتظار الطويل، وأنتجوا نظريات جديدة
أبرزها: "ولاية الفقيه" التي أعطت المرجع
الديني صلاحيات شبه مطلقة تقضي على إمكانية
مشاركة الأمة في السلطة، وإقامة النظام الذي
تراه عادلا.
البداية
التي انطلق منها الكتاب أن المسئولية الكبرى
عن تخلف الشيعة وانحطاطهم في التاريخ تقع على
عاتق الأفكار الخاطئة، والنظريات الدخيلة
التي تسربت إلى ذلك الفكر، وبالتالي فإن
إصلاح هذا الخلل لن يتأتى إلا من خلال إصلاح
الأفكار نفسها، ومراجعة الثقافة وتنقيحها،
ومطابقتها مع روح الإسلام.
نظرية
الانتظار
الشيعة
الذين في نشأتهم الأولى مع الإمام علي بن أبي
طالب -رضي الله عنه- لم يعرفوا "نظرية
الإمامة" القائمة على عصمة الإمام، والنص
على وجوده، وتوليه بنص، لكنهم في تلك الفترة
إبان الانقسام الإسلامي بين الإمام علي وبين
معاوية -رضي الله عنهما- كان الشيعة يرون
أحقية وأولوية آل البيت في الحكم والخلافة من
الأمويين.
وعندما
اختلف آل البيت في القرن الثاني الهجري بين
طالبيين وعلويين وعباسيين... إلخ، نشأ خط من
الشيعة يؤمن بأحقية فريق واحد وهو "الخط
العلوي الحسيني الموسوي" بالإمامة
والخلافة إلى يوم القيامة، لكن هذه النظرية
وصلت إلى طريق مسدود مع وفاة الإمام "الحسن
العسكري" سنة (260هـ) دون أن يكون له ولد ظاهر
يرثه في الإمامة، وبالتالي فمصطلح الشيعة ظهر
في القرن الأول الهجري.
أما
مصطلح "الإثنا عشرية" فظهر في القرن
الرابع الهجري، وهم الذين قالوا بولاية
وإمامة "محمد بن الحسن العسكري"، وهو
الابن المخترع للإمام العسكري، وتطرف البعض
فقالوا باستمرار حياته إلى يوم ظهوره.
وأمام
هذا المأزق الكبير بادر بعض أركان هذا التيار
إلى اختلاق قصة وجود ولد مستور للإمام "الحسن
العسكري"، وعندها بدأ تأليف النظرية "الإثنا
عشرية" في القرن الرابع الهجري، فأشاعوا أن
للعسكري ولدًا مستورًا، وأنه سيظهر لإمامة
المسلمين، وظل الشيعة ينتظرون هذا الإمام ما
يقرب من ألف عام، لم يجنوا خلالها إلا العزلة
والانكفاء.
هذا
الانتظار الطويل دفع الشيعة إلى الثورة على
"نظرية الانتظار" التي كبلت حركتهم
السياسية، وألفوا نظرية جديدة تقوم على فرضية
النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي
الغائب، وهي النظرية التي تطورت فيما بعد في
نظرية: "ولاية الفقيه"، والتي وصفها
الكاتب بأنها "ديكتاتورية باسم الدين"؛
لأنها تضع المرجع الديني فوق مستوى الشعب.
كانت
وفاة الإمام العسكري صدمة للشيعة؛ نظرا لأنه
لم يعد لهم إمام يقود حركتهم الاجتماعية، أو
يؤسس لقيام دولتهم، ومن ثم دخل هؤلاء في مرحلة
الانتظار للإمام الثاني عشر، وعطلوا الثورة،
والعمل بالسياسة، وظهرت أقوال غريبة تنافي
القرآن الكريم والعقل، فيما يتعلق ببعض
القضايا الشرعية مثل: الزكاة والخمس؛ الذي
يرى الشيعة أنه يذهب للإمام، فأفتى البعض
بدفنه في باطن الأرض؛ انتظارا للإمام، أو
إلقائه في البحر، كما أنهم لم يصلوا الجمع؛
لأنهم يرون أن من شروطها أن تكون في حضور
الإمام أو إذنه، كذلك كان الاجتهاد محرما.
ورفض
هؤلاء في بداية تشكيلهم نظرية "ولاية
الفقيه"، واعتبروها نظرية تفتقد إلى شروط
الإمام من: العصمة، والنص، والسلالة العلوية
الحسينية، وقالوا: لا ولاية للفقيه في ظل غيبة
الإمام، ومن ثم اعتبروها نظرية تتعارض مع
فكرة "الإمامة الإلهية" للإمام المهدي،
ولذا رددوا نظرية "الانتظار"، وكرسوها
في كتبهم، حتى إنهم رفضوا الانخراط في إطار
الدولة الصفوية الشيعية في القرن العاشر
الهجري، ونستطيع أن نقول إن نظرية الدولة
سقطت من الفكر السياسي الشيعي لقرون في ظل
تحريم إقامة الدولة في ظل غيبة الإمام.
نحو
نظرية "ولاية الفقيه"
ضغوط
الواقع وطول الغيبة جعلت الشيعة الإمامية
يضطرون للاجتهاد، وكانت بداياته في أواسط
|
|
المفكر أحمد
الكاتب
|
القرن الرابع
الهجري، وكان ذلك خطوة نحو الخروج من الأزمة،
وسد الفراغ التشريعي للإمامية.
أما
نظرية "ولاية الفقيه" فقد بدأت تظهر في
القرن الخامس الهجري مع ظهور نظرية "النيابة
الواقعية للفقهاء عن المهدي" خاصة في مجال
القضاء، ثم أخذت تتطور وتتشعب، ومن ثم بدأ
التخلص التدريجي منذ ذلك الوقت من نظرية
الانتظار.
وقد
أدى قيام الدولة الصفوية في القرن الرابع
الهجري، وتطوير نظرية "النيابة العامة
للفقهاء" إلى حدوث انشقاق عميق وعنيف في
المجتمع الشيعي الإمامي "الإثنا عشري"،
وكان الصراع يتعلق بأمر أساسي يدخل في موضوع
الهوية العقائدية، أو الصراع بين الخط
المتمسك بنظرية "الانتظار" وبين الخط
المتحرر من شروط الإمامة الصلبة خاصة شرطي:
العصمة والنص.
كان
الفكر الإمامي يعطي الإمام مهمتين أساسيتين
هما: التشريع والتنفيذ، وقيادة المسلمين،
ويحصر مهمة الإمامة في الأئمة المعصومين، ومع
سقوط الدولة الصفوية انتعش المد الأصولي؛
فقام العلماء بالإفتاء وممارسة القضاء،
وتقسيم الخمس، وكان ذلك تطورا كبيرا في نظرية
"النيابة العامة"، وإيذانا بتصاعد خط
الفقهاء الذين تصدروا للحكم، وتجاوزوا نظرية
"الانتظار"، وتخلوا عنها تماما، وهذا ما
دفع الشيخ "أحمد بن محمد النرافي"
المتوفى (1245هـ) إلى طرح نظرية "ولاية الفقيه".
كانت
نظرية "النرافي" تتألف من قسمين، أولهما:
ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وثانيهما: حصر
الإمامة في الفقهاء، ومعنى رفض نظرية "الغيبة"،
وهنا تخلى "النرفي" مضطرا عن اشتراط النص،
والسلالة العلوية في الإمام.. ومن ثم يمكن
اعتبار تلك النظرية تطورا جذريا في الفكر
الشيعي نحو التحرر من نظرية الإمامة الإلهية
أكثر من التحرر من نظرية الانتظار.
استمر
الجدل حول ولاية الفقيه، ومنهم الشيخ "محمد
حسين النائيني" الذي تحدث عن استحالة
التفاف الأمة حول الإمام المهدي المنتظر،
وعدم وجود الأئمة المعصومين، وحاجة الأمة إلى
قيام مشروط (دستور) ومجلس منتخب، أما "الخميني"
فمهد لنظرية "ولاية الفقيه" بالحديث عن
ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، والتي تطورت
إلى حكم الفقهاء المباشر، ومباشرتهم مهام
الإمام بصورة كاملة.
وقد
رفض "الخميني" نظرية "الانتظار"
للمهدي رفضا مطلقا، وأسقط بالأدلة العقلية
الأحاديث التي كانت تحرم العمل السياسي في ظل
الغيبة، وسار خطوة أبعد من ذلك؛ فتحدث عن
التشابه بين الفقيه والإمام المعصوم، حيث كان
يؤمن أن ولاية الفقيه هي ولاية دينية إلهية،
وكان يحصر الحق في إقامة الدولة في عصر الغيبة
في الفقهاء فقط، ويرى أن "ولاية الفقيه"
مستمدة من الخالق، ثم عاد وطرح بعد عشر سنوات
من إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران نظرية
"ولاية الفقيه المطلقة" التي لا تحدها
حدود، وكانت تلك قفزة في توسيع الولاية
والصلاحيات للفقيه المرجع؛ لتشبه إلى حد كبير
ولاية الرسول الأعظم.
وقد
رفض بعض مراجع الشيعة الكبار ما ذهب إليه
الخميني في نظرية "ولاية الفقيه المطلقة"،
ورأى المعارضون أن إعطاء الفقيه العادل -وهو
بشر غير معصوم ومعرض للخطأ، صلاحيات الرسول
الأعظم المطلقة، وولايته العامة على الأنفس
والأموال- يلغي الفوارق بين النبي المعصوم
وبين الفقيه، وهو ما يتناقض مع الفكر الإمامي
القديم.
وكان
لتطوير نظرية "ولاية الفقيه" أثر كبير
على طبيعة النظرية ونموها من جانب واحد وهو
السلطة، دون جانب الأمة، وهو ما يعني إلغاء
الدور السياسي للأمة، وبالتالي يصبح الفقيه
في موضع مقدس لا يحق للأمة أن تعارضه أو تعصيه،
ويصبح دور الأمة معه وتجاهه هو الطاعة
والتسليم فقط، ومن ثم لم يعد للأمة حق في
الشورى، أو خلع الفقيه، أو تحديد صلاحياته أو
مدة رئاسته.
هل
المهدي موجود حقا؟
نكأ
أحمد الكاتب موضوع الإمام المهدي، وناقش
فرضية وجوده وعدمها، وطالب الفكر السياسي
الشيعي بإعادة النظر في فرضية وجود "محمد
بن الحسن العسكري"، وحتمية وجود الإمام
المعصوم، ورأى أنه في حال القبول بإمكانية
إقامة الدولة الإسلامية تحت قيادة الفقيه
العادل، فإن ذلك ينفي الحاجة إلى افتراض وجود
إمام معصوم وغائب لا يتفاعل مع الأمة.
أما
إذا لم نقل بفرضية وجود الإمام الغائب، فنحن
إذن لسنا بحاجة إلى افتراض النيابة العامة
والخاصة للفقيه، وبالتالي لا يحق أن نعطي
الفقيه من الصلاحيات أو السلطات أكثر من دوره
الطبيعي، ولا نجعل منه شخصية مقدسة في الفتوى
والحكم كشخصية الرسول الأعظم.
ورأى
أن التخلي عن فرضية وجود المهدي يساهم في
إقامة الدولة على أساس من الشورى، وولاية
الأمة على نفسها؛ بمعنى أن يكون الإمام
منتخبا من الأمة، ونابعا من إرادتها الحرة،
ومقيدا بالحدود التي ترسمها له، وملتزما
بالصلاحيات التي تمنحها له.
وأكد
الكاتب أن نظرية الإمامة لم تكن نظرية آل
البيت السياسية، وإنما هي نظرية صنعها
المتكلمون الذين اندسوا في صفوف الشيعة في
القرن الثاني الهجري، أما نظرية آل البيت
السياسية فكانت تقوم على الشورى وحق الأمة في
اختيار أئمتها، كما أن آل البيت لم يعرفوا
مطلقا شخصية اسمها الإمام "محمد بن الحسن
العسكري"؛ لأنها في الحقيقة شخصية مختلقة
وافتراضية وهمية لا حقيقة لها.
وأشار
الكاتب أن الشيعة الإمامية الإثنا عشرية
تخلصوا عمليا من نظرية الإمامة، ومن فرضية
وجود الإمام الثاني عشر بعد رحلة استمرت ألف
عام، وعادوا إلى فكر آل البيت أل وهو الشورى،
وهو ما يفرض عليهم أن يتخلصوا من الموقف
المشابه والوهمي المعادي للشيخين أبي بكر
الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ لأن
ذلك يقوم على افتراض خاطئ، وهو أنهما اغتصبا
حق علي بن أبي طالب في الإمامة، وهو كما يدعون
حق إلهي.
الإمامة
الإلهية لآل البيت
أكد
الكاتب أن حق الأمة في اختيار حكامها حق أصيل،
وكان آل البيت يدافعون عن هذا الحق، وكانوا
يرفضون تداول السلطة بالوراثة، وأن الرسول
الأعظم صلى الله عليه وسلم لم يوص بالإمامة
والخلافة لعلي بن أبي طالب، وترك الأمر شورى
للمسلمين، وهذا ما يفسر إحجام الإمام علي عن
المبادرة لأخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول
صلى الله عليه وسلم.
ويجمع
المؤرخون سنة وشيعة أن الإمام عليا امتعض من
انتخاب أبي بكر الصديق في البداية، وأمسك يده
عن البيعة وجلس في داره، لكنه بايع أبا بكر
بعد ذلك عندما وقعت حروب الردة، فقد كان نظام
الشورى دستورا يلتزم به الإمام علي، فلم يكن
يعرف نظام الوراثة العمودية، حسبما تقول
النظرية الإمامية في الحكم.
رفض
الكاتب بأدلة نقلية وعقلية مسألة النص
والتعيين الثابت للإمام علي في خلافة الرسول
الأعظم، وقال إنها لم تكن معروفة لدى
المسلمين، حتى إن الإمام عليا بعدما اغتاله
"ابن ملجم" وأثناء احتضاره رفض أن يستخلف
ابنه الحسن، وقال: "أخاف أن تفرقوا عنه كما
تفرقت بنو إسرائيل عن هارون"، ورفض أن يحدد
لهم شخصا يخلفه، وقال لهم: "لا آمركم ولا
أنهاكم.. أنتم أبصر"، ومن ثم كان آل البيت
يلتزمون بالشورى كنظام للحكم في الإسلام، ولو
كانت الخلافة بالنص من الخالق، أو التعيين من
الرسول الكريم ما تأخر الإمام علي عن تنفيذها،
وكان آل البيت ملتزمين ومتمسكين بحق الأمة في
اختيار الخليفة عبر نظام الشورى، فنظرية النص
وتوارث السلطة لم يكن لها رصيد لدى الجيل
الأول من الشيعة.
من
الشورى إلى الحكم الوراثي
يسجل
المؤرخون الشيعة الإمامية الأوائل أول تطور
فكري سياسي ظهر في صفوف الشيعة عندما بدأت
تظهر مقولة "الوصية" التي أسر بها النبي
محمد صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب،
وأشار الكاتب أن تلك النظرية قريبة من التراث
اليهودي؛ حيث تشابه "الوصية" من نبي الله
موسى إلى يوشع بن نون عليهما السلام؛ حيث
توارث أبناء يوشع الكهانة، وأشار الكاتب أن
الإمام عليا نفسه رفض هذه المقولات، غير أن
هذه الأراجيف وجدت أرضا خصبة للانتشار عندما
تولى يزيد بن معاوية الخلافة بالتوارث، كما
أن الحسن والحسين رضي الله عنهما رفضا مسألة
الوصية، ورفضا تبني مقولاتها.
ويلاحظ
أن هناك أفكارا تسربت إلى وجدان الشيعة غذتها
الظروف السياسية، والمقتلة التي تعرض لها آل
البيت، فظهرت حركات شيعية متطرفة مثل "الكيسانية"
التي ادعت أن الإمامة في "محمد ابن الحنفية"
ابن الإمام علي، وهنا بدأت الشيعة تنقسم،
وتختلف أقوالها، وتتعدد فرقها، ففي القرن
الثاني الهجري ادعى كل فريق الوصية إليه،
وحصر الشرعية السياسية فيه، خاصة أن الحركات
الشيعية كانت تتأهب للانقضاض على النظام
الأموي والثأر لمقتل الحسين.
وفي
ظل هذه الأجواء المحتقنة دخل معترك السياسة
والفكر الإمام "محمد بن علي الباقر"،
وخاض معركة مريرة لانتزاع قيادة الشيعة من
ابن عمه أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن
الحنفية، ومحاولة تثبيتها في الفرع الفاطمي،
والبيت الحسيني تحديدا؛ حيث اعتبر الباقر أن
ادعاء الإمامة دون حق افتراء على الله، حتى
وإن كان المدعي من ولد علي بن أبي طالب.
لكن
مقولة حصر الإمام في البيت الحسيني دون البيت
الحسني وجدت اعتراضات من آل البيت أنفسهم،
وظهرت استدلالات على انحصار الإمامة في البيت
الحسيني، ومن ذلك أنهم كانوا يعتبرون
امتلاكهم لسلاح النبي صلى الله عليه وسلم
دليلا على أحقيتهم بالإمامة.
كانت
النظرية السياسية للباقر تقوم على العلم،
وعلى امتلاك سلاح الرسول الكريم، وحق وراثة
دم المظلوم، أكثر مما تقوم على النص الصريح أو
الوصية الواضحة، ويلاحظ أن نظرية الإمامة لم
تكن تبلورت لدى الشيعة بعد، وذلك في بداية
القرن الثاني الهجري وصولا إلى مرحلة النص أو
الوصية.
وللتأكيد
على هذا فإن الحركة الشيعية الزيدية بقيادة
زيد بن علي -الذي فجر ثورة في الكوفة سنة 122هـ-
وتكرار الثورات الشيعية لم تكن تعرف في ذلك
الزمان ما يمكن أن نسميه بوجود نص إلهي في
الإمامة.
ويلاحظ
أيضا أن العباسيين بعد انتصارهم على الأمويين،
وقيام دولتهم سنة 132هـ بدءوا ينسحبون من الفكر
الشيعي القديم، ويعدلون نظريتهم السياسية
بإعادة صياغة مصدر الشرعية لنظامهم الوليد
استنادا إلى أولوية جدهم العباس بن عبد
المطلب بوراثة الرسول الكريم، وظهرت فرق
شيعية مثل "الراوندية" ونظريتها
السياسية تقوم على الوراثة والحق النسبي،
وألغوا نظام الشورى وقالوا:" إن الاختيار
من الأمة للإمام باطل وخطأ، وإنه لا يجوز إلا
بعقد وعهد من الماضي إلى من يرتضيه"، ورفض
بقية الشيعة هذا المذهب، وعلى رأسهم "محمد
النفس الزكية" ورفض البيعة للعباسيين،
وثار عليهم في سنة 145هـ.
وهنا
نلحظ أن الثورة ضد الأمويين كانت تجمع
الطوائف الشيعية في أوائل القرن الثاني
الهجري، ولم يكن عامة الشيعة يميزون بين أئمة
آل البيت؛ ولذا كانوا ينخرطون في أي حركة يقوم
بها أي منهم، حتى انقسم آل البيت إلى عباسية
وطالبية وعلوية وفاطمية وحسنية وحسينية
وزيدية وجعفرية، وتشرذم الشيعة، وتناثرت
أفكارهم.
الفكر
السياسي الإمامي
حدث
تطور مهم في بداية القرن الثاني الهجري، وهو
حصر الإمامة في البيت الحسيني، وتعيين واحد
منهم إماما، وإثبات صفة العصمة والتعيين له
من الخالق سبحانه وتعالى، وربما كان ادعاء
العصمة للإمام من آل البيت رد فعل من بعض
الشيعة على قيام الأمويين بتعيين أبنائهم من
بعدهم بدعوى الحرص على مصلحة الأمة، والقول
بصلاحيات مطلقة للإمام، ومطالبة المسلمين
بطاعته التامة، ومن ثم فتوريث الأمويين أحدث
رد فعل لدى الشيعة باعتبارهم المعارضة
الرئيسية، ولذا قالوا بأولوية آل البيت في
الحكم والخلافة، ثم قالوا بالتعيين والعصمة.
أضف
إلى ذلك أن حركة التشرذم الشيعي كانت ملائمة
لنمو ونشوء نظرية "الحق الإلهي" لآل
البيت القائمة على العصمة والتعيين؛ فالفكر
الإمامي اعتبر الإمام هو أفضل المسلمين؛ ولذا
قال الإمامية: إنه لا يجوز إمامة المفضول،
واشترطوا أن يكون أعلم الناس وأشجعهم وأسخاهم؛
ولذا قرروا عدم إمامة غير المعصوم أو الجاهل
أو المفضول.
ونجد
أن الفكر الإمامي أسقط الشورى كطريق لاختيار
الإمام، وأحل مكانها النص، أو الوصية، أو
المعاجز الغيبية، ونستطيع أن نقول: إن بوادر
الفكر الإمامي ظهرت في أجواء سياسية محتقنة
في الصراع مع السلطة القائمة، سواء أكانت
أموية أو عباسية، بل في الصراع بين آل البيت
أنفسهم للتصدي لإمامة الشيعة.
والغريب
أن الشيعة في القرن الثاني الهجري حاولوا سحب
نظريتهم إلى الوراء حتى يقرءوا بها التاريخ
وأحداثه قراءة جديدة في ضوء ما أنتجوه من
أفكار ورؤى، حتى إنهم ألغوا الفكر السياسي
الشيعي السابق القائم على الشورى، ونسبوا تلك
الادعاءات لآل البيت، فكانت النصوص التي
يستندون إليها في إمامة البعض من آل البيت
واهية؛ ولذا لجئوا إلى أدلة "المعاجز
الغيبية"، وما يسمونه بالأدلة العقلية.
ومن
ذلك الإمام "علي بن الحسن السجاد" الذي
يفتقر إلى النص والوصية، والذي كانت إمامته
ضرورة لكي تثبت الإمامة في ذرية الحسين، وإلا
انقطعت بعد المقتلة التي تعرض لها آل البيت في
كربلاء، ولذا ادعوا أن الحجر الأسود تكلم
بلسان عربي مبين وأثبت الإمامة للسجاد، ويؤكد
الكاتب أن "المعاجز الغيبية" تكاد تكون
الدليل الأقوى الذي يقدمه الإماميون في إثبات
إمامة عدد من أئمتهم.وردوه في نظريته، بل إنهم
ألغوا الفكر السياسي الشيعي
التقية
والإمامة الإلهية
والواقع
أن ظهور "التقية" كان في بعض تفسيراته
نوعا من حل ظاهرة التناقض بين أقوال الأئمة من
آل البيت، وسيرتهم العلنية القائمة على
الشورى والعلم الطبيعي، وبين دعوى الإمامة
الإلهية القائمة على النص والتعيين والعصمة
والعلم الغيبي، وعندما كان أئمة آل البيت
يتشددون في نفي الأقوال المنسوبة إليهم كان
الإماميون يئولون كلامهم تحت دعوى شدة التقية،
ويرى الكاتب أن الالتزام القوي بالتقية كان
ضروريا لتمرير نظرية الإمامة وإلصاقها بآل
البيت.
ولم
تكد نظرية الإمامة الإلهية تولد حتى واجهت
سلسلة من التحديات التي وضعتها محل الاختبار،
وأثبتت استحالتها، فمبدأ العصمة كان مرفوضا
من آل البيت؛ لأن فلسفة العصمة تقوم على
الإطلاق في الطاعة، وإذا انتفت إطلاقية
العصمة يمكن للمسلمين انتخاب قائد لهم على
أساس العدالة الظاهرة، وقد كان آل البيت
يؤكدون للناس دوما أنهم بشر عاديون وليسوا
معصومين.
وقد
أصيبت النظرية الإمامية الوليدة بنكسة أخرى
في منتصف القرن الثاني الهجري، عندما توفي
"إسماعيل بن جعفر الصادق" وكان
الإماميون في الكوفة التفوا حوله، وأشاعوا أن
أباه اعتبره الخليفة من بعده، فلما توفي في
حياة أبيه تبين أن تعيينه ليس من الله تعالى،
ولذا تراجع البعض عن القول بنظرية الإمامة
نافين العصمة أو الاختيار عن الأئمة، وهنا
تشكلت فرقة الإسماعيلية، أما الإماميون
فزعموا تغيير إرادة الله سبحان وتعالى.
ونتيجة
لهذا الغموض تفرق أصحاب جعفر الصادق إلى عدة
فرق، ولذا أخذ الفكر الإمامي يبحث عن مخرج يحل
به مسألة استمرار الإمامة، وكان ذلك المخرج
في ابتكار شخصية "الإمام المهدي".
ميلاد
الإثنا عشرية
النظرية
الإمامية لم تكن في بدايتها محددة في عدد من
الأئمة خلال القرنين الثاني والثالث الهجري،
لكن شهد القرن الرابع الهجري تطورا جديدا في
الإمامية ونظريتهم السياسية؛ حيث ظهرت
الإثنا عشرية، التي قالت بإمامة الإمام
الغائب "محمد بن الحسن العسكري"، وكان
الهدف من إثبات قائمة بالأئمة هو في حقيقته
محاولة لإثبات وجود الإمام الثاني عشر، الذي
كان وجوده نفسه محل شك في صفوف الشيعة
الإمامية أنفسهم.
وقد
اضطرت الإثنا عشرية إلى إلغاء التاريخ الشيعي
والإمامي، وإهمال قضية غموض النص والوصية؛
للادعاء بأن قائمة الأئمة الاثني عشر كانت
موجودة منذ عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه
وسلم، وأن الإمامة عمودية حتى ولو كان الإمام
طفلا؛ لكن هؤلاء وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام
القرآن الكريم الذي يوصي بالحجر على الأطفال
حتى يبلغوا سن الرشد، لكنهم احتالوا على النص
القرآني فاستثنوا الأئمة الاثني عشر.
وقد
اختلفت النظرية الإمامية عن الإثنا عشرية في
أن الإمامية كانت تدور حول أئمة آل البيت،
وهؤلاء كان لهم وجود في الحياة بشكل ظاهر،
وكانت الإمامية تعتقد أنهم أولى الناس بالحكم
والخلافة، وكانوا يقولون إنهم معينون من الله
تعالى.
بينما
الإثنا عشرية دارت في فلك الإمام الغائب الذي
لا أثر له في الحياة، وادعت أنه سيظهر في
المستقبل، وقد أدى القول بوجود الإمام الثاني
عشر وغيبته إلى فقدان النظرية الإثنا عشرية
للمعنى السياسي، وانسحاب هؤلاء من المسرح
السياسي مفسحين المجال لفرق شيعية أخرى؛
لتساهم في الأحداث بشكل فعال ومؤثر مثل
الإسماعيلية والزيدية.
وتتكون
النظرية الإثنا عشرية من قضيتين منفصلتين،
أولاهما: الإيمان بوجود الإمام الثاني عشر
"محمد بن الحسن العسكري"، وثانيهما:
الاعتقاد بأن هذا الإمام هو المهدي.والدراسة
التاريخية تثبت وجود فاصل زمني طويل بين جزئي
النظرية.
وأكد
الكاتب أنه مما يؤكد غموض شخصية المهدي
وهويته عند آل البيت ولدى جماهير الشيعة في
القرون الثلاث الأولى للهجرة هو تكرار دعوات
المهدوية، والتي جاوزت العشرات، حتى أصبح لكل
فرقة أكثر من مهدي، وتدل الوقائع على تماهي
مصطلح "الإمام المهدي" مع معنى الثورة
والحرية والعدالة المنبثقة كرد فعل طبيعي على
الواقع السياسي الفاسد، وبالتالي فقصص
المهدوية في القرون الأولى كانت منبثقة من
حركات سياسية ثورية تنشد رفع الظلم والاضطهاد،
أما نظرية الغيبة فكانت تبرز عندما يفشل
الإمام أو يموت دون تحقيق هدفه.
كل
هذا التعدد كان يعبر عن غموض مفهوم المهدي،
ولو كانت هوية المهدي محددة من قبل لما اختلف
الشيعة في تحديده، وكان المخرج من هذا
الارتباك الواضح هو إلصاق الغيبة لتصبح من
صفات المهدي.
وأكد
الكاتب أن فكرة وفرضية وجود المهدي، وفرض
غيبته تتناقض بشكل صارخ مع ما يؤمن به الشيعة
الإمامية، واعتقادهم أن الأرض لا تخلو من
إمام، والغيبة دليل صارخ على عدم وجوده، كما
أن الادعاء بأن الغيبة مبعثها الخوف من بطش
السلطة المستبدة يتناقض أيضا بشكل صارخ مع
أخلاق آل البيت المحبين للشهادة، وهنا تثار
تساؤلات حول عدم حفظ الله سبحانه وتعالى
للمهدي، كما أن القول بأن المهدي مستور عن
أعدائه فلماذا هو مستور عن أوليائه المستعدين
لنصرته ونجدته؟ ولماذا لم يظهر مع ارتفاع
الخوف بعدما نشأ للشيعة أكثر من دولة؟!
ومن
ثم فنظرية الخوف كتفسير لغيبة المهدي بعيدة
عن الواقع؛ لأن الحقيقة أن شخصية المهدي
شخصية مخترعة غير حقيقية، وهو ما فتح الباب
لبعض التبريرات الخرافية المنافية لروح
القرآن، والمضادة للعقل، مثل تبرير غيبة
المهدي بأن عمره قد يطول ليتفوق على نوح عليه
السلام، وقالوا في ذلك: "إن الله تعالى قد
يضرب العادة من أجل المصلحة" لكن لا توجد
مصلحة أكبر للأمة من حفظ دينها خالصا من كدر
الخرافة، وحفظ عقلها بعيدا عن أوهام الأساطير،
وحفظ حقيقتها حية بدلا من انتظار من لن يأتي.
-ينشر
بالتزامن مع مجلة رواق عربي
مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.
|