|
| عمر سليمان.. مهندس اتفاق التهدئة بغزة |
بموافقة الطرفين الفلسطيني (حماس) والإسرائيلي على تهدئة جديدة لمدة ستة أشهر - هي الثانية بين الطرفين منذ تهدئة عام 2002 - يمكن القول إن الأطراف الأربعة (حماس وفتح ومصر وإسرائيل) قد حققوا مكاسب من وراء هذه التهدئة التي ما كان ممكنا التوصل لها في وقت سابق لتعارض مصالح بعض الأطراف معها.
فالطرف الأول، (الوسيط) المصري، يعتبر هو الفائز الإقليمي الأهم ، ليس فقط لأن القاهرة نجحت في إعادة الأضواء لدورها العربي المفقود بعدما سحبت دول عربية أخرى خليجية (قطر والسعودية) البساط من تحت أقدامها، ولعبت أدوارا هامة في تحقيق مصالحة فلسطينية - فلسطينية وأخرى لبنانية - لبنانية، وإنما لأن التهدئة تغني مصر عن مجابهة مشكلات عديدة فيما يخص قضية معبر رفح ومسئوليتها الأدبية عن حصار غزة، سواء مع حماس إذا أبقت غلق المعبر، أو مع إسرائيل وأمريكا إذا فتحته.
والملاحظة الجديرة بالذكر هنا أن نقاط الاتفاق التي جرى التوصل إليها عبر الوسيط المصري جرى ذكر كلمة "مصر" أو "المصرية" بها قرابة خمس مرات، ما قد يبدو حرصًا مصريًّا على تثبيت أو تأكيد النجاح المصري في إبرام الاتفاق والرد على ما يتردد بقوة مؤخرا عن أفول نجم الدور الإقليمي المصري، وانتقال مركز ثقل "الشقيق الأكبر" لأشقاء آخرين أصغر.
وحماس هي الفائز الأكبر في هذه التهدئة لأنها قننت صمودها بهذه التهدئة وأثبتت أنها عصية وأن صمودها عامًا كاملا في ظل حصار خانق لم يؤثر عليها.
والأهم بالنسبة لحماس هو أنها حققت هدفها - ولو على مراحل - من التهدئة الخاص بفتح المعابر ورفع الحصار دون أن تستجيب للمطلب الإسرائيلي، وهو الإطلاق الفوري للجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت.
أما إسرائيل فحصلت بدورها على التهدئة التي تحتاجها بشدة لمعالجة مشكلاتها الداخلية والصراع داخل حزب كاديما الحاكم على إرث رئيس الوزراء إيهود أولمرت الذي باتت أيامه معدودة في السلطة بسبب قضية الفساد، أو الصراع بين الأحزاب الكبرى (ليكود – العمل – كاديما) على قيادة الحكومة مستقبلا.
وربما يكون المكسب السياسي الوحيد لإسرائيل هو إجهاضها مخطط حماس المتعلق باشتراط إعطائها دورا في الإشراف على معبر رفح ورفض سيطرة حماس عليه، وإعادة السيطرة للسلطة الفلسطينية والمراقبين الأوروبيين وفق اتفاق المعابر السابق المعروف باسم تفاهمات 2005.
وأخيرا يمكن اعتبار الاتفاق مكسبًا أيضا لسلطة رام الله والرئيس محمود عباس لأنه يدفع في اتجاه الدخول في المرحلة الثانية – التي تصر عليها مصر – والمتعلقة بالحوار الوطني الفلسطيني وإعادة توحيد الفصائل، وإنهاء "انقلاب" حماس في غزة على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، بعدما ثبت للسلطة الفلسطينية أنه لا أمل في إثناء حماس عن سيطرتها على غزة بالقوة أو بأساليب الانقلاب المضاد أو الحصار، وكذا انعدام أمل تحقيق اتفاق سلام نهائي مع إسرائيل في الفترة المقبلة التي قد تصل إلى عام كامل في ظل الاضطراب السياسي الإسرائيلي، وكذا فترة انتخابات الرئاسة الأمريكية التي تشهد انحيازا سافرا لتل أبيب بحثا عن الصوت اليهودي لصالح المرشح الجمهوري أو الديمقراطي.
إذن الجميع خرج من الاتفاق محققا بعض المكاسب الهامة التي جعلته يوافق عليه ويتنازل عن شروطه، والجميع اختار فترة "ستة أشهر" لأنها هي الفترة اللازمة لتغير الظروف الحالية الاستثنائية وانتهائها بحيث يمكن خرق الاتفاق والعودة للعبة القط والفأر أو المقاومة والاحتلال، أو معاودة لعبة التفاوض والتسوية السلمية الوهمية.
دلالات الاتفاق ومشاكله
رغم أن الاتفاق حقق مكاسب لكل طرف، فهو في المقابل لم يضمن عدم وقف نزيف الخسائر التي سبقته بالنسبة لبعض الأطراف.
فكون مصر نجحت بهذا الاتفاق في تحقيق إنجاز دبلوماسي وأعادت دورها الإقليمي العربي إلى الواجهة مرة أخرى، ربما لا يعني أنها استعادت دورها العربي الدبلوماسي المفقود، ولنلاحظ هنا أن مسألة رعاية مصر للجزء الثاني المرتقب من الاتفاق وهو الحوار الفلسطيني الفلسطيني لم تحسم بعد – وإن بدا مؤخرا قبول عربي لها – على الرغم من أن هذه المهمة ظلت مصرية دوما.
لن نتحدث هنا عن أدوار سعودية وقطرية وحتى إماراتية (خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس زار الإمارات في ظل حديث عن وساطة إماراتية)، بل وساطة سنغالية، ولكن سنتحدث عن تصريحات قادة حماس أنفسهم.. فالدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس قال بوضوح إن رعاية مصر للحوار "لم تحسم بعد"، وكشف عن أن أطرافًا عربية عديدة أبدت استعدادها لرعاية الحوار، وإن قال – لأسباب لوجستية وعملية – إنه "لا يمكن رعاية أي طرف عربي للحوار بين فتح وحماس دون مشاركة مصرية، خاصة أن مصر مازالت هي الحاضنة الرئيسية للقضية الفلسطينية".
ونتذكر هنا أن ترحيب حماس من البداية بدخول أطراف عربية أخرى على خط المصالحة ربما جاء كنوع من الضغط أو تحقيق التوازن مع الدور المصري الذي بدا مواليا لحركة فتح أكثر، خصوصا عقب المواجهة التي أعقبت اقتحام معبر رفح والحدود المصرية في كنف حماس ورعايتها، على الرغم من قناعة حماس بأن الدور المصري فيما يخص التهدئة مع إسرائيل أو الحوار مع فتح يعتبر حتميا.
أيضا ليس معنى أن الاتفاق يحقق مصلحة لحماس ومكسبا أن الحركة فازت على طول الخط، أو أن الاتفاق لبي لها مطالبها كلها، فسريان الاتفاق سيكون مرهونا أكثر بحسم الوضع الداخلي الإسرائيلي، كما أن الحصار لن يرفع بالكامل، لأن الاتفاق أشار لفتح المعابر التجارية فقط بشكل جزئي (وهو أمر تتحكم فيه إسرائيل)، وأجل فتح معبر رفح لمرحلة تالية بعد مرور أسابيع على سريان التهدئة، كما أن عودة سيطرة سلطة فتح على المعبر يقيد سلطة حماس في غزة نسبيا.
والشيء نفسه يذكر فيما يخص الطرف الإسرائيلي، فالتهدئة - باعتراف إسرائيلي - معناها إعطاء حماس وباقي فصائل المقاومة فرصة لزيادة رصيدها الحربي وتخزين وتصنيع صواريخ محلية، وتقوية بنيتها التحتية، كما أن التهدئة تفضح عمليا فشل ما تسميه وكالة رويتر "أفضل الجيوش تسلحا في الشرق الأوسط" – تقصد الجيش الإسرائيلي – في سحق المقاومة على الرغم من أن هذا الجيش يملك السيطرة الكاملة على الجو والبر، ولديه أفضل الأسلحة والعتاد مقابل قرابة 35 ألف مقاوم يتسلحون بسلاح خفيف أو شبه ثقيل.
لا خيارات بديلة
والحقيقة أن اتفاق التهدئة الجديد بين حماس وإسرائيل كشف عن أن كل الخيارات الأخرى البديلة لدى كل طرف، خصوصا الطرف الإسرائيلي، لا جدوى من ورائها ولا تصلح، وإلا لعرقل أي من الطرفين الاتفاق.
فالخيارات التي كانت متاحة لإسرائيل بشأن قطاع غزة كانت محدودة، ولكن الحفاظ على ماء الوجه جعل الإسرائيليين يضعون العديد من الشروط ويرفضون إعلان موافقتهم على التهدئة بدون ربطها بشروط، بل تزامن قبولها التهدئة بحركة استعراضية بإصدار أوامرها للجيش بالاستعداد لعمل عسكري محتمل إذا فشلت الوساطة المصرية.
ومع مرور عام من بسط حماس السيطرة على غزة، أصبح قادة إسرائيل يواجهون ضغوطا أكبر لاتخاذ إجراءات صارمة ضد المقاومين الذين يطلقون الصواريخ على المدن الإسرائيلية وقتلوا ثلاثة إسرائيليين قرب الحدود حتى الآن (في العام الحالي) وباتت صواريخهم أكثر قربا من المدن الأبعد مثل مدينة عسقلان.
ولو حاول الصهاينة التوغل في غزة، سواء للسيطرة عليها أو البقاء فيها لفترة أو حتى احتلال أجزاء منها فقط، فسوف يكلفهم هذا أرواح عدد كبير من جنودهم، خصوصا أنهم فقدوا 114 جنديا في لبنان عام 2006 بسبب مغامرة مماثلة، ولن يمنع هذا الصواريخ أيضا، كما أن البقاء في غزة معناه عودة المسئولية الإسرائيلية عن مليون ونصف المليون فلسطيني، والقتال العنيف يمكن أن يسبب خسائر بشرية بين المدنيين في غزة كما حدث في لبنان (قتل 900 مدني مقابل 300 من مقاتلي حزب الله) مما سيعيد إثارة اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب.
أيضا ليس أمام الرئيس الفلسطيني محمود عباس خيار آخر سوى تأييد التهدئة والعودة للحوار مع حماس؛ لأن تأييده عملية عسكرية إسرائيلية أو حتى صمته عنها معناه انهيار صورته بالداخل، كما أنه يرغب في استمرار مفاوضات السلام التي تدعمها الولايات المتحدة، وهو ما تعرقله المواجهة بين حماس وتل أبيب.
وأخيرا لم يكن هناك خيار أمام مصر سوى تكثيف ضغوطها على تل أبيب وحماس لتحقيق مكسب سياسي وأمني في وقت واحد؛ لأن التوتر ينعكس على الأمن القومي المصري وأمن سيناء، ولهذا هددت القاهرة علنا في جلسات التفاوض بفتح معبر رفح وأعطت وعدا لحماس بفتحه، سواء أنجح الاتفاق أم فشل، ما أقلق الإسرائيليين، كما ضغطت على حماس كي تقبل بهدنة في غزة فقط دون ربطها بالضفة مع وعد بالعمل على نقلها للضفة (كما جاء نصه في اتفاق التهدئة)، وضغطت عليها كي تتنازل عن شرط لعب دور في السيطرة على معبر رفح.
اتفاق التهدئة إذن لبى رغبات حقيقية بالتالي لدى كل الأطراف لترحيل الأزمة لعدة أشهر لحين ترتيب بيوتهم الداخلية، سواء باتجاه التسوية أو خوض جولة ثانية من المواجهة، ولكن الأمر المؤكد أن كل طرف سيدخل في مارثون سريع لتعظيم استفادته من هذه التهدئة قبل الآخرين. والطرف الفلسطيني (حماس وفتح) سيكون هو المطالب بشكل عاجل بتسريع المصالحة والتئام البيت الداخلي قبل أن يفيق قادة تل أبيب من أزمتهم الداخلية، وإلا فإن القيادة الإسرائيلية الجديدة ستواصل اللعب على تناقضات فتح وحماس والزعم بعدم وجود شريك واحد للسلام، وتسعى نحو مزيد من التوسع الاستيطاني وفرض الأمر الواقع.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|