English

 

الأربعاء. يونيو. 18, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

حتى الفوز بالبطولة الكروية.. لا يعني العضوية أيضا

تركيا تضع الكرة في المرمى الأوروبي

نبيل شبيب

Image
لم تكن مباراة رياضية فقط، بل مباراة سياسية المغزى أيضا، تلك التي شهدتها البطولة الأوروبية عام 2008م بين تركيا وتشيكيا، وانتهت بفوز تركيا بثلاثة أهداف لهدفين. وقد كانت التعليقات الإعلامية عليها رياضية مغلّفة بأبعاد سياسية على استحياء، أمّا الابتهاج بالفوز فاتخذ علنا بعده السياسي أكثر من الرياضي، وفق ما رصدت وسائل الإعلام عيّنات منه، عندما انتشرت جماهير الشبيبة في شوارع تركيا، فأغلقتها بعد ثوان معدودات من نهاية المباراة، مثلما انطلقت وانتشرت حيثما يوجد أتراك -ويوجد كثيرون- في المدن الأوروبية، وكان أحدهم يصيح في لاقطة الصوت وعدسة التصوير وهو يقود سيارته: "أنا أحب تركيا.. أنا أحب أوروبا.. لقد انتصرنا".

نكهة سياسية لفوز رياضي

كلمة النصر هنا تعني الفوز الرياضي في مباراة من الدوري الأول أهّلت تركيا لتصبح من "الثمانية" المتنافسين على البطولة الأوروبية، وتعني أيضا: نحن أوروبيون، قادرون على إثبات وجودنا في الساحة الأوروبية، التي ما تزال تغلق بابا وتفتح آخر، على طريق مفاوضات ومساومات طويلة مضنية بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وكان للفوز مغزاه المزدوج -الرياضي والسياسي- على أكثر من وجه، فقد بقي الفريق التركي متخلفا إلى ما قبل ربع ساعة فقط من نهاية المباراة، والنتيجة اثنان/صفر لصالح الفريق التشيكي، وبدا أنّ الأمر انتهى، ولكن الغريب أنّ المعلّقين الألمان -الذين تابعهم كاتب هذه السطور- لم يستبعدوا فوز الفريق التركي، ليس تضامنا معه بالضرورة، لكن تقديرا لمستوى كفاءته في المباراة، رغم عدم تسديده أي هدف طوال 75 دقيقة، وتقديرا لفوزه على الفريق السويسري، عندما أنهى المباراة بهدفين لهدف واحد، وكانت النتيجة في الشوط الأول هدفا واحدا لصالح الفريق السويسري.

وعندما اقتحمت الكرة التركية الأولى هدف تشيكيا، بات شبه مؤكّد عند المعلقين أنّ الفريق سيسجّل الهدف الثاني ويحقق التعادل، فقد بدا وكأنه في "ساحة قتال" خضراء، ليس بسبب استخدام العنف أثناء اللعب، بل بروح الإصرار لديه على بذل كل ما يستطيع من أجل الفوز.

ووفق آخر أنظمة البطولة كان التعادل -لو حصل- يوجب تثبيت الفائز في المباراة عن طريق ركلات الجزاء، إذ لابد من تحديد من يشارك في الدوري التالي، ربع النهائي للبطولة، ما بين الفرق الثمانية الأفضل، لكنّ أحدا لم يتوقع أن يسدّد الفريق التركي الهدف الثاني، ثم الهدف الثالث في الدقائق الثلاث الأخيرة من المباراة، ويخرج فائزا منها.. "منتصرا في بطولة أوروبية"، كأنّما كان الأتراك مصرّين على القول: "قد نتأخر.. ولكن سنصل"، وتشيكيا بالذات لا تتمتع بوضع اقتصادي أو مالي، أو حتى على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما يسوّغ قبولها عضوا في الآونة الأخيرة، وعدم قبول عضوية تركيا بعد في الاتحاد الأوروبي، فإن وصلت تشيكيا إلى تلك العضوية، فستصل تركيا في نهاية المطاف، مثلما وصلت إلى الفوز في هذه المباراة!

كذلك كان للفوز مغزاه أنّ الأمطار "الأوروبية" لم تنقطع عن الهطول طوال المباراة، كما حدث من قبل في المباراة التركية-السويسرية، فلم تكن ظروفها سهلة على الفريق التركي الأقل اعتيادا على هذه الأجواء من غريمه التشيكي، لكنّ لاعبي الفريق كانوا يتحركون -وقليلا ما يتزلّجون- دون أن يبالوا بمطر ولا ما سواه.. المهم هو الفوز.. وتحقق الفوز.

وكأن لسان حالهم يقول: نحن قادرون على التلاؤم مع الأجواء الأوروبية، بل التفوق على سوانا في ذلك.. فمتى تفتح أبواب الاتحاد الأوروبي دون عراقيل، مثلما فتحت أبواب البطولة الأوروبية أمام تركيا؟

بطولة محتملة.. ولكن

لا يزال الخبراء الرياضيون يقدّرون أنّ وصول تركيا إلى دوري الثمانية لا يعني الفوز بالبطولة، وأن المباراة النهائية ستكون مع هولندا التي أثبتت طاقة غير عادية فيما حققته من فوز مرة بعد أخرى في المباريات الأولى، على عدد من الفرق العتيدة، أما الفريق الثاني فقد يكون فريق ألمانيا رغم سوء أدائه، ولكن كثيرا ما حالفه الحظّ في مرات سابقة وحقق ما لم يكن متوقعا منه في البداية، حتى إن خسر البطولة في نهاية المطاف، ولا تزال ألمانيا على أي حال صاحبة الرقم القياسي بفوزها ثلاث مرات بالبطولة الأوروبية منذ عام 1960م.

أما إن استطاعت تركيا إلحاق الهزيمة بكرواتيا أيضا (20/6/2008م)، والتي سبق أن خسر الفريق الألماني مباراته معها، فقد تضمّ المباراة النهائية تركيا وألمانيا، ولكن تبقى الفرصة الأكبر لصالح إسبانيا وهولندا، أكثر من ألمانيا وتركيا.. حسب تقدير الخبراء الرياضيين، وهؤلاء يخطئون ويصيبون، فلم يتوقع أحد منهم مثلا أن يخرج الفريقان الإيطالي والفرنسي بتلك "السهولة" كما حدث في الدوري الأول. وقد تصل هذه الكلمات إلى قارئها بعد أن يظهر خلال الأيام التالية ما يزال في حكم الغيب أثناء كتابة هذه السطور.

مدرب الفريق التركي فاتح تريم ساهم بنفسه في الفوز، فقد كان للتعديلات التي أجراها على تشكيلة الفريق دورها في تحسين أدائه، وإرباك الفريق التشيكي الذي اعترف مدرّبه بروكنر بأنه فوجئ باستمرارية اللاعبين الأتراك في أدائهم حتى اللحظة الأخيرة، وقال: "كان لابد أن نستسلم أمام الضغوط".

.. ويبقى النادي الأوروبي مغلقا!

السياسة.. مباراة أيضا.. إنّما ليس في الأخذ والرد بين تركيا والاتحاد "حَكَم" يقرّر وتلزمه قواعد اللعبة أن يقول كلمة حاسمة حسب الأداء والأخطاء فقط، فمهما قدّمت تركيا استجابات لمطالب الاتحاد الأوروبي، سيبقى الحَكَم -وهو الاتحاد الأوروبي نفسه- منحازا لهويته التاريخية الثقافية، وتلك -وفق ما يقول ساسته، وقالت صياغة مشروع دستوره، وإن سقط شعبيا لأسباب أخرى- روحٌ ثقافية بقيم مسيحية ويهودية، ويريد بعض زعمائه مثل المستشارة الألمانية أن يزيد تأكيد ذلك في المستقبل المنظور، كما وعدت البابا الكاثوليكي بنديكت السادس عشر أثناء زيارته الشهيرة لألمانيا والتي تضمّنت "إساءته البابوية".

صحيح أن لغة المصالح تحتل المقدمة في العلاقات أو المباريات السياسية، وإنما تظهر العوامل الأخرى بوضوح، لاسيما هذا العامل "الثقافي" في التعامل الأوروبي مع تركيا، ولم يكن الحديث عنه مباشرا بل بقي خافتا، يجري بين الحين والحين، وعلى استحياء، أما في الوقت الحاضر فبات متكررا، وصريحا، في فرنسا وألمانيا خصيصا، وفي سواهما عموما.

وإذا انتهت المعركة الدائرة داخل تركيا ما بين حزب العدالة والتنمية، وبين خصومه من الأصوليين العلمانيين في صالحه، فلن يكون ذلك مصدر "طمأنينة" للأوروبيين، وإن التزموا حاليا بموقف الرفض إزاء الأساليب "غير الديمقراطية" المتبعة في الحرب على الحزب وسياساته الملتزمة بالدستور "العلماني"، والصادرة عن ثقة الناخبين به أكثر من أي حزب آخر في تاريخ تركيا الحديثة.

العنوان أوروبيًّا هو العامل الثقافي، والمقصود أنّ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لن يجعلها فقط دولة من بين زهاء 30 أو أكثر (حسب مخططات توسعة الاتحاد الذي يضم حاليا 27 دولة) بل سيرفع نسبة المسلمين في الاتحاد إلى عشرين في المائة من أصل زهاء 600 مليون، مع قابلية ارتفاع مستقبلي مطّرد؛ لتفاوت نسب التكاثر، وارتفاع نسب اعتناق الإسلام، ومن يدري.. ربما بانضمام دول بلقانية بأغلبية مسلمة، بقيت أيضا مستثناة في قائمة توسعة الاتحاد، رغم انضمام سواها ممّا خلّفه تفكك الاتحاد اليوغوسلافي.

قد تصل تركيا إلى البطولة الكروية، ولكن لن يكون ذلك ضمانا.. ولا عنصرا حاسما في ترجيح احتمال الوصول إلى العضوية في الاتحاد الأوروبي.

ويبقى السؤال: وعلام يبقى هذا هدفا؟ وقد أثبتت تركيا في هذه الأثناء وجودها سياسيا واقتصاديا وماليا، اعتمادا على قدراتها الذاتية، وبات تحركها الإقليمي فاعلا ومطلوبا، ويبدو أنها ماضية على هذا الطريق، رغم العراقيل الداخلية، سواء أصبحت عضوا، أو لم تصبح في اتحاد الأوروبيين.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات