|
| الإيرلنديون وضعوا خطا أحمر على الوحدة الأوروبية |
كما كان مع إسقاط مشروع الدستور الأوروبي عبر استفتاءين شعبيين في فرنسا وهولندا، يحرص أنصار المسيرة الأوروبية بعد الاستفتاء الإيرلندي أيضا، لطرح كل ما يمكن طرحه من أسباب وتكهنات لتعليل رفض المعاهدة الجديدة، ولكن يتجنبون القول ولو على وجه الاحتمال إن السبب هو مضمونها نفسه.
أهمّ ما يتردّد ذكره أكثر من سواه من تعليلات هو التقصير في شرح ميزات المعاهدة للناخبين، بمعنى أنّ الرفض لم يكن قرارا ناجما عن العلم بوجود سلبيات بل نتيجة الجهل بوجود الميزات الأكيدة. وقد يوجد ما يعزز هذا التعليل فعلا، فخصوم المسيرة الأوروبية كانوا أنشط من أنصارها في إيرلندا خلال الشهور السابقة للاستفتاء، بل شاركهم نائب أمريكي أتى خصيصا للمشاركة في الحملة المضادة، ويبدو ذلك انطلاقا من أن قيام أوروبا موحدة وقوية ليس في مصلحة الولايات المتحدة.
ولكن هل يمكن اختزال المشكلة في كلمة "الجهل" تعليلا للرفض الشعبي؟
الشعوب عقبة في وجه أوروبا؟
يؤكد كثير من استطلاعات الرأي أنّ الرفض الشعبي يشمل جوانب عديدة في مسيرة توحيد أوروبا، ويمثل الغالبية في بلدان عديدة، وليس في إيرلندا فقط، وسبق أن ظهر للعيان في الاستفتاءين الفرنسي والهولندي على دستور الاتحاد، عندما أسقط التصويت المشروع الطموح ودفع إلى تقليصه في صيغة "معاهدة جديدة". وكأنما دفع إلى هذه الخطوة حرص المسئولين على تجنب أن تقول الشعوب كلمتها.. فالمعاهدة لا تتطلب وفق الدساتير الوطنية استفتاء شعبيا، إلا في إيرلندا، ولكن جاءت النتيجة بالرفض، وكانت كافية لنشوب الأزمة فالإجماع شرط لسريان مفعولها.
هل يمكن الاكتفاء بما تقرر الحكومات، وأحيانا المجالس النيابية، مع الخشية من استفتاء شعبي على ما تقرره؟ ثم ما هي قيمة الديمقراطية في هذه المسيرة آنذاك؟ أم أصبحت الشعوب هي العقبة في وجه توحيد أوروبا؟
لقد مضى أكثر من أربعة عقود على انطلاقة المسيرة الأوروبية، ولم يكن الموقف الشعبي خلالها سلبيا دوما، بل كان كثير من السياسيين يتبنى النهج "الأوروبي" ويعتبره من وسائل كسب تأييد شعبي على المستوى الوطني.
ومن العسير في مثل هذه القضايا تحديد منعطف تاريخي واضح لتثبيت لحظة التحول في المواقف الشعبية، وعلى جميع الأحوال كان التأييد واضحا في حقبة الحرب الباردة، فقد بدت الدول الأوروبية المتفرقة "ضائعة" بين الاستقطاب الثنائي، الأمريكي - السوفييتي، ومع سقوط المعسكر الشرقي تضاعف تأييد المسيرة الأوروبية في البداية، مع انتشار الاقتناع بضرورة تثبيت مكانة دولية لأوروبا، وليس مجهولا مثلا أنّ أحد السبل التي سعى الساسة الألمان لطمأنة جيرانهم الأوروبيين بصدد توحيد شطري ألمانيا مجددا، قد اعتمد على تبني المسيرة الأوروبية بقوة، وهو مما أدى إلى معاهدة ماستريخت، التي حددت المعالم الكبرى لهذه المسيرة إلى ما بعد إقرار دستور أوروبي موحد.
تنامي تيار الرفض الشعبي إذن لا يرجع، كما يقال أحيانا، إلى زوال الخطر عن أوروبا كما كان ماثلا في حقبة الحرب الباردة. ولا سيما أنّ الناخب الأوروبي أو الغربي عموما يعطي صوته عادة بموازين ما يمسّ معيشته اليومية، وهنا ينبغي البحث عمّا تبدّل لتعليل تبدل الموقف الشعبي من المسيرة الأوروبية.
تغوّل رأسمالي
معظم ما تأثّرت به المعيشة الفردية سلبيا يجمعه عنوان "نتائج العولمة اقتصاديا وماليا"، وأبرز مظاهرها تضخم حجم الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات، وازدياد انتشارها مع إلغاء مفعول الحواجز الوطنية في وجهها.
الآثار على المجتمعات الغربية ظاهرة للعيان وتتنامى.. في ألمانيا مثلا ارتفع معدل انتشار الفقر إلى ربع السكان حسب آخر تقارير عام 2008، وكانت الإجراءات الحكومية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي المعيشي فيها، تجد دوما التعليل بضرورات التعامل مع ظاهرة العولمة، كيلا تفقد ألمانيا موقعها الريادي اقتصاديا في العالم.
هذا التعليل أصبح مشتركًا عند غالب الأحزاب من يمين ويسار، وهو تعليل يتوافق مع رؤى فئة أصحاب المال والأعمال، إذ يسوّغ تخفيض الضرائب عليهم، وتسهيل استثماراتهم خارج الحدود، والتراجع عن تحميلهم عبء القسط الذي كانت الشركات تسدده من الضمانات الاجتماعية مقابل رفعه على عامة المواطنين، جنبا إلى جنب مع تقليص الخدمات التي تموّلها تلك الضمانات.
انتشار عواقب العولمة على حساب قطاعات عريضة من الشعوب، لم تقف عند حدود جوانب جديدة في توحيد أوروبا، وهو ما شمل صياغة الدستور ثم المعاهدة الأخيرة.. فبعد معاهدة ماستريخت تحددت صيغ عديدة تتناول المعيشة السكانية، مثل قضايا البطالة والإعداد المهني، ولم يجد ذلك طريقه إلى النصوص الأخيرة، على النقيض من تأمين مصالح الشركات والاستثمارات المالية وغيرها في المقدمة، وهذه لعبة تتكرّر في مختلف الميادين، وظهرت في آخر قمة فرنسية - ألمانية مثلا عبر حرص الطرفين على مصالح شركات صناعة السياسات لديهما، وإن أدى ذلك إلى تأخير الالتزامات المتعلّقة بمواجهة التبدّل المناخي.
قد لا يستوعب الناخب الإيرلندي أو سواه في أوروبا، أن هذا البند أو ذاك من الاتفاقية يستهدف تسهيل اتخاذ القرار الأوروبي بالتصويت، أو دعم توحيد السياسات الخارجية والأمنية، أو رفع مستوى البحوث العلمية في المنافسة الدولية، وما شابه ذلك، وإن استوعب أهمية ذلك فلا يعطيه الأولوية، بل يعطيها لما يستوعبه سريعا من واقع يومي يعيشه، ومحوره أن دخله يتناقص ونفقاته ترتفع، وهذا ما يحمل المسئولية عنه السياسيون على المستوى الوطني أو المستوى الأوروبي، فهم لديه الذين لا يتخذون القرارات الصائبة لمواجهة المعضلة.
ويظهر التعبير عن رفض السياسات الرسمية في العزوف عن التصويت أحيانا، أو ما يوصف بالتصويت الاحتجاجي أحيانا أخرى، كما يظهر أيضا في ازدياد "المطالب الإقليمية"، أي التي تنطلق على مستوى ولايات في الدول الاتحادية، أو مقاطعات جغرافية متميزة سكانيا، وتصل إلى مستوى البلديات، ومحور هذه المطالب ألاّ تشمل الإجراءات والقوانين المركزية للاتحاد الأوروبي ما يمسّ حرية التصرّف واتخاذ القرار على تلك المستويات الدنيا في السلّم السياسي. وقد كانت هذه المطالب معروفة منذ فترة، ولكنّها ازدادت قوة وإلحاحا وانتشارا في السنوات القليلة الماضية، ولا ريب في إسهامها في ازدياد معدلات الرفض الشعبي للمسيرة الأوروبية.
مستقبل المسيرة الأوروبية
لا جدوى من تذكير الساسة الأوروبيين بأنّ إيرلندا استفادت ماليا واقتصاديا استفادة كبيرة منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولهذا كانوا يتوقعون نتيجة أخرى للاستفتاء الشعبي على المعاهدة الجديدة.
الواقع أنّ دعم إيرلندا أوروبيا أوجد فيها طاقات اقتصادية ومالية جديدة، أو أوجد فيها على الأصح طبقة رأسمالية جديدة، فمقياس "استفادتها" مركّز على أرقام "النمو" الاقتصادي، وهذه تعبر جزئيا فقط عن ارتفاع مستوى المعيشة، أما محوره الأساسي فما تحققه الشركات من أرباح، وإن حمل عناوين الدخل القومي، أو حجم الإنتاج.
المشكلة بالمنظور الشعبي ليست مشكلة الكمية الكلية، بل مشكلة التوزيع، فكما أن العولمة ساهمت في زيادة هوة الثراء والفقر على مستويات عالمية ساهمت أيضا في ذلك على مستويات وطنية، في الدول النامية بشكل خطير، وفي الدول الغربية نفسها بدرجات تتعاظم خطورتها تدريجيا.
على أن المنظور الشعبي وإن تبيّن عبر استفتاءات "نادرة" بقي ضعيف المفعول على قرارات "النخبة السياسية"، ويؤخذ من التصريحات الرسمية الأولى ردا على نتيجة الاستفتاء الشعبي الإيرلندي أن المسيرة الأوروبية ستستمر ولكن مع احتمال "عقوبة إيرلندا"!!
المفوضية نادت على الفور بمتابعة عملية التصديق (النيابي) على الاتفاقية في البلدان الأخرى، مما يعني إظهار انفراد إيرلندا بقرارها بصورة استعراضية مقابل موافقة سائر الدول الأعضاء الأخرى على الاتفاقية.
ولم يستبعد وزير الخارجية الألماني أن تخرج إيرلندا من المسيرة الأوروبية لفترة كافية من الزمن كيلا تعرقلها، كما صرح علنا.
أما فرنسا التي ترأس الاتحاد خلال النصف الثاني من 2008 فكانت أكثر "دبلوماسية" على لسان رئيسها ساركوزي، لاسيما وأنّ بلاده سبق وأسقطت الدستور الأوروبي في استفتاء شعبي أيضا، إلاّ أنّه أكد استمرار المسيرة الأوروبية رغم "العقبة" الجديدة.
وعلى صعيد الخبراء الأوربيين عاد الحديث عمّا يسمى مسيرة أوروبا بأكثر من "سرعة"، بمعنى نشوء اتفاقات وحدوية بين الدول الراغبة، وإن لم تشمل سائر دول الاتحاد على غرار مجموعة اليورو الأوروبية.
ولا بد من الوصول إلى صيغة ما قبل نهاية عام 2008، فقد كان من المفروض أن يسري مفعول الاتفاقية مع مطلع العام التالي، ولاسيما ما يتعلق بتشكيل الأجهزة وعملية التصويت، والأرجح أن ينشأ حلّ "مبتكر" يجمع العناصر المذكورة معا، فمن الناحية القانونية الأوروبية الصرفة إن لم تنسحب إيرلندا من الاتحاد لا يمكن أن يسري مفعول الاتفاقية فيه كما هي، ولكن كثيرا من بنودها قابل للتطبيق بقرار على مستوى مجلس الوزراء أو مجلس الرؤساء ورؤساء الحكومات، بينما قد يمضي بعض الدول خطوة أبعد عبر اتفاقات ذات مضمون وحدوي، دون مشاركة جماعية مع ترك الباب مفتوحا لانضمام دول أخرى إذا ما أوجدت الشروط اللازمة للمشاركة، كما هو متبع مع وحدة النقد الأوروبية.
مفارقات في الساحة المجاورة
تعليقا على الاستفتاء الإيرلندي سئل أحد الخبراء الألمان عمّا يمكن أن تحققه ألمانيا من فوائد - وهي في مصاف الدول الأقوى اقتصاديا وماليا في العالم - إذا انهارت مسيرة الوحدة الأوروبية وعاد الاعتماد على الدول القائمة قوميا أو وطنيا، فكان جوابه قطعيا بأنّها ستتضرر تضررا كبيرا، إذ "ما الذي يمكن أن تصنعه تجاه قوى دولية أكبر سكانا وطاقات، بدءا بالاتحاد الروسي وانتهاء بالصين الشعبية، وهل يمكن النجاح في منافسة انفرادية تجاه تلك القوى بالإضافة إلى تكتلات إقليمية كبيرة كما هو الحال مع جنوب شرق آسيا".
وهنا تجدر الإشارة إلى كثرة الاستشهاد بمثال الاتحاد الأوروبي ومسيرته للتحذير من خطر التفرقة والتجزئة عربيا وإسلاميا.
ومن المفارقات التي يشير إليها مثال ألمانيا المذكور آنفا بشأن مفعول المصالح في السعي للتكتل والوحدة عالميا، أنّ الدول الكبيرة في عالمنا المعاصر تدرك خطورة الضياع دون التكتل، أمّا الدول العربية والإسلامية - وليس بينها من بلغ منفردا منزلة ألمانيا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا - فلا تريد العمل الجادّ من أجل التكتل وقد وصلت فعلا إلى مستوى الضياع.
ومن المفارقات أيضا أن المسيرة الأوروبية تطوّرت إلى مسيرة نخبة وسط معارضة شعبية، على النقيض ممّا تكشفه ظاهرة التجزئة العربية والإسلامية من صنع النخب السياسية مقابل رغبة شعبية كبيرة في الوحدة، لا تحتاج إلى استفتاءات واستطلاعات لرصدها، وهذا مع تقدير اضطرار القادرين إلى بعض التضحيات المعيشية. كأنّما تدنّى وعي النخب السياسية مقابل ارتفاع مستوى الوعي الشعبي باستشعار خطر التفرقة والتجزئة، ولاسيما أنّ العدوان والاستغلال الخارجيين يعبثان في قلب المنطقة العربية والإسلامية، ومازال الخطر يتفاقم.
ومن المفارقات أيضا:
- أن 53% من أصل حوالي 53% شاركوا في التصويت من بين من بلغ السنّ القانونية للتصويت، أي زهاء ربع السكان البالغين في بلد يعتبر صغيرا من حيث السكان، وعلى وجه التحديد كان عدد رافضي المعاهدة الأوروبية الجديدة (862415) إيرلنديا، أقل من مليون من أصل 500 مليون نسمة في الاتحاد الأوروبي، ووجدت الحكومة الإيرلندية نفسها مضطرة إلى الأخذ بما قرروه، وهي نفسها التي شاركت في صياغة الاتفاقية، وبقيت تؤيدها وتدعو إلى تأييدها حتى اللحظة الأخيرة قبل التصويت.
كما أن الالتزام بقوانين الاتحاد وضع ساسة الاتحاد الأوروبي أمام "واقع جديد" يجب التعامل معه، على حد تعبير ساركوزي، وهو واقع صنعته غالبية التصويت عبر إرادة أحد الشعوب الأوروبية.
- بالمقابل يطلق الساسة المسئولون في كثير من البلدان العربية والإسلامية على أي تعبير رافض لهذه الخطوة الرسمية من خطواتهم أو تلك وصف "صوت الشارع"، ويمكن أن تتراوح أساليب خنقه، ما بين الحظر بقانون مصنوع لهذه الغاية، وبين شلّ الجهاز القضائي، وبين التجاهل المطلق، وبين القمع "الأمني"!!
لقد أصبحت المسيرة الأوروبية حتى في نكساتها تحترم الإرادة الشعبية، وأصبحت التجزئة العربية جانبا واحدا من جوانب عديدة لانتهاك الإرادة الشعبية.
إن الوحدة العربية والإسلامية ضرورة مصيرية لوجود العالم العربي والإسلامي في عالمنا وعصرنا، على أن تأخذ مجراها بطرق قويمة، وإن تطويع الأنظمة لإرادة الشعوب ضرورة حياتية حتى للأنظمة نفسها ولتحرير إرادتها السياسية في عالمنا وعصرنا، وإن هذا وذاك معا شرطان متلازمان متكاملان، لا غنى عنهما ولا عن أي منهما، لتحقيق أي هدف كريم، بما في ذلك الجانب الاقتصادي الذي كثيرا ما أصبح يُطرح تحت عنوان "أولوية التنمية والإصلاح الاقتصادي" لتسويغ استمرار الاستبداد السياسي والأمني، والفساد المالي والاقتصادي، والتبعية الأجنبية أمنيا وعسكريا، بينما تقع كارثة بعد أخرى، ونكبة بعد نكبة، ويفقد نظام بعد نظام مقومات وجوده، ناهيك عما يصيب الشعوب على أوسع نطاق، وإن بدا للوهلة الأولى متناقضا مع بعضه البعض، وجميعه من علامات الكارثة المشتركة، تحت عناوين فقر مدقع، وبطر مفجع، وناطحات سحاب، وتشريد قاتل، وانشغال بألوان المغريات، وافتقار إلى أبسط أولويات ضرورات الحياة.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|