|
| يوم الجلاء الإسرائيلي عن مستوطنات غزة |
في مثل هذه الأيام شهد قطاع غزة أحداثا تاريخية دامية، اختلف فقهاء السياسة في تسميتها، فتارة يطلقون عليها: "الحسم العسكري"؛ في إشارة إلى مصداقية ما قامت به حركة حماس بالمطلق من استئصال لشأفة الفتنة، وقطع لرأسها، وآخرون يسمونها: "الانقلاب الدموي"؛ في تعبير أشد ما يكون وضوحا عن معارضة الخطوة العسكرية الميدانية التي قامت بها الحركة.
أيا ما كان المسمى الذي ينطلق من اعتبارات تنظيمية حزبية بالأساس، تعالوا نسميها: "سيطرة حماس على غزة"، هروبا من أي تعبيرات قد تُحسب على كاتب هذه السطور، ونسعى لمحاولة إجراء كشف حساب عام كامل من هذه الأحداث، أين أصابت حماس في غزة وأين أخطأت؟ وكيف تقيم خطواتها؟ وأين يذهب المشروع الوطني والقضية الفلسطينية عموما بعدما حصل؟
حماس..موازين الربح والخسارة
ليس هناك شك أن الخطوة التي أقدمت عليها حماس في شوارع غزة وداخل المقار الأمنية قد فات أوان تقييمها، ومحاولة وضع النقاط على الحروف فيها، فقد أشبعت بحثا وتقييما ومدحا وهجاء على حد سواء، لكن ما نحن بصدده خلال هذه السطور استعراض أبرز ما حصدته حماس؛ سلبا وإيجابا:
إنجازات ماثلة:
-
لا شك أن حجم الفوضى الأمنية التي كانت سائدة خلال العامين 2006-2007 في قطاع غزة، قد حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق، واستعاد الكثيرون مفردات الحرب الأهلية اللبنانية، بصورة مصغرة، من حوادث الخطف والتعذيب والمداهمات، التي نالت كل المحرمات، وتجاوزت كل الأعراف والتقاليد، وبالتالي جاءت سيطرة حماس على القطاع لتجعل هذه الصفحة السوداء من الماضي، وتفتتح عهدا من الأمن المقبول في القطاع، رغم ما يقع بين الحين والآخر من حوادث أمنية متفرقة تعكر صفو المواطنين.
-
قدمت حماس وحكومتها أداء إداريا أثار إعجاب الخصوم قبل الأصدقاء، لاسيما ما يتعلق بحجم الشفافية المالية الذي ساد خلال العام الماضي بعكس "عهد القطط السمان" الذي ساد الحكومات الفلسطينية التسع السابقة بين عامي 1994-2006، الأمر الذي دفع بعدد من كبار المسئولين الأجانب للإشادة بهذا الأداء، كان آخرهم "كارين أبو زيد" المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، وهو ما انعكس بدوره على سمعة قادة الحركة إيجابا بين عموم الموظفين.
-
شمول آثار الحصار الكارثية على مختلف أبناء قطاع غزة، كبيرهم وصغيرهم، وزيرهم وغفيرهم، مع الاحترام للجميع، للدرجة التي كنت تمر بها في كثير من الأحيان على العديد من منازل نواب البرلمان والوزراء وهم يسيرون على أقدامهم في أسواق غزة بعد أن نفد الوقود من مركباتهم، أو أن آخرين يصطفون في طوابير محطات الوقود للتزود بحصتهم مثل آلاف المواطنين، طبعا هناك استثناءات أجد نفسي مضطرا للبوح بها، لم تمثل النموذج المطلوب على قلتها.
-
حافظت حماس خلال العام المنصرم على أدبيات المقاومة كما هي، بل أكثر من ذلك؛ زادت وتيرة عملياتها، للدرجة التي جعلت الإسرائيليين، ساسة وعسكرا، يقرّون بعناد الحركة وصلابة مواقفها، ومعاملتها للقوة العسكرية الرابعة على مستوى العالم ندا بند، بعد أن اعتادت تل أبيب على التعامل مع الفلسطينيين الرسميين بمنطق التعليمات التي لا رادّ لها.
إخفاقات قائمة:
مع ذلك، لابدّ أن نضع عددا من الخطوط الحمراء أمام بعض الثغرات التي وقعت بها حماس خلال العام الماضي، ومن أهمها:
-
بقصد أو بدون قصد، مختارة أم مضطرة، تورطت حماس في "مستنقع السلطة" وما أسوأه من مستنقع، حتى لو كان دخول الحركة إلى مربع الحكم انطلاقا من بوابة البرلمان والتشريع، فقد بدا واضحا أن الأمور تدحرجت لديها بسرعة كبيرة، طبعا هنا المجال لا يسمح لحسن النوايا، بل لما يسميه علماء السياسة: "سوء التقديرات"، لا أعتقد أن سلطة هزيلة محكومة بمعايير أوسلو شئنا أم أبينا، كان بإمكان أحد أن يغيرها، سواء كان هذا الأحد إسلاميا أم علمانيا، راديكاليا أم ليبراليا! والواقع المعاش أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن حماس تعاملت مع محددات السلطة القائمة أصلا على أوسلو من خلال عدد من الاتفاقات والإجراءات الإدارية داخل غزة.
-
أصاب حماس ما يصيب كل حزب سياسي يمسك بزمام السلطة، لاسيما في ضوء عدم وجود شريك له في الحكم، وكما يقولون "فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، ولئن أشرنا آنفا إلى قدرة حماس على التحلي بقدر أكبر من الشفافية والمساءلة وتقديم نماذج عديدة من الأيادي البيضاء، فإن المطلعين على "خبايا الأمور" يدركون أن بعض "أدران السلطة" قد لحقت بالحركة، فالحديث هنا لا يدور عن ملائكة تمشي على الأرض، هم بشر منهم الحسن والسيئ، ومنهم من يريد الوطن والقضية وآخرون يريدون الوزارة والعمارة والسيارة والسفارة، وبالتالي برزت بعض الظواهر السلبية التي يتطلب من الحركة استدراكها لاحقا قبل أن تتفشى.
-
في الوقت الذي أديرت فيه السلطة الفلسطينية خلال أكثر من أحد عشر عاما على منطق "الزبائنية والشللية"، لاستقطاب العناصر المؤيدة، ومحاولة إقامة جيوب تنظيمية وإدارية في جسم السلطة المترهل، غاب عن أداء العام الأخير "منطق التقويم والنقد بالصوت العالي"، تحت ذرائع شتى، فالعالم يحاصر الحركة من أطرافها الأربع، والحركة ليست بصدد تلقي "سهام الداخل" وهي تصد "رماح الخارج"، مما ولّد حالة من "الجبن" عن رفع الصوت عاليا أمام بعض الانتقادات، باستثناء بعض الأقلام التي سجّلت حالة فريدة من المطالبة بالتقييم والتقويم، مع اختلافنا مع بعضها في المنطلقات والأساليب العلاجية.
-
بدا واضحا أنه خلال الأشهر الأخيرة، وفي ذروة اشتداد الخناق على الناس في قطاع غزة، جرت مباحثات ومفاوضات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل عبر الوسيط المصري، ولم يعد خافيا أن الحركة تعرضت لحملة ضغوط بدأت ولمّا تنتهي بعد من قبل الوسيط الذي لا يمتلك أوراقا حقيقية للضغط على تل أبيب، أو إن شئت الدقة: لا يريد استخدامها لاعتبارات لا تخفى على قراء هذه السطور، الأمر الذي وصل إلى ثابت كبير من ثوابت الحركة المتعلق بالمقاومة، وبدا –أقول: بدا- للكثيرين أن الحركة تقوم بعملية "مقايضة" بين المقاومة ورفع الحصار.
أكثر من ذلك، ففي الوقت الذي أوجعت فيه الحركة وجناحها العسكري الاحتلال وأصابته في مقتل خلال عدد من العمليات الأخيرة، تسارع الساسة –كما رأى الكثيرون- إلى محاولة تحقيق إنجاز يتمثل برفع الحصار وفتح المعابر، مقابل وقف العمليات، يعني: المقاومة مقابل الوقود! قسمة غير عادلة؛ أليس كذلك؟!
حل الأزمة بحل السلطة
الاستعراض السابق يختص بحركة حماس التي أقدمت على تنفيذ خطوتها "الجراحية الاضطرارية" كما أسماها قادتها قبل عام من اليوم، وقد شهد هذا العام تراجعا مريعا على صعيد القضية الوطنية الفلسطينية، وغيابا لترتيب جاد ومسئول للأولويات التي تليق بأعدل قضية على وجه الأرض، فقد غابت مفردات "كبيرة" يسميها الكثيرون "قومجية" تربّينا عليها سنين طويلة، وحلت مصطلحات "تقزيمية تسطيحية" حصرت القضية الفلسطينية في تنازع على الصلاحيات بين الوزير والرئيس، واللواء والعميد، ولتر البنزين وكيس الدقيق، مما مثل هدية مجانية لإسرائيل نجحت في توظيفها أيما نجاح!
الفلسطينيون وهم يستقبلون الذكرى الستين للنكبة، والحادية والأربعين للنكسة، والذكرى الأولى للانقسام، لا أراهم في ترف من العيش يمنحهم التفكير في خيارات وفضاءات واسعة رحبة، فالخيارات صعبة، وصعبة جدا، وينبغي أن توزن بميزان من ذهب، ولا أظن أن دعوات الحوار التي انطلقت في الأيام الأخيرة ستؤتي أكلها في رأب صدع الفلسطينيين، مع أني آمل ذلك، ومن ثم تصويب مسيرتهم باتجاه التخلص من الاحتلال.
علما بأن هناك العديد من المفكرين وأصحاب القلم الوطني قدموا خيار "حل السلطة" كخيار جاد وحقيقي وتاريخي يقدم للفلسطينيين أقل الحلول كلفة، إلى جانب تصعيد برنامج المقاومة، لاسيما أن الأجواء الميدانية والممارسات الإسرائيلية تشجع على تبنيه، في ضوء انتهاء عهد بوش وأولمرت الوشيكة، وقرب انتهاء ولاية الرئيس عباس، وإمكانية أن يدخل الوضع الفلسطيني فيما يسميه فقهاء القانون: "الفراغ الدستوري"، فإن هذا الخيار يحتوي نقاط قوة هامة، ومنها:
-
إبقاء الكرة مشتعلة في ملاعب الأطراف التي تحاصر حماس، وإرباك مخططاتها الهادفة إلى ترويض الحركة وجلبها إلى مربع التنازلات السياسية.
-
تحميل العالم كله مسئولية ملايين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وما قد يعنيه من أعباء اقتصادية وسياسية، وبالتالي فإن التهديد بهذا الخيار سيشعر العالم -وخاصة الغرب- بأنه قد يدفع ثمنا باهظا جراء حصاره المالي وما يمارسه من نفاق سياسي مع الفلسطينيين.
-
أعلنت حماس غير مرة أن السلطة لم تكن هدفا بحد ذاتها، وبالتالي فقد جاءت "كجملة اعتراضية"، وإن ذهبت فلا بكاء عليها ما دام أنها باتت تشكل عبئا على الحركة والقضية.
-
العودة من جديد، ومواصلة برنامج المقاومة الذي أثبت جدارته، ولم تغادره الحركة نهائيا.
-
إمكانية وقف مخطط الانفصال الإسرائيلي وإشغاله بالمقاومة، ما قد يعني إرباكا للساحة الإسرائيلية.
هنا قد تبرز بعض الاعتراضات على هذا الخيار، على جديته وخطورته، فليس من السهولة بمكان أن تتورط فيه الحركة، لاعتبارات أهمها:
-
حماس أو الحكومة لا تملك قانونيا هذا الخيار، وهي بحاجة إلى إجراءات دستورية وسياسية معقدة تستغرق وقتا طويلا.
-
النتائج المترتبة قد تنال حماس بصورة سلبية، خاصة في ظل افتقاد الأمن وشيوع أجواء الفوضى العارمة.
-
قد يفسر هذا الخيار على أن الحركة فشلت في برنامج الحكم، ولجأت للخيار باعتباره خيار المفلس.
-
تحمّل الحركة لهذا الخيار قد يفقدها جزءا من جمهورها الذي تشوق لبرنامج الإصلاح وليس الفوضى.
-
إمكانية أن ترد إسرائيل على ذلك بتصعيد غير مسبوق، وربما إعادة احتلال غزة بالكامل.
هي خيارات محدودة، ومكلّفة في معظمها، لكنّ من تصدّر لقيادة العمل السياسي العام، وانتخبه الفلسطينيون ليحقّق لهم ما أخفق في تحقيقه الآخرون، ينبغي أن يكون على قدر مسئولية هذا التحدي، ولا أظن أن حماس يجب أن تبقى بعيدة عن التفكير في هذا الخيار أكثر من أي وقت مضى!
كاتب وصحفي فلسطيني.
|