|
| آبيي.. نموذج لأقاليم السودان؟.. |
لا تكمن أهمية هذا التحليل في الحديث حول منطقة صغيرة لا تعادل مساحة 1% من السودان ككل، هي منطقة أيبي التي تفضل شمال وجنوب السودان، بقدر ما تكمن أهميته فيما جاء بنص "خريطة الطريق لعودة النازحين وتنفيذ بروتوكول أيبي" بأن "تعمل الرئاسة لأن تجعل من منطقة أيبي نموذجا للمصالحة الوطنية وبناء السلام ".. بمعنى أن تجربة أيبي هي نموذج يمكن أن يبنى عليه علاج الخلافات الأخرى بين الشماليين والجنوبيين بشأن مناطق متنازع عليها، ويتوقف على نجاح تجربتها أو فشلها مصير السودان الموحد.
من هنا فما أهمية دراسة نص الاتفاق وتفاصيله وهل ظلم أحدا من الطرفين (السلطة في الخرطوم) –ومعها قبائل المسيرية العربية، أو (الحركة الشعبية) –ومعها قبائل الدينكا نقوك– أم أن الفائز هو سلطة الدولة؛ لأن الاتفاق أبعد شبح الحرب وأعاد السلام لطريقه المرسوم؟
بعبارة أخرى.. نعم هناك من يرى في الخرطوم أن "خريطة طريق أيبي" الأخيرة، جاءت لصالح حركة التمرد والقبائل الجنوبية، وأن ما جرى طبيعي في ظل سلسلة التنازلات التي سبق أن قدمتها الحكومة المركزية في الخرطوم لحركة التمرد الجنوبية (الحركة الشعبية) منذ توقيع اتفاق السلام الأصلي معها في نيفاشا عام 2005.
نعم هناك من يرى في الجنوب أن ما جرى ليس أكثر من حق للجنوبيين وللقبائل الجنوبية هناك بعدما ظل بروتوكول أيبي معطلا منذ يناير 2005، وأنه كان لا بد من رسم حدود أيبي ليس كعلامة على تحديد مبكر لحدود الدولة الجنوبية تمهيدا للانفصال؛ وإنما كي يأتي استفتاء تحقيق المصير في نهاية الفترة الانتقالية في جنوب السودان عام 2011 معبرا عن الحقيقة وآخذا رأي كل من ترى الحركة الشعبية الجنوبية أنهم سكان الجنوب.
ولكن ما يراه آخرون من السياسيين والمحللين أن الحصيلة العامة هي لصالح السودان الموحد، ولصالح الحكومة المركزية، ولصالح السلام والتنمية والتعمير في السودان، بدل الحروب التي يخسر فيها الجميع، كما أن وثيقة الاتفاق تعد تحريكا لكل اتفاقية السلام الشامل.
المسيرية.. ضحايا أم فائزون؟
أحد أبرز التساؤلات التي طرحت مثلا حول تداعيات اتفاق خريطة طريق أيبي؛ هو أن الاتفاق ظلم عرب المسيرية الذين ينقسمون لقبيلتين هناك، وجاء لحساب مشيخات (عشائر) الدينكا نقوك السبعة في المنطقة؛ لأن عرب المسيرية يعود تاريخهم هناك لمنتصف القرن السابع عشر، وهم الذين استضافوا مشيخات الدينكا الفارة من حروب القبائل، ومع هذا فقد أصبحوا –وفق الاتفاق- أقلية برغم أنهم كانوا أغلبية، وأصبح رئيس إدارة أيبي الجديد جنوبي دينكاوي، ونائبه من المسيرية، ولم يعد لهم النصيب الأكبر من نفط المنطقة.
بل وقيل إن الاتفاق –الذي لم ينص على نسبة محددة تخصص لمنطقة أيبي من عائدات نفطها- واقتصر على بند جاء فيه أن تسهم حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الجنوب بنسبة 50% و25% على التوالي من نصيبها في عائدات النفط بالمنطقة لصندوق تؤسسه الرئاسة لتنمية المناطق على طول حدود الشمال والجنوب، ميّع القضية، واستهدف هذا البند الالتفاف حول أي مطالبة مستقبلية من المسيرية بنصيب لهم من عائدات النفط.
وكل هذا أغضب قيادات المسيرية التي اشتكى بعضها من تجاهلهم في المحادثات التي جرت بين شريكي الحكم مؤخرًا، ولم يشارك حتى الذين يتمتعون منهم بعضوية المؤتمر الوطني في المحادثات التي تمت بحضور الوفد الأمريكي أو التي تلتها، بالرغم من أن دينكا نقوك كانوا ممثلين في المحادثات بوزير الخارجية دينق ألور، ووزير شئون رئاسة حكومة الجنوب لوكا بيونق.
وبرغم أن مسئولين سودانيين قالوا لي: إن الحكومة شاوَرت المسيرية قبل توقيع الاتفاق، مما يعني أنهم موافقون عليه، فقد أظهر احتجاج قبائل من المسيرية لاحقا، ولقاؤهم بالرئيس البشير لنقل هذه الاحتجاجات على انتزاع إدارة المنطقة منهم.
كما أن هناك قوى منهم ترفض الاتفاق، وأن من تمت مشاورتهم لا يمثلون كل عرب المسيرية، مما يثير المخاوف كما يقول البعض؛ من أن يرفض هؤلاء الرافضون للاتفاق نتائج التحكيم الدولي النهائية التي سوف تحدد تبعية (أيبي) للشمال أم الجنوب وفق خرائط عام 1905.
ولكن بالمقابل هناك من يرى أن المسيرية –مثلهم مثل الدينكا– سيكونون هم الفائزين على المدى البعيد؛ لأن إحلال السلام في المنطقة سيعم على الجميع، كما أنهم مشاركون في إدارة الإقليم عبر نائب حاكم المنطقة، وعبر لجنة إدارة المنطقة، والأهم أن الاتفاق يعزز سلطة الدولة المركزية وحكومة الخرطوم في نهاية المطاف. وملخص الحل كما يراه الاتفاق الجديد يكمن في اللجوء لهيئة تحكيم يتفق عليها الطرفان تكوينا ومهمة؛ ليكون تقرير هذه الهيئة ملزما، وفي حالة فشل الطرفين في الاتفاق على مكونات هذه الهيئة يلجأ الطرفان مجددا للأمين العام الدائم للمحكمة الدولية للنزاعات في لاهاي؛ ليفصل في المسألة، حسب الأعراف الدولية المرعية في مثل هذه الحالات.
ويسكن منطقة أيبي اثنان من بطون المسيرية هم: (المزاغنة) و(أولاد كامل) الذين تربطهم بدينكا نقوك مصاهرات عديدة، وهناك آراء مختلفة بينهم، جعلت البعض يقبل الاتفاق والبعض الآخر يرفضه ويحتج عليه.
سلطة الإقليم أهم من الدولة!
أيضا يبدو من حجم التنازلات التي قدمتها الخرطوم لإنجاز السلام بحسن نية والاستفادة من الأعوام الثلاثة الباقية قبل تقرير مصير الجنوب في تعظيم خيار الوحدة، أن خريطة طريق أيبي عظمت من شأن الأقاليم –جنوب السودان ككل ثم أيبي- على حساب الدولة، واهتمت بإرضاء هذه الأقاليم على حساب سلطة الدولة المركزية، في حين أن هذه الأقاليم مجرد مناطق تحت سيطرة الدولة المركزية، وخطورة هذا المنهج وتقديم التنازلات الحكومية المستمرة للأقاليم والمناطق أنه يقلل من هيبة الدولة، ويجعل مستقبل السودان معتمدا على قدرة كل إقليم أو منطقة على ممارسة أقصى درجات الابتزاز في وجه السلطة المركزية، وهذا هو ما شجع حركات تمرد في دارفور لمناطحة الحكومة المركزية ووضع شروط تعجيزية للسلام، بل والسعي للسيطرة على هذه السلطة بالقوة (عملية أم درمان) لفرض رأيها عسكريا بعدما فشلت في فرضه سياسيا!!.
وقَصْر مهمة لجنة التحكيم على الفصل بين موقف الطرفين من تقرير لجنة الخبراء -المتنازع عليه- ألحق المنطقة عمليا بجنوب السودان، ولم يعط فرصة أخرى لإعادة وضع تقرير جديد يثبت حقوق عرب المسيرية في إدارة الإقليم منذ مئات السنين.
ولهذا يرى البعض –وليد الطيب في "شبكة المشكاة الإسلامية" مثلا– أن من مشكلات الاتفاق أنه وقع في الفخ القديم وهو انخفاض مستوى التطلعات الحكومية إلى أدنى مستوياتها، حيث لم تتعامل مع القضية من منظور قومي يتصل بسيادة البلد على أراضيها، حيث تناول برتوكول أيبي وتقرير لجنة خبراء مفوضية حدود أيبي مشكلة المنطقة المتنازع عليها من منظور أحادي ضيق، وذلك بحصرها في إطار نزاع قبلي بين المسيرية ودينكا نقوك حول ملكية أراضي المنطقة وتجاهل البعد الشامل للمسألة الذي يتمثل في حقوق حكومة السودان صاحبة السيادة على كل أراضي البلاد ومطالبة حكومة جنوب السودان بضم المنطقة إلى أراضيها الإقليمية بعد أن تمكنت من تضمين حق تقرير المصير في الاتفاقية، مما قد يشجع الإقليم على الانفصال الفعلي؛ لأنه حصل على حق تقرير المصير بالفعل وفق الاتفاق والبروتوكول السابق.
بعبارة أخرى: ربما يكون اتفاق أيبي سابقة كي تكتسب الأقاليم السودانية مشروعية جديدة لتقرير مصيرها، وفقا لما يراه قادتها ما دام أن الدولة هنا قبلت المثول أمام الهيئات الدولية والإقليمية، لتحديد مصير أقاليمها الحدودية، وهي سابقة يمكن أن تتكرر في دارفور، وفي جبال النوبة، وفي النيل الأزرق، وقد تتطور إلى الانفصال.
لكن هذه القراءة يراها الطرف الحكومي الذي وقع الاتفاق: متشائمة، ويقول: إن الاتفاق -على العكس- يعزز السلطة الحكومية المركزية وسلطة الدولة لا الأقاليم أو القبائل، حيث يعول على وقف الحرب أولا، وتوحيد البلاد والاستمرار في التنمية والتطوير لتدعيم دعائم هذه الدولة التي لم تكن موجودة في السودان يوما، ومعالمها بدأت تقوى في ظل هذا السلام وتوقيع اتفاقيات تسوية المشكلات المختلفة.
ووفقا لنظرة كل فريق يمكن تحديد مصير الاتفاق، فلو نظر له من وجهة نظر الربح أو الخسارة لكل قبيلة أو طرف شمالي أو جنوبي فسيكون الخاسر الأكبر هو الدولة ووحدتها التي سوف تتأثر بالحروب التي قد تندلع بين المختلفين أو الرافضين للاتفاق، والعكس صحيح عندما يلتف الجميع حول سلطة الدولة والاتفاق.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|