|
| د. محمد البلتاجي |
نشر العدد الأسبوعي الأخير من جريدة "الدستور" المستقلة مقالا لي تحت عنوان "الأغلبية الميكانيكية تعصف بمستقبل الوطن" ونشرت الجريدة في نفس الصفحة تحقيقًا صحفيًا شارك فيه عدد من الخبراء والمحللين السياسيين تحت عنوان: "لماذا لا تتقدم المعارضة باستقالتها من مجلس الشعب بعد أن فشلت في مهمتها؟"، وقد لفت نظري دعوة عدد من المشاركين في الحوار المعارضة للاستقالة الجماعية، مما استوجب تناول الموضوع بشيء من التفصيل الموضوعي.
في البداية نحب أن نوضح للتاريخ والحقيقة أن اقتراح الاستقالة الجماعية للمعارضة البرلمانية ظهر لأول مرة من نواب الإخوان وبعض المستقلين أثناء أزمة التعديلات الدستورية، وكان التفكير وقتها جادًا في البحث عن كل الوسائل والآليات التي يمكن أن تعطل تمرير هذه التعديلات؛ لما لها من أثر خطير على مستقبل الوطن.. فطرحنا نحن (نواب الإخوان والمستقلين) فكرة الاستقالة الجماعية قبل إقرار التعديلات؛ ليترتب عليها دستوريًا حل المجلس، ومن ثم لا يتم تمرير التعديلات الدستورية (علمًا بأن حل المجلس وقتها كان يترتب عليه انتخابات تشريعية مبكرة يشرف عليها القضاء وفقًا للدستور قبل تعديله)، لكن بعد مدارستنا للفكرة واستشارتنا لعدد من الخبراء الدستوريين، تأكدنا من أن رئاسة المجلس يقينا ستجمد طلب الاستقالة وتتحايل على اللوائح لحين تمرير التعديلات الدستورية، ثم تقبل الاستقالة الجماعية التي من ثم لن تحقق الهدف منها.
الاستقالة طريق للإصلاح!
الشاهد من هذه الواقعة التاريخية أن فكرة الاستقالة الجماعية ليست مرفوضة لدى (كتلة الإخوان وعدد من المستقلين) حين يكون لها الأثر المرجو على مسيرة الإصلاح العام، وهذا يعني أن مشاركتنا السياسية فقط لأجل الإصلاح، وأننا لن نتوانى عن تقديم الاستقالة حين تكون الاستقالة طريقًا للإصلاح.
وبالإضافة إلى الواقعة السابقة فقد طرحت فكرة الاستقالة الجماعية بعد ذلك على لسان البعض في مناسبات أخرى أحيانًا بحسن نية (بدافع الاستقالة احتجاجًا على مجمل سياسات النظام أو بعضها، أو الانسحاب من الحياة السياسية؛ إحراجًا للنظام، أو يأسًا من جدوى المشاركة السياسية)، وأحيانا كنا نستشعر أن هناك من يسعى لتوريطنا في هذه الخطوة ليحل للنظام أزمته التي يتهرب منها والمتمثلة في اللجوء لحل البرلمان للتخلص من كتلة الإخوان والمستقلين التي أصبحت تشكل له صداعًا مزمنًا وكابوسًا مزعجًا -حتى وإن لم تغير في نتيجة القرار البرلماني- حيث إن النظام لم يتعود على معارضة بهذا الحجم ولا بهذه الحدة في المواجهة.
وكثيرا ما صرح لنا رموز النظام أن ما نقوم به من أداء وآليات غير تقليدية سيتسبب في حل المجلس، وكنا نرد أن هذا لا يشغلنا ولا يقلقنا بل نراه حال حدوثه "زيادة لنا في رصيدنا الجماهيري وإحراجًا وتشويهًا إضافيًا لصورة نظام لم يتحمل معارضة قوية"، حدث هذا وقت مقاطعتنا لجلسات التعديلات الدستورية التي كان النظام يتمنى أن نمكنه من ادعاء أن القوى السياسية المختلفة قد شاركت في مناقشتها فحرمناه من هذا الادعاء، وحدث هذا حين اعتصم النواب وناموا في الأرض بالمجلس أو خرجوا في مسيرة لقصر عابدين "احتجاجا على الموقف المتخاذل تجاه الشعبين الفلسطيني واللبناني وقت العدوان الصهيوني عليهما، ومساهمة النظام في إحكام الحصار على غزة ورفض فتح معبر رفح".
وكذلك حدث هذا التهديد عندما قرر نواب الإخوان والمستقلون سحب الاستجوابات البرلمانية احتجاجًا على حرمان النائب سعد عبود من جلسات المجلس بقرار للأغلبية -غير مقبول في العمل البرلماني- فجاء قرارنا بسحب الاستجوابات وتجميد الأداء الرقابي ليفقد المجلس مصداقيته أمام الرأي العام؛ إذ كيف يكون هناك برلمان لا أدوات رقابية فيه وهي الصورة التجميلية التي يحرص النظام على الظهور بها.
لا استقالة مجانية
هكذا كان حرصنا على أداء رسالتنا دون سقف ولا مبالاة بتهديدات حل المجلس، كما نؤكد أننا مستعدون تماما للاستقالة الجماعية حين تكون تلك الخطوة جزءا من خطة حراك مجتمعي عام لمواجهة الفساد والاستبداد والضغط من أجل الإصلاح والتغيير.
أما أن نقدم على طبق من فضة استقالتنا التي يحلم بها النظام دونما فائدة؛ فهذا أمر غير مقبول، خاصة أنه معلوم للجميع أنه لولا الحرج الدولي من جانب والخوف من اهتزاز الاستقرار الداخلي من جانب آخر لكان النظام هو أول من سعى لحل المجلس من أجل التخلص من هذه المعارضة "غير المسيطر عليها".
ومعلوم أيضا للجميع أن النظام حين قام بتعديلاته الدستورية كان الهدف الرئيسي منها "في نظر كل المحللين والخبراء السياسيين" إقصاء الإخوان المسلمين والمستقلين -الذين ليسوا تحت السيطرة- وضمان ألا يجيئوا مرة ثانية "من خلال المادة الخاصة بإلغاء الإشراف القضائي بما يتيح تزوير الانتخابات، ومن خلال حظر النشاط السياسي ذي المرجعية الدينية".
ولعل ما حدث في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى 2007 وانتخابات المحليات 2008 التي لم يسمح فيها النظام بفوز معارض مستقل واحد خير دليل على أن المعارضة البرلمانية الموجودة الآن تشكل كابوسًا للنظام، ولذا فإنه قرر ألا يتكرر ذلك مرة ثانية.
أمل فـ"صدمة"!
هذه حقائق لا أظنها محل منازعة، ولكن يبقى السؤال: ماذا قدمت المعارضة للشعب والجماهير على طريق الإصلاح والتغيير المنشود؟ وهنا ينبغي توضيح عدد من الحقائق:
1- نقدر حجم الأمل الكبير -الذي تولد لأول مرة لدى الشارع والرأي العام أثناء انتخابات برلمان 2005- في التغيير من خلال صناديق الانتخابات، فرغم التجاوزات الهائلة خاصة في المرحلتين الثانية والثالثة فإن أمل الجماهير في التغيير ظل معقودًا على وجود كتلة للمعارضة بهذا الحجم لأول مرة في الحياة البرلمانية المصرية "من الإخوان والمستقلين" الذين اختارتهم الجماهير ثقةً في نزاهتهم من جانب، ونكايةً في الحزب الوطني ورموزه من جانب آخر.
2- نقدر كذلك صدمة الجماهير حين لم تر في قرارات البرلمان الحالي -لا التشريعية ولا الرقابية- أي جديد يضيف إلى حقوقها ولا يخصم منها، ولكن يبدو أن الرأي العام قد نسي ونسيت الجماهير -وسط فرحتها وآمالها- أن المعارضة أقلية وأنها وفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية التي تقضي بأن "الرأي للجميع، والقرار للأغلبية" ليست مسئولة عن صناعة القرار داخل البرلمان؛ فهي لا تستطيع ابتداءً تعديل جدول أعمال المجلس وفقًا للأولويات الوطنية التي تؤمن بها، خاصة أن الأغلبية تحتكر بلا استثناء كل مواقع المسئولية، وكل لجان المجلس -والأقلية المعارضة كذلك- لا تستطيع فرض قرار المساءلة السياسية (سحب الثقة) لوزير ولا وزارة "مهما كانت قوة الاستجوابات المثارة من جانب المعارضة"؛ حيث تقوم الأغلبية الميكانيكية بالتصويت للانتقال لجدول الأعمال -كأن شيئًا لم يكن- ولا تملك الأقلية المعارضة فرض تعديل تشريعي في أي قانون من القوانين مهما كانت اقتراحاتها ذات وجاهة ومنطق.
كل هذا يحدث بسبب أغلبية الحزب الحاكم التي لا تسمع لمناقشة ولا اقتراح، وفى كل المرات يأتي نواب الأغلبية بالقرار التصويتي المحسوم قبل بدء الجلسة.
هذا هو واقع الأغلبية التي لا تبالي بالمصالح الوطنية، ولا تبالي حتى بتقييم الرأي العام لها، ولكن أيضا هذه هي طبيعة اللعبة الديمقراطية، وهذا كان واضحًا منذ اللحظة الأولى لتشكيل البرلمان، فهل كان مطلوبًا من المعارضة منذ اليوم الأول أن تقدم استقالتها ما دامت ليست أغلبية.
3- يشهد المتابعون عن قرب لأعمال المجلس أن سقف الأداء للمعارضة البرلمانية الحالية غير مسبوق، سواء من جهة قوة الحضور أو حدة المناقشة والمواجهة الصاخبة للأغلبية، أو لجوء المعارضة لكافة الوسائل -غير التقليدية برلمانيا- عن طريق "الانسحاب احتجاجًا- المقاطعة لرفع المشروعية عن القرار- قوة الحضور ووحدة المناقشة والمواجهة الصاخبة للأغلبية- المؤتمرات الصحفية أمام المجلس لبيان الحقائق- المسيرات الاحتجاجية خارج المجلس والاعتصامات بالمجلس- النزول للشارع لمناصرة قضايا الشعب المطحون- التضامن مع القضاة والصحفيين والمهنيين في حقوقهم"، هذا كله مع أداء برلماني قوي ذي حجة جلية "لو وجد آذانا صاغية"، لكن في النهاية القرار البرلماني وعدم تجاوب النظام ليست مسئولية المعارضة.
4- هذه هي طبيعة الأدوار البرلمانية بين الأغلبية والمعارضة في كل أنحاء العالم، ولكن الفارق الكبير هو أنه في العالم الحر الديمقراطي تصل هذه المعارك وخلفياتها إلى الرأي العام جليةً ويتفاعل معها الرأي العام، وتترجم إلى تدني شعبية الحكومة والحزب الحاكم في استطلاعات رأي تؤدي إلى إسقاط الحكومة، ثم عدم حصول الحزب الذي كان حاكمًا على الأغلبية في الانتخابات الشفافة التي تعكس الرأي العام.
هذا ما يحدث في العالم الحر الديمقراطي، أما عندنا فقد حدث أن تم عزل الرأي العام عن متابعة معارك المجلس الدامية رغم كثرتها وصخبها "سواء لانشغال الشارع بلقمة العيش أو بسبب التعتيم الإعلامي الشديد الذي كان أحد مظاهره منع البث المباشر لجلسات المجلس عن قصد لخصوصية تركيبة هذا البرلمان بعد أن كان أمرًا قائما مع البرلمانات السابقة، والضغط كذلك على الصحف ومنع دخول الفضائيات للمجلس منعًا باتًا، مع أن الأصل إتاحة الجلسات وعلانيتها".
والمقارنة بين مضابط الجلسات والتغطية الإعلامية للجلسات توضح جليًا حجم التعتيم الإعلامي المقصود على أداء المعارضة عمومًا والإخوان خاصة، وأنا أحيل في ذلك على سبيل المثال لا الحصر لمضابط جلسات "تصدير الغاز لإسرائيل 24 مارس/ أزمة الخبز 1 أبريل/ رفع الأسعار5 مايو / قانون المرور 18 مايو/ تجديد الطوارئ 26 مايو2008".
تصويت بالأمر المباشر
مرة ثانية ما هي المشكلة تحديدًا؟ ولماذا لم تشعر الجماهير بأثر لوجود معارضة قوية فاعلة؟
أقول: إن هذا الأمر -وإن كان جزءا من حالة الجمود والانسداد السياسي والمجتمعي العام- فإن أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك هي:
أ- الأغلبية الميكانيكية التي دائما ما تصوت بالأمر والتوجيه المباشر، وتأتي وقد حسمت قرارها التصويتي قبل الاستماع للمناقشات، وأهم من هذا كله أنها لم تعد تبالي بالرأي العام ولا بالجماهير، ولا تستشعر ضغوطًا شعبية عليها.
ب- الموت الإكلينيكي للأحزاب ونجاح النظام في تفجيرها وشغلها بصراعاتها الداخلية، فضلا عن صناعة أحزاب ورقية لا علاقة لها بالسياسة خارج أو داخل البرلمان.
جـ- عدم نجاح المعارضة متكتلة في نقل المعركة إلى خارج المجلس، ثم تفكك المعارضة، بل خروج البعض عن تكتلها، بل أقولها صراحة إن البعض بدأ يعيد حساباته بعد أن أيقن الجميع أن الانتخابات القادمة لا علاقة لها بالرأي العام والجماهير وإنما فقط ستحسمها إرادة النظام ورضا التقارير الأمنية.
د – والأهم من ذلك كله هو ابتعاد الشارع عن المعارك السياسية وانشغاله بهمومه وانكفائه على لقمة عيشه، وعدم قدرة النخب السياسية على إقناعه أن الإصلاح السياسي والمعارك ضد الفساد والاستبداد لها علاقة مباشرة حتى بلقمة العيش، وعدم سعي الجماهير لمواجهة النواب في دوائرهم على مواقفهم التصويتية "لم وافقتم على رفع الأسعار؟ ولم مددتم الطوارئ 30 سنة؟ ولمصلحة من قررتم إلغاء تراخيص سيارات الأجرة التي تفتح ملايين البيوت؟ ولم برأتم الحكومة من كارثة العبارة، ولم شكرتموها على مجاعة الخبز؟ ولم.. ولم.. إلخ؟!".
بل حتى الصحف التي كانت تعلن القوائم السوداء للمزورين والمحتكرين لم تعد تعلم الجماهير بالقوائم السوداء للنواب الذين يصوتون ضد مصالح الجماهير.
إذن ليستقل الجميع!
لن يكون الحل إذن في الاستقالة الجماعية من المجلس؛ لأن المعارضة (وهي أقلية) لم تستطع أن تقوم بدور الأغلبية في القرار، والحكومة في التنفيذ، والإعلام في التبصير، والشارع والجماهير في الضغط على نواب الأغلبية، فهذا ليس دورها.. وإذا كانت مطالبة البعض للمعارضة بالاستقالة لأنها لم تحقق شيئا من التغيير والإصلاح -الذي كان منشودا- فهل يعني ذلك مطالبة الصحف المستقلة والمواقع الإلكترونية والمدونات والكتاب والمفكرين بالتوقف؛ لأنهم مع كل ما يكتبونه وينشرونه لم يحدثوا ضغوطًا على النظام تؤدي لتغيير؟!
وهل نطالب المراكز الحقوقية والنقابات القليلة الباقية وجماعات الضغط والاحتجاج الاجتماعي أن تتوقف عن المطالبة بحقوق ممثليها؛ لأنها لم تستطع أن تنتزع هذه الحقوق من النظام انتزاعًا؟!
لا أظن أن أحدا من الغيورين على الوطن ومستقبله يقول هذا.
ويبقى السؤال:
ما هو الحل؟ ومن أين نبدأ ليتحقق إصلاح سياسي ديمقراطي يستشعر الشارع أثره على أوضاعه المعيشية والاجتماعية، فضلا عن حقوقه وحرياته جميعا؟
هذا موضوع مقال آخر، أسأل الله أن يعين عليه، وأدعو كل المحبين للإصلاح والتغيير للدخول في حوار ونقاش ومشاركة حول هذا العنوان؛ لعل الله يخرجنا من الظلمات التي تحيط بنا إلى النور بإذنه.
الأمين العام للكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر
|