|
| أسقطوا الأعلام الصغيرة الملوّثة |
ملاحظتان في البداية:
1- كان كثيرون بين مصدّق ومكّذب لِما يرصدونه في مواكبة حدث صلح الدوحة اللبناني، فكأنه بضربة معلم وخلال أيام معدودات أحيا مومياء الدبلوماسية العربية، وشطب على نفوذ القوى الدولية، وأسقط الشروط المتبادلة في الساحة اللبنانية، وجعل من انتخاب الرئيس الجديد المتوافق عليه من قبل الدوحة درجة أولى على سلم تحقيق ما تقرر في الدوحة، لإنهاء أزمة لبنان.
2- فوجئ الكثيرون، من المصدّقين والمكذبين أعينهم بعدما رصدته من سرعة الوفاق بعد طول النزاع، أن "شوائب" جانبية رافقت مطلع جلسة الانتخاب والقسم في المجلس النيابي اللبناني، وأنّ تصريحات من مستوى المهاترات تبعتها، وأنّ تأكيدات متكررة بصورة لافتة للنظر أنّ مشاورات الرئيس، أي رئيس الوفاق، ملزِمة بشأن تشكيل الحكومة التالية، أي الحكومة التي كانت موضوع نزاع لا وفاق قبل الدوحة، وهو ما يعني دستوريا أن من تقترحه الغالبية رئيسا للوزراء يجب قبوله.
كانت هذه مقدّمات شكلية، وأضيف إليها المزيد خلال الأيام التالية.
لعبة قديمة بإخراج عتيق
أثناء اختيار مرشح لرئاسة الوزارة لوحظ:
1- طول الأخذ والردّ بين أحزاب ما يسمّى "الموالاة"، أي أحد طرفي النزاع المراد أن ينتهي عبر وفاق الدوحة.
2- ثمّ الإعلان عن ترشيح السنيورة وليس سعد الحريري الذي تكرّر ذكر اسمه من قبل وجرى تصويره أقرب إلى التفاهم مع الطرف الآخر في النزاع، ولا ترشيح رئيس وزراء توافقي بمواصفات شبيهة بمواصفات رئيس الدولة.
3- ثم انتشار أقوال صحفية متواترة عن أنّ واشنطن والرياض أرادتا ترشيح السنيورة فكان ما أرادتا.
الكلام عن السنيورة وكفاءاته ليس بيت القصيد في معالجة الأزمة اللبنانية، وكفاءته لا تنفي كفاءة غيره، ولكن ليس من الحكمة السياسية عند البحث عن مخرج من نزاع وترسيخ للوفاق، أن يكون رئيس الوزراء الجديد، لفترة مؤقتة ولكنها حاسمة بشأن ما بعدها، هو عينه رئيس الوزراء في السنوات الثلاث للأزمة الأشدّ من سواها في تاريخ لبنان والأكبر خطرا على وجوده. ولهذا لا يمكن اعتبار هذه الخطوة "اعتيادية" وإن اتفقت مضمونا مع المعطيات الدستورية، ومع نص صلح الدوحة دون روحه.
إن ترشيح السنيورة ليكون هو "مادة" المشاورات الملزمة لرئيس الجمهورية، طرح من البداية التساؤلات:
1- عن مدى الإصرار على طريق النزاع القديم، لا سيما عند وضع القرار في بوتقة جملة تصريحات ومواقف عديدة قريبة وبعيدة، منها مثلا تذكير الأمم المتحدة على لسان أمينها العام بقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصيت السيّئ المعروف، والتي فتحت أبواب معركة لبنان حول سلاح المقاومة، لتنقلها من الجبهة اللبنانية الإسرائيلية إلى الداخل اللبناني.
2- عن مدى استهداف تفريغ تعبير حكومة الوحدة الوطنية من محتواه ومغزاه، وهي التي يُطلب منها تضميد جراح سابقة، والتهيئة عبر قانون انتخاب جديد وخطوات أخرى لمرحلة وفاق تالية، فهل يمكن تحقيق ذلك إذا استُنسخت عن حكومة السنيورة قبل ثلاث سنوات، والتي انتهى وجودها إلى الأزمة؟
3- عمّا يعنيه وضع رئيس الجمهورية الوفاقي من اللحظة الأولى أمام اختبار مدى قدرته على التعامل مع أزمة تُصنع له صنعا، فإن لبّى - وقد لبّى - بدت النواقص في صلاحيته وبالتالي في أهمّ مواصفاته، أنّه رئيس توافقي.. وإن رفض - ولم يرفض - اندلعت الأزمة كما كانت قبل انتخابه.
4- ما هو القصد من مواقف تكرر القول مثلا "الكرة في ملعب المعارضة"، فهذه مقولة تتردّد في حالة النزاع وتسري عليها لا الوفاق، وفي حالة الاستفزاز لا النوايا الحسنة، وللبدء بجولة تالية من المواجهة وليس البحث عن أرضية مشتركة للمعالجة، والقصد هنا هو إكراه المعارضة على ما لا تريد، من خلال وضعها بين خيارين أشبه بالحيلة السياسية، فخطوة انتخاب رئيس الجمهورية التي كانت تطلب "الموالاة" إعطاءها الأولوية، حصلت بالتراضي والتوافق، ولكن كانت مشروطة بما سيأتي بعدها، ثم جاء ما بعدها - أي مرحلة تنفيذ الشرط المتفق عليها - ليقول للمعارضة إما القبول بالمرشح القديم الجديد وبالتالي العودة إلى وضعٍ كان قائما في بداية الأزمة الأولى، أو رفضه فتُحمَّل المعارضة آنذاك مسئولية اندلاع الأزمة بعد القول بإخمادها.
السنيورة في مسرح العرائس؟
لقد بدا السنيورة في دوره الجديد وكأنه السياسي الذي يمكن العبث بدوره هذا لحساب أطراف تضعه في صدارة الحدث، فله أن يوزع ابتسامات التفاؤل أمام وسائل الإعلام، وأن يجري الاتصالات الداخلية الحافلة بالجدال حول المناصب، بينما تدور من ورائه الاتصالات "الخارجية" التي تساهم في "استمرار الجدال" دون نهاية، وتنطلق على ألسنة أخرى التصريحات التي توظف أحداثا أمنية صغيرة نسبيا، لم يخل منها لبنان في سائر أطوار استقراره، ناهيك عن أزماته المتعاقبة، لتصبح فجأة هي العقبة في وجه متابعة "المشاورات" لتشكيل الحكومة.
ورغم أنّ زيارة ساركوزي إلى لبنان كانت مقررة سابقا، وكان المقصود منها ظهور فرنسا في موقع متميز أثناء تدشين عهد جديد بعد تشكيل الحكومة، فمن الواضح أنّ عدم تأجيلها إلى ما بعد تشكيلها فعلا جاء نتيجة إدراك ساركوزي أن اللعبة الأمريكية في لبنان ما زالت مستمرة لتطويل أزمته الداخلية، ويدعم ذلك تحسين العلاقات الفرنسية - السورية فجأة، بصورة موازية لتصعيد الحملة الأمريكية تحت عنوان "ملف نووي" يُصنع لسوريا بعد العراق وإيران.
زيارة ساركوزي لا تقول للبنانيين فقط إن فرنسا لن تغادر الساحة السياسية اللبنانية، بل تقول في الوقت نفسه إنها حريصة على تمييز وجودها عن الوجود الأمريكي ودورها في تثبيت الفوضى الهدّامة بلبنان، وهذا رغم كلّ ما هو معروف عن توثيق العلاقات الفرنسية - الأمريكية بعد وصول ساركوزي إلى السلطة.
خطر سقوط اتفاق الدوحة
ما يجري لعبة أمريكية سياسية ماكرة، ولكنها مكشوفة، ولعبة خطيرة، ويُرجى ردّ خطرها بحكمة سياسية، تُفسد حسابات من يصنعها ويشارك فيها، من خارج لبنان ومن داخله، فهو يقامر بلبنان وأهله ومصيره ودولته في لعبة نفوذ وصراع على نفوذ، وفي لعبة الهيمنة الأجنبية والعمل على ترسيخ دعائمها بأي ثمن.
لا ينبغي أن يكون لبنان - ولا سواه من بلادنا العربية والإسلامية - مسرحا للتجارب والعبث السياسي، ولا أن يصبح كرة يُقذف بها من هذا الملعب إلى ذاك، ويتحوّل شعبه من حول الملعب إلى جمهور متفرجين، وهم أول الخاسرين، سيان أي الفريقين يتفوق على الآخر في مرحلة ويخسر في مرحلة أخرى.
ولئن حققت الدبلوماسية القطرية مع احتضانها عربيا اختراقا غير عادي من خلال صلح الدوحة، فالمرجو أن تتمكن من أن تبني على ذلك فتضيف إليه اختراقا آخر، فسقوط اتفاق الدوحة يعني سقوطها مجددا في غيبوبتها الطويلة بعيدا عن آليات صناعة القرار في القضايا الإقليمية والمحلية، وترك ذلك لأصابع الهيمنة الأجنبية أمام الستار ومن وراء الستار. وسيكون مثل ذلك السقوط - إن وقع ولا نتمنى ذلك - أخطر وأبعد أثرا مما سبقه، فقد أثار النجاح آمالا شعبية أكبر من حجمه الحقيقي، وسيثير السقوط - إن وقع - خيبة أمل قد تكون أكبر من حجم السقوط الحقيقي، وبالتالي أشدّ تأثيرا على علاقة ما بقي من منظومة الوجود الرسمي العربي مع الشعوب العربية.
لقد قيل للزعماء اللبنانين جميعا لا ترجعوا من الدوحة دون أن تتفقوا، فإذا بهم يعودون، ولكن مع لعبتهم القديمة، وكأن صلح الدوحة أصبح عندهم "تأشيرة مرور" أو تحايلا على الإرادة الشعبية، فإن تطوّرت الخطوات السابقة باتجاه تصعيد الأزمة، فلن يخفى أمر اللعبة السياسية آنذاك طويلا، ولا يبدو أن أهل لبنان سيقبلون الدخول في دوامة جديدة لزمن طويل هذه المرة.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|