-
ويمكنني أن أسوق مثالا من زنجبار في القرون الحديثة، ففي عام 1840 طلب المبشر (المبعوث التبشيري) المسيحي الألماني جوان كراف الإذن من سلطان زنجبار الذي ينتمي إلى طائفة العبادي "سيد سعيد" بناء مقر للإرسالية التبشيرية المسيحية في مومباسا، ووفقا لما دونه المبشر في كتابه، بعث السلطان برسالة إلى الحاكم التابع له هناك قائلا: "أرسل لك د.كراف، إنه رجل من رجال الدين يود أن ينشر كلمة الله.. فافعل كل ما بوسعك لتسهل مهمته"، هذا الحاكم مسلم متزمت كتب ذلك منذ 168 عاما.
-
ولهذا نمت زنجبار كمجتمع متعدد الثقافات ومتعدد الديانات حيث عاش بشر ينتمون إلى جنسيات وأديان مختلفة في انسجام مع التسامح الديني حتى منتصف القرن العشرين.
أ - فكان بعض الهندوس الذين بنوا معابدهم خلف القصر.
ب-أما سيد برغاش وهو أحد الحكام المسلمين المتزمتين في زنجبار، فقد حكت لي جدتي بأسلوب شيق أنه عندما أرادت طائفتنا الصغيرة من الشيعة المسلمين بناء جامع، دعا الحاكم (برغاش) جدي الكبير وثلاثة زعماء آخرين وكانوا يستعدون للموت، وذهبوا وهم يرتدون أكفانهم، ورغم أن الاختلافات الطائفية شديدة خاصة بين طائفتي العبادي والشيعة، استمع إليهم السلطان، وسمح لهم بالبناء.
جـ- وبينما تصل نسبة المسلمين في زنجبار إلى 97%، لدينا منذ أكثر من قرن كاتدرائيتين مسيحيتين رئيسيتين في مدينة زنجبار الحجرية.
-
لقد أعددت كثيرا من أبحاثي عن زنجبار، ومررت بالعديد من حالات التنافس السياسي والصراعات العرقية مثل الحرب بين العرب العمانيين والحضرميين في الثلاثينيات من القرن الماضي، وانتخابات عام 1961، وثورة عام 1964، الخ. ولكني لم أجد أي صدامات دينية.
وبقدر ما أستطيع التذكر، فقد اشتعل أول صراع ديني في زنجبار عندما قام المسلمون بمظاهرة ضد البيان الذي ألقته زوجة زعيم سياسي في منطقة "صوفيا كواوا" والذي أشار إلى أن قوانين الشريعة الإسلامية يجب أن تتغير.
-
وفى العقود الأخيرة، استوردت زنجبار بعض الخلافات الدينية على أيدي الطلاب الذين أرسلوا للمملكة العربية السعودية للدراسة، وعادوا يحملون أفكارا متزمتة تدعو لتغيير ممارسات غيرهم من المسلمين في زنجبار، وكانوا يصفون الكثير من تلك الممارسات بالبدع.
وعلى الرغم من أن هذا قد أدى إلى التوترات في زنجبار، فإننا يجب أن نشير إلى أن الصراع كان داخل المجتمع الإسلامي بين المتزمتين والمسلمين التقليديين، ولم يكن موجها ضد المسيحيين أو الهندوس، ويبدو أن هذه التوترات قد قلت الآن مقارنة بالوضع منذ خمسة عشر عاما.
-
ولكن يجب أيضا أن نلاحظ مصدرا آخر للتوترات التي تعرضت لها زنجبار، ففي العقدين الأخيرين، كانت هناك سلسلة من الحملات الصليبية التي شنها المسيحيون الأمريكيون المتشددون (الأصوليون) على الجزء الرئيسي من البلاد -كحملة نوفمبر الصليبية، وحملة عيد الفصح .. الخ- والآن تذكر المسلمون كيف كانت الحملات الصليبية التي شن فيها الغرب الحرب ضد الإسلام، وعندما استخدم الرئيس بوش هذه الكلمة (الحملات الصليبية) بعد 11 سبتمبر، أثارت احتجاج العالم الإسلامي لدرجة أنه اضطر إلى أن يسحبها.
-
حدث هذا في إطار 11 سبتمبر، والحرب في أفغانستان والعراق، وأم المعارك، والحرب ضد الإرهاب التي تفرم كل شيء في طريقها، وهذا على قمة الجرح المتقيح القديم للفلسطينيين الذين أحيوا الذكرى الستين للنكبة، أو الكارثة، عندما طرد ملايين الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، من أرضهم وعاشوا منذ ذلك الحين في معسكرات اللاجئين، ولإضافة ملح للجرح، جاءت الرسوم الدنماركية (المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم)، والنظر إلى المسلمين في الغرب كشياطين.
-
كل هذا أثر على المسلمين في زنجبار أيضا؛ فهم يشعرون أنهم جزء من مجتمع إسلامي عالمي يتعرض بشكل مستمر للاضطهاد، وهذه ليست مشاعر أقلية صغيرة من المسلمين الراديكاليين.. لقد أعجبني رد الفعل العنيف لكثير من المسلمين المعتدلين عندما شاهدوا القمع الذي تعرض له البوسنيون والكوسوفيون، لا أقول إنني أتفق معهم فنحن نعلم أن كثيرًا من المسيحيين والقوى الغربية تدخلت في البوسنة وكوسوفا لنجدة المسلمين، ولكن بعض المسلمين فقدوا الإيمان في إمكانية تحقيق العدالة في هذا العالم.
-
ولهذا إذا أردنا أن نسأل: "ماذا حدث للتسامح الديني المعتاد في زنجبار؟"، فلن يكون كافيا أن نلوم الوهابيين أو أسامة بن لادن وحدهم، وأنا لا أتفق مع كليهما، ولكن لا أستطيع أن أطرح مشاعر المجتمع الإسلامي العالمي بعيدا وكأنها غير موجودة؛ فعلينا أن ننظر للصورة كاملة، والموقف العالمي الحالي، ومعاملة المضطهدين، أينما كانوا، ومن أي ديانة كانوا، ونحاول أن نقيم مجتمعا أكثر عدالة، من أجل عالم أكثر عدالة.
تدور مناقشات بين أتباع أكثر من ديانة الآن وكأن هناك "مشكلة إسلامية"، إلا أن المشكلة أوسع، وتشمل المسيحيين وليس فقط المسلمين الأصوليين (المتشددين)، والآن هناك "الأصولية العلمانية" في أوروبا والتي تمنع السيدات المسلمات من ارتداء غطاء للرأس، ولكنها زائفة إذ تستثني المسيحيين فتسمح لهم بارتداء صلبان صغيرة.
-
وقد رسخت زنجبار وغيرها من المدن الساحلية حول المحيط الهندي عادة التسامح العالمي والديني على مدى مئات السنين، وواجبنا، سواء أكنا مواطنين من زنجبار أو أجانب، مسلمين أو غير مسلمين، أن نرسخ ونغذي هذه العادة، وهذا يمكن أن يحدث إذا احترمنا ديانات وثقافات بعضنا البعض.
-
وأود أن أختم بمثال أخير من زنجبار، حيث يوجد معبد هندوسي على بعد 100 متر فقط خلف قصر سلطان زنجبار الذي ينتمي إلى طائفة العبادي، وقد اعتادوا أن يدقوا أجراسه مع شروق الشمس منذ نعومة أظفاري، وطوال حياتي لم أسمع أي شخص، ولا حتى السلطان يشكو من هذه الأجراس، فقد كنا نتعامل معها كأمر عادي في مجتمع عالمي مفتوح، والآن افتتح أحد الغربيين مطعما على سطح منزل يبتعد 100 متر عن الجانب الآخر من المعبد، ويغلق أبوابه مع شروق الشمس، وقد صدمت عندما ذهبت إلى هناك حيث انفجر مالك المطعم عندما بدأت الأجراس تدق قائلا: "كل يوم نرتدي بذلنا لنرى الشروق، وهم يدقون أجراسهم، والأجراس أيضا ليست متناغمة"، لقد صعقت إلا أنني لم أكن أريد أن أجادله، ولكني تساءلت: كيف يمكن ألا يشكو السلطان العبادي المتزمت مطلقا من الأجراس، ويجرؤ هذا الغربي المفترض أن يكون متسامحا على الاعتراض على حرية التعبير الديني للهندوس؟.