English

 

الأحد. يونيو. 8, 2008

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » التاريخ والحضارة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

روح زنجبار المتسامحة.. تاريخيا والآن

بقلم - عبده الشريف

ترجمة - راشدة رجب

عبده الشريف
عبده الشريف

لدراسة فقه التعايش في مدينة إفريقية مسلمة والاقتراب من "رشحات خبراتها" على غرار ما نحاول في زنجبار يجب مد البصر إلى الحالة الإسلامية الخاصة داخل الحضارة "السواحيلية" التي تمتد من جنوب الصومال إلى شمال موزمبيق وشمال مدغشقر، بما فيها جزر القمر، والارتفاع بزاوية النظر في نفس الوقت بـ"الحضارة السواحيلية" إلى عالم أكبر هو عالم المحيط الهندي والتي هي جزء منه لمئات السنين.. ومن ثم -ولكي ندرك روح زنجبار المتسامحة- علينا أن نفهم عالم السواحيليين والمحيط الهندي.. تلك هي خبراتنا في فقه التعايش ومجالها التاريخي الحركي والحضاري نقدمها للفضاء الإسلامي في العالم.

 أولا: "الحضارة السواحيلية"

  1. "الساحل السواحيلي" هو الذي تلتقي عنده إفريقيا بالمحيط الهندي، وقد نتج عن ذلك حضارة بحرية، و"السواحيليون" لذلك هم شعب عاش دائما في عالمين، فلديه روابط وثيقة مع إفريقيا، ومع الأراضي على الجانب الآخر من المحيط الهندي.. فكان الساحل مجتمعا مفتوحا يستوعب البشر من الاتجاهين، ليخلق مزيجا جديدا.

  2. و"اللغة السواحيلية" انعكاس يكشف هذا الحوار بين الحضارات، وأساسها لغة "البانتو" من الناحية النحوية، وجزء كبير من مفرداتها يرجع إلى الأصل وهو لغة البانتو، ولكنها نمت بشكل واسع بإدخال مفردات وأفكار جديدة عند الضرورة، بنفس الطريقة التي تستعير بها الآن مفردات الإنجليزية لاستخدامات الكمبيوتر الخ... وقد أظهرت الدراسات أن أكثر من ربع المفردات في اللغة السواحيلية ترجع إلى أصل عربي، وهذا ليس غريبا؛ فاللغة العربية ذاتها جزء كبير من مفرداتها يرجع إلى أصل فارسي، والإنجليزية جزء كبير من مفرداتها فرنسي.. وهذه هي قدرة اللغة.

 ثانيا: عالم المحيط الهندي

  1. ولكن كما أشرت، فـ"الحضارة السواحيلية" أيضا جزء من عالم أوسع هو عالم المحيط الهندي؛ فالشعوب السواحيلية لشرق إفريقيا كانت تتبادل التجارة مع الشعوب التي تقطن الجانب الآخر من المحيط الهندي لأكثر من ألفي عام، ووفقا للمرشد التجاري اليوناني للقرن الأول، فقد كان التجار اليمنيون يتبادلون التجارة مع الساحل الإفريقي الشرقي، وبدأ القباطنة والبحارون يتزاوجون مع السكان الأصليين ويتعلمون لغتهم، وقد تم اكتشاف خزف روماني ينتمي للقرن الخامس في أنجوجا أوكو في زنجبار.

  2. ومع قيام الدول الإسلامية، توسعت التجارة في المحيط الهندي، ونتيجة لذلك بدأت العديد من الموانئ السواحيلية في التطور على طول الساحل الشرقي لإفريقيا، مثل كانبالو (بمبا) ولاجويا (أنجوجا) اللتين أشار إليهما العديد من الكتاب والمؤرخون مثل الجاحظ والمسعودي.

  3. وقد كشف البحث الأثري في الساحل الإفريقي الشرقي أن أحد أول الجوامع تم بناؤه في "شنجا" بالقرب من "لامو" في منتصف القرن الثامن، ولكنه كان جامعا صغيرا بني من الخشب والطين من أجل التجار الأجانب، وبحلول القرن العاشر، كبر حجمه وتم بناؤه من الحجر، حيث تحول معظم الشعب إلى الإسلام، ولدينا جامع ينتمي إلى القرن الثاني عشر في "كيزيمكازي" تزينه نقوش كوفية فريدة ما زالت تستخدم حتى الآن.. وفى الماضي شبه زائر أوروبي الجامع الذي ينتمي للقرن 14 في "كيلوة" بالجامع الشهير في قرطبة.

    ولكن الإسلام نادرا ما كان ينتشر كوحدة واحدة (كمجموعة واحدة من المعتقدات)، إما أن يأخذها المرء أو يتركها، ويطلق على العملية المعتادة في هذا الشأن الحركة التوفيقية والتي تعني المزج أو التوفيق بين نظامين من المعتقدات، وهناك مبادئ أساسية معينة يجب قبولها فورا: مثل أركان الإسلام الخمسة، ولكن يمكن الاحتفاظ بسمات أخرى من معتقدات الأديان الأقدم، وأحيانا يتم إطلاق أسماء إسلامية جديدة عليها، مثل كلمة الملائكة والشياطين التي أطلقت على أرواح "الميزيمو".

  4. وعندما كنت أدرس في جامعة دار السلام ذهبت إلى الساحل الشرقي وقد حياني طالب من الجامعة عندما رآني أقف على الشاطئ، وسألته إن كان قد أتى لرؤية والديه؛ فأجاب بأنه حضر لزيارة أرواح القرية.

هذا الطالب مسلم وأجداده مسلمون منذ قرون طويلة، ولا يحب المتزمتون والأصوليون سماع هذه الفكرة وقد يحاربونها، ولكنه الواقع.. هذه المرونة والتسامح هي التي جعلت الإسلام ينتشر على مدى القرون، ويمكن فيما بعد أن ينقيها العلماء بهدوء من خلال المناقشة والإقناع.

ثالثا: شخصية الإسلام في المحيط الهندي

  1. الاعتبار الثالث هو سمة الإسلام في المحيط الهندي، ولا يكل بعض دعاة فكرة أن الإسلام انتشر بالسيف عن المجادلة، وفى بعض الحالات قد يكون الغزاة المضللون فعلوا ذلك، وهو سلوك خاطئ، وقد رأيت في دلهي مئذنة بنيت على أنقاض معبد هندوسي، وهو أمر مخجل، فقد دعانا الرسول (محمد صلى الله عليه وسلم) إلى التسامح عندما قال الله تعالى: "لكم دينكم ولي دين"، وكآخر أديان التوحيد، طمح الإسلام أن يصبح أكثر عالمية وتسامحا من الأديان السابقة، خاصة المسيحية واليهودية، فتقبل بسرور هاتين الديانتين وأطلق على أتبعاهما "أهل الكتاب" وهم "فئات يجب أن تتمتع بالحماية"، وهذا على العكس تماما مما حدث في إسبانيا والبرتغال بعد هزيمة الدول الإسلامية هناك، فقد أعطي المسلمون واليهود ثلاثة خيارات: الموت، أو تغيير الديانة (إلى المسيحية)، أو الترحيل خارج البلاد.

  2. ولكن هناك اعتبارًا إضافيًّا مهمًّا في المحيط الهندي؛ وهو حقيقة أن التجارة كانت لها أهمية أساسية في التوسع الاقتصادي للدول الإسلامية تحت حكم الأمويين والعباسيين، ولكن التجارة تفرض منطقها الخاص على التبادل التجاري، والتاجر لا ينظر إلى لون جلد الزبون، ولكن إلى لون العملة التي يشتري بها، والزبون لا يسأل التاجر عن دينه، ولكن يدقق في جودة السلعة، ولذلك تتسم التجارة ضرورة بعمى الألوان والتسامح الديني.

  3. وهذا ليس مجرد تفكير خيالي حالم، فالدراسات الواقعية التي أجراها عالم يهودي، مستفيدا من وثائق الجنيزة الشهيرة بالقاهرة، أظهرت أنه لتشجيع التجارة في عدن لم يكن الحكام المسلمون يفرضون حتى الضريبة المضاعفة على اليهود.

    • وفي منتصف القرن الثاني عشر، كان بمدينة الفسطاط العاصمة المصرية القديمة (عاصمة مصر الإسلامية) سبعة آلاف يهودي "غني جدا" ومعبدان يهوديان رئيسيان.

    • وقد أشارت إحدى القصص التي رواها البحارة في القرن العاشر أن الحاكم الأموي في العراق أراد أن يصادر أملاك تاجر يهودي غني في مسقط، فهدد كل التجار المسلمين وغيرهم بترك الميناء.

    • وفي ساحل الملابار بالهند طلب الأميرال البرتغالي فاسكو دي جاما من الحاكم الهندوسي طرد التجار المسلمين، فأجاب الحاكم: المسلمون يمارسون التجارة هنا منذ مئات السنين، ويتزاوجون مع شعبي، ويأتون بالثروة إلى مينائي؛ فلماذا أطردهم؟.

رابعا التسامح الديني والتعصب في زنجبار

  1. ويمكنني أن أسوق مثالا من زنجبار في القرون الحديثة، ففي عام 1840 طلب المبشر (المبعوث التبشيري) المسيحي الألماني جوان كراف الإذن من سلطان زنجبار الذي ينتمي إلى طائفة العبادي "سيد سعيد" بناء مقر للإرسالية التبشيرية المسيحية في مومباسا، ووفقا لما دونه المبشر في كتابه، بعث السلطان برسالة إلى الحاكم التابع له هناك قائلا: "أرسل لك د.كراف، إنه رجل من رجال الدين يود أن ينشر كلمة الله.. فافعل كل ما بوسعك لتسهل مهمته"، هذا الحاكم مسلم متزمت كتب ذلك منذ 168 عاما.

  2. ولهذا نمت زنجبار كمجتمع متعدد الثقافات ومتعدد الديانات حيث عاش بشر ينتمون إلى جنسيات وأديان مختلفة في انسجام مع التسامح الديني حتى منتصف القرن العشرين.

    أ ‌- فكان بعض الهندوس الذين بنوا معابدهم خلف القصر.

    ب‌-أما سيد برغاش وهو أحد الحكام المسلمين المتزمتين في زنجبار، فقد حكت لي جدتي بأسلوب شيق أنه عندما أرادت طائفتنا الصغيرة من الشيعة المسلمين بناء جامع، دعا الحاكم (برغاش) جدي الكبير وثلاثة زعماء آخرين وكانوا يستعدون للموت، وذهبوا وهم يرتدون أكفانهم، ورغم أن الاختلافات الطائفية شديدة خاصة بين طائفتي العبادي والشيعة، استمع إليهم السلطان، وسمح لهم بالبناء.

    جـ- وبينما تصل نسبة المسلمين في زنجبار إلى 97%، لدينا منذ أكثر من قرن كاتدرائيتين مسيحيتين رئيسيتين في مدينة زنجبار الحجرية.

  3. لقد أعددت كثيرا من أبحاثي عن زنجبار، ومررت بالعديد من حالات التنافس السياسي والصراعات العرقية مثل الحرب بين العرب العمانيين والحضرميين في الثلاثينيات من القرن الماضي، وانتخابات عام 1961، وثورة عام 1964، الخ. ولكني لم أجد أي صدامات دينية.

    وبقدر ما أستطيع التذكر، فقد اشتعل أول صراع ديني في زنجبار عندما قام المسلمون بمظاهرة ضد البيان الذي ألقته زوجة زعيم سياسي في منطقة "صوفيا كواوا" والذي أشار إلى أن قوانين الشريعة الإسلامية يجب أن تتغير.

  4. وفى العقود الأخيرة، استوردت زنجبار بعض الخلافات الدينية على أيدي الطلاب الذين أرسلوا للمملكة العربية السعودية للدراسة، وعادوا يحملون أفكارا متزمتة تدعو لتغيير ممارسات غيرهم من المسلمين في زنجبار، وكانوا يصفون الكثير من تلك الممارسات بالبدع.

    وعلى الرغم من أن هذا قد أدى إلى التوترات في زنجبار، فإننا يجب أن نشير إلى أن الصراع كان داخل المجتمع الإسلامي بين المتزمتين والمسلمين التقليديين، ولم يكن موجها ضد المسيحيين أو الهندوس، ويبدو أن هذه التوترات قد قلت الآن مقارنة بالوضع منذ خمسة عشر عاما.

  5. ولكن يجب أيضا أن نلاحظ مصدرا آخر للتوترات التي تعرضت لها زنجبار، ففي العقدين الأخيرين، كانت هناك سلسلة من الحملات الصليبية التي شنها المسيحيون الأمريكيون المتشددون (الأصوليون) على الجزء الرئيسي من البلاد -كحملة نوفمبر الصليبية، وحملة عيد الفصح .. الخ- والآن تذكر المسلمون كيف كانت الحملات الصليبية التي شن فيها الغرب الحرب ضد الإسلام، وعندما استخدم الرئيس بوش هذه الكلمة (الحملات الصليبية) بعد 11 سبتمبر، أثارت احتجاج العالم الإسلامي لدرجة أنه اضطر إلى أن يسحبها.

  6. حدث هذا في إطار 11 سبتمبر، والحرب في أفغانستان والعراق، وأم المعارك، والحرب ضد الإرهاب التي تفرم كل شيء في طريقها، وهذا على قمة الجرح المتقيح القديم للفلسطينيين الذين أحيوا الذكرى الستين للنكبة، أو الكارثة، عندما طرد ملايين الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، من أرضهم وعاشوا منذ ذلك الحين في معسكرات اللاجئين، ولإضافة ملح للجرح، جاءت الرسوم الدنماركية (المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم)، والنظر إلى المسلمين في الغرب كشياطين.

  7. كل هذا أثر على المسلمين في زنجبار أيضا؛ فهم يشعرون أنهم جزء من مجتمع إسلامي عالمي يتعرض بشكل مستمر للاضطهاد، وهذه ليست مشاعر أقلية صغيرة من المسلمين الراديكاليين.. لقد أعجبني رد الفعل العنيف لكثير من المسلمين المعتدلين عندما شاهدوا القمع الذي تعرض له البوسنيون والكوسوفيون، لا أقول إنني أتفق معهم فنحن نعلم أن كثيرًا من المسيحيين والقوى الغربية تدخلت في البوسنة وكوسوفا لنجدة المسلمين، ولكن بعض المسلمين فقدوا الإيمان في إمكانية تحقيق العدالة في هذا العالم.

  8. ولهذا إذا أردنا أن نسأل: "ماذا حدث للتسامح الديني المعتاد في زنجبار؟"، فلن يكون كافيا أن نلوم الوهابيين أو أسامة بن لادن وحدهم، وأنا لا أتفق مع كليهما، ولكن لا أستطيع أن أطرح مشاعر المجتمع الإسلامي العالمي بعيدا وكأنها غير موجودة؛ فعلينا أن ننظر للصورة كاملة، والموقف العالمي الحالي، ومعاملة المضطهدين، أينما كانوا، ومن أي ديانة كانوا، ونحاول أن نقيم مجتمعا أكثر عدالة، من أجل عالم أكثر عدالة.

    تدور مناقشات بين أتباع أكثر من ديانة الآن وكأن هناك "مشكلة إسلامية"، إلا أن المشكلة أوسع، وتشمل المسيحيين وليس فقط المسلمين الأصوليين (المتشددين)، والآن هناك "الأصولية العلمانية" في أوروبا والتي تمنع السيدات المسلمات من ارتداء غطاء للرأس، ولكنها زائفة إذ تستثني المسيحيين فتسمح لهم بارتداء صلبان صغيرة.

  9. وقد رسخت زنجبار وغيرها من المدن الساحلية حول المحيط الهندي عادة التسامح العالمي والديني على مدى مئات السنين، وواجبنا، سواء أكنا مواطنين من زنجبار أو أجانب، مسلمين أو غير مسلمين، أن نرسخ ونغذي هذه العادة، وهذا يمكن أن يحدث إذا احترمنا ديانات وثقافات بعضنا البعض.

  10. وأود أن أختم بمثال أخير من زنجبار، حيث يوجد معبد هندوسي على بعد 100 متر فقط خلف قصر سلطان زنجبار الذي ينتمي إلى طائفة العبادي، وقد اعتادوا أن يدقوا أجراسه مع شروق الشمس منذ نعومة أظفاري، وطوال حياتي لم أسمع أي شخص، ولا حتى السلطان يشكو من هذه الأجراس، فقد كنا نتعامل معها كأمر عادي في مجتمع عالمي مفتوح، والآن افتتح أحد الغربيين مطعما على سطح منزل يبتعد 100 متر عن الجانب الآخر من المعبد، ويغلق أبوابه مع شروق الشمس، وقد صدمت عندما ذهبت إلى هناك حيث انفجر مالك المطعم عندما بدأت الأجراس تدق قائلا: "كل يوم نرتدي بذلنا لنرى الشروق، وهم يدقون أجراسهم، والأجراس أيضا ليست متناغمة"، لقد صعقت إلا أنني لم أكن أريد أن أجادله، ولكني تساءلت: كيف يمكن ألا يشكو السلطان العبادي المتزمت مطلقا من الأجراس، ويجرؤ هذا الغربي المفترض أن يكون متسامحا على الاعتراض على حرية التعبير الديني للهندوس؟.


مدير تنفيذي لمعهد بحوث المحيط الهندي - زنجبار 

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم