English

 

السبت. مايو. 31, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

جوانتانامو.. الجريمة والمجرم والمحاسبة

نبيل شبيب

Image

في كتابه الحديث الصدور عن سياسة الخداع المتجذر في سياسات بوش الابن، كانت كونداليزا رايس ممّن تناولهم سكوت ماكليلان بسهامه، وهو من المطّلعين بعمق على الحكومة الأمريكية من الداخل بحكم عمله ناطقا باسم الرئاسة الأمريكية لأعوام عديدة.

والناطق الرسمي، أي الوجه الخارجي لترويج السياسات الرسمية بالتركيز على جانب والتهوين من آخر، وبالتكتم على أمر واختلاق آخر، لا بد أن يطّلع على كلّ شيء، ليحدّد "الشيء" المطلوب إعلانه رسميا. وقد كان محور كلامه عن رايس أنّها امرأة قادرة على تبرئة نفسها في الملمّات الشديدة ببراعة فائقة.

ومن تابع صياغة تصريحاتها يدرك ما يعنيه ذلك، وربما اشتهر من ذلك حديثها مثلا عن "الفوضى الخلاقة" التي ظهر أنّها "هدّامة" إلى أبعد الحدود، ولكنها في خدمة مسيرة عسكرة الهيمنة الأمريكية، وشبيه ذلك حديثها عن "شرق أوسط جديد" وكان يعني التطلع إلى هدف إعادة رسم خارطة المنطقة، وهو ما وجّهت المقاومة اللبنانية إليه ضربة شديدة وإن لم تكن مميتة. كونداليزا رايس كان من أواخر تصريحاتها ذات الصياغة البرّاقة لمضمون خطير قولها: "إنّه لا يوجد انتهاكات لحقوق الإنسان داخل معتقل جوانتانامو"، في محاولة ساذجة ظاهريا لتبرئة أمريكا من عارها التاريخي المتجسّد في جوانتامو.

إيجاد جوانتانامو هو الجريمة

إن الاكتفاء بالخوض في حوار عسير طويل، وإن كان ضروريا، عن ارتكاب انتهاكات داخل المعتقل أو عدم ارتكابها، ثم ما حقيقة حجمها، إضافة إلى قابلية الانزلاق في جدل حول كيفية تعريف الانتهاكات، وما يمكن اعتباره "مقننا" بحكم التعليمات الرسمية الأمريكية وغير مقنن، وما مشروعية مثل ذلك التقنين، وهو لا يحوّل الباطل حقا، ولا الجريمة إلى عمل مشروع، ناهيك عن الاكتفاء بإدانات متفرّقة لتلك الانتهاكات، وربما قضاء سبع سنوات قادمة في محاولة للوصول إلى إدانتها رسميا ودوليا بعد مضي سبع سنوات على ارتكابها رسميا بصورة مستمرة، وفضلا عن الاكتفاء بطي صفحة جوانتانامو إذا أغلق، بل حتى إيقاع بعض العقوبات الرمزية على هذا المسئول المباشر أو ذاك.. جميع ذلك يبقى موقفا جزئيا يتحوّل إلى تزوير إجرامي عند الاكتفاء به، بتحويل الأنظار عن جوهر القضية.

إنّ جريمة جوانتانامو بالمنظور القانوني والمنظور التاريخي والمنظور الإنساني هي جريمة إيجاده وتشغيله من حيث الأساس ، وتبقى هذه الجريمة قائمة وصارخة، حتى ولو كان من قبيل "فندق بخمس نجوم".

لا ينبغي التمويه على هذه الصورة الثابتة، ولا ينبغي تجاهلها، ولا التمويه أو التجاهل على صعيد ما يترتب عليها، وممّا يترتّب عليها أنّ المسئول عن ارتكاب هذه الجريمة هو أعلى مسئول سياسي رسمي في الولايات المتحدة الأمريكية. ويشاطره المسئولية معاونوه السياسيون والعسكريون، وكل من ساهم في المماطلة عاما بعد عام، بمن فيهم وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، وكذلك الجهاز القضائي الأمريكي، بامتناعه لفترة طويلة عن اتخاذ أي خطوة فعالة لوقف الجريمة فور ارتكابها العلني، أي من اللحظة الأولى، فقد كانت من الجرائم التي لا تستدعي انتظار "انكشاف أمرها"، ولا أمر من يرتكبها عمدا وعلنا ومتلبّسا بالجرم المشهود.

من مرتكب الجريمة؟

جريمة جوانتانامو هي جريمة "دولة"، أي جريمة الجهاز الحاكم في تلك الدولة. وإن تفاوتت درجات مسئولية أفراده فإنّما تتفاوت على قدر تفاوت حجم صلاحيات صناعة القرار ومواقعهم من المشاركة فيه، ولا ينقطع هذا المسلسل حتى المستويات الأدنى لتنفيذ القرار، مع علم من ينفذ بأنه يخالف القوانين الدولية والأمريكية، العامة والإنسانية، وهذه قاعدة قانونية دولية اتّبعت منذ أول صيغة لمحاكمات دولية على مثل تلك الجرائم بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي عُرفت بمحاكمات نورنبيرج.

إن إقدام جهاز قضائي دولي على محاسبة بعض كبار الضبّاط من الجيش الصربي وكبار الساسة الصرب حتى مستوى رئيسهم ميلوسوفيتش، حول مسئوليتهم عمّا ارتُكب من جرائم حربية وجرائم ضدّ الإنسانية أثناء الحرب العاتية في البلقان، كان على أساس إصدار الأوامر، أو العلم بما يجري وعدم منعه، أو ما شابه ذلك.

وإن إقدام جهاز قضائي صوري مصطنع في ظل احتلال غير مشروع وحكومة منبثقة عنه، على محاسبة صدام حسين وأقرانه في السلطة العراقية، من ساسة مدنيين وضباط عسكريين، حول مسئوليتهم عمّا ارتُكب من جرائم ضدّ الإنسانية أو جرائم حربية، كان على أساس إصدار الأوامر أو العلم بما يجري وعدم منعه، أو ما شابه ذلك.

هاتان الصورتان التطبيقيتان من العصر الحديث، على التفاوت فيما بينهما، لا تختلفان من حيث العناصر الأساسية لهما، وما قيل بالاعتماد عليه بالمنظور القضائي فيهما، عن الصورة التي لا تزال بعيدة المنال على أرض الواقع، ليس بسبب اختلافٍ في المعطيات القانونية الدولية ، بل بسبب اختلاف في المواقع الآنية بموازين شرعة الغاب، أي تحكيم القوة في صناعة القرار الدولي، فهذا وحده ما يمنع المحاسبة القضائية الدولية لجورج بوش الابن ومعاونيه، من ساسة مدنيين وضباط عسكريين، حول مسئوليتهم عمّا ارتكب من جرائم ضدّ الإنسانية أو جرائم حربية، على أساس إصدار الأوامر أو العلم بما يجري وعدم منعه، أو ما شابه ذلك.

عنوان لسلسلة جرائم

معتقل جوانتانامو هو العنوان الأوّل، وما زالت الجريمة مستمرة.

سجن أبو غريب هو العنوان الثاني وما زالت جرائم مشابهة تحت عنوان "المعتقلات السرية" مستمرة.

اغتيال الإنسان العراقي والإنسان الأفغاني والإنسان الصومالي والإنسان الفلسطيني، جرائم لها عناوينها بدءا ببغداد والفلوجة والحديثة وأخواتها، مرورا بكابول وأخواتها ومقديشو وأخواتها وغزة ورفح وجنين وقانا وبقية المسلسل الفلسطيني تنفيذا لسياسة أمريكية مباشرة أو دعما علنيا لسياسات وممارسات إسرائيلية مباشرة، ناهيك عن جرائم القتل الفردية للخصوم عبر الاغتيالات، ليس لرؤساء دول كما كان مع صدام حسين فقط، بل لزعماء المقاومة المشروعة ضدّ الاحتلال، ممّا بلغ في فلسطين الدرك الأسفل في تاريخ الاغتيال السياسي، أي جريمة القتل بهدف سياسي وعسكري عدواني محض.

معتقل جوانتانامو مثال على سواه، وقد أصبح - غربيا - مثالا صارخا لأنه أصبح من علامات الخزي الشديد في العالم الغربي، والتشكيك المطلق في الصورة التي يريد نشرها عن أساس وجوده الحضاري، وما يروّج له من نظام حياة ديمقراطي، من أعمدته الرئيسية كما يوصف: سيادة القانون واستقلال القضاء.. هي جريمة يجري تنفيذها المتواصل باسم سياسة غربية، داخل نطاق أرض تسيطر عليها دولة غربية، واستخدمت في نقل المعتقلين من المعتقل وإليه مطارات وأجواء غربية وتصريحات ساسة مسئولين غربيين، وقد تجاوزت فضيحته بالمنظور القانوني الدولي وبالمنظور السياسي والإعلامي، قابلية التمويه عليه بكلمة عابرة، ككلمة رايس عن عدم انتهاك حقوق الإنسان وراء القضبان.

إن وجود معتقل جوانتانامو هو الجريمة، وإيجاده هو عملية ارتكاب الجريمة، وكل ما جرى ويجري فيه يضيف المزيد من الجرائم في سجل المسئولين عن إيجاده، وأولهم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.

الموانع من المحاسبة على الجريمة

المحاسبة القضائية المباشرة بعيدة المنال بمفعول شرعة الغاب، ومن أسباب استبعادها:

1- الحرص على موقع الدولة الأمريكية عالميا أكبر عند السياسيين والقانونيين فيها من الحرص على سمعتها الدولية، ناهيك عن الحرص على قانون دولي وإنساني، وهذه صفة نجد ما يماثلها بصورة مصغرة عند الدولة الصربية مثلا، وهي تمتنع ما استطاعت إلى ذلك سبيلا عن تسليم المتهمين بارتكاب الجرائم للمحاكمة العلنية. ولم نجد حرصا مشابها على موقع الدولة العراقية عندما وجدت المحاكمات فيها من شارك في اصطناعها وتحويلها إلى مهزلة، من ساسة أو من ينتسبون إلى السياسة، من داخل العراق.

2- الحرص في الدول الغربية على موقع الغرب عالميا أكبر أيضا من الحرص على إزالة الأدران التي يرصدون تأثيرها على سمعة المسيرة الحضارية الغربية، فهم يبحثون عن إزالتها بكل وسيلة أخرى ممكنة، ولكن ليس على حساب رئيس غربي، وبالتالي على حساب الموقع الغربي السياسي وغير السياسي المهيمن عالميا. ولم نجد حرصا مشابها على مستوى المجموعة العربية والإسلامية في التعامل مع رئيس دولة العراق ودولة العراق من بين دول هذه المجموعة، فلا غرابة أن يصبح العراق منطلقا لصناعة الفوضى الهدّامة في معظم تلك الدول.

3- الخلل الكبير القائم في المنظومة الدولية منذ نشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، عبر تغييب وجود جهاز أعلى للحكم على مشروعية ما يتقرر من سياسات ويعقد من معاهدات، سواء بقيت له سلطة أدبية محضة، أو اقترن بآلية تطبيقية لما يراه بصورة تتجاوز توازن القوى الدولية وتحكيمها في قضايا الأمن والسلم العالميين بأسلوب لا يختلف عن أسلوب شرعة الغاب في حصيلته، أي استثناء الأقوى من الملاحقة، وملاحقة الأضعف، وبالتالي استحالة التثبّت القطعي من تطبيق العدالة عليه مقابل عدم محاولة تطبيق العدالة أصلا على الأقوى. مثل هذا الخلل الجذري لا يسهل استيعاب وجوده عالميا، من جانب من يحمل الذاكرة التاريخية المعرفية في الدائرة الحضارية الإسلامية، فهنا لا تغيب عن الوعي الفردي والجماعي قاعدة (القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له).

بين تغييب المحاسبة وتغييب الجريمة

صحيح أنّ المحاسبة القضائية المباشرة لمرتكبي جريمة جوانتانامو، الرمز الأشهر من سواه، وسواها من الجرائم المرتكبة والجاري ارتكابها، ولكن لا ينبغي أن تغيب المحاسبة الفكرية والأدبية والمعنوية بكل الوسائل الممكنة، ولا أن يجري تمييعها أو التهوين من شأنها.

ما زالت مذبحة دير ياسين في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني حية، وما زال لها مفعولها بعد ستين سنة من ارتكاب الجريمة، وهو ما يمثل جذوة إلى جانب سواها في استمرارية الحرص جيلا بعد جيل على إعادة الحق إلى نصابه، وقد كانت دير ياسين من بين مئات المذابح الوحشية الأخرى، رمزا للباطل وجرائمه.

ويجب أن تبقى جريمة جوانتانامو في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني حية، وأن يبقى مفعولها جذوة تنتقل عبر استمرارية الحرص من جيل إلى جيل، على أن يعود الحق إلى نصابه، وذاك ممّا يسري على جوانتانامو تخصيصا لطبيعة الجريمة وتشعبها واستمرارها مع سابق العمد والإصرار عليها، ولانتشار الوعي بحقيقة الجريمة وأبعادها عالميا، مع أنها واحدة من جرائم عديدة سبقتها ورافقتها وتبعتها وسببت من الضحايا والآلام ما لا ينقطع مسلسله حتى الآن.

ويجب استمرار الإصرار على المطالبة دون مساومة، بمحاسبة المسئولين عن ارتكاب الجريمة ، فذاك ما يساهم في صنع المفصل التاريخي الذي يمكن أن يؤثّر على نوعية العلاقات الدولية والبشرية مستقبلا، ويرجّح أن يشكل عاملا رادعا عن مزيد من الجرائم التي رافقت مسيرة الهيمنة الأمريكية عالميا.

ولا يكفي من ذلك ما قد يسعى إليه مسئولون أمريكيون وغربيون، من قبيل إغلاق المعتقل، وإدانة إقامته، ومحاسبة بعض صغار المسئولين عنه، أو الحديث عن إجراءات جديدة على المستوى الغربي لمنع تكرار الجريمة، فجميع ذلك يحوّل هذه المرحلة التي تشهد مقدمات انكسار الهيمنة الأمريكية غير المشروعة عالميا، إلى مجرد "نكسة" من قبيل ما كان بعد حرب فييتنام وانكشاف فظائعها وما ارتكب خلالها من جرائم رهيبة.

جوانتانامو ومستقبل الأسرة البشرية

إنّ جريمة معتقل جوانتانامو تمثل بطبيعتها نقطة التقاء على مستوى إنساني يخترق الحدود السياسية وغير السياسية ما بين الدول، وما بين شمال وجنوب، وما بين اتجاه واتجاه، وهي الأصلح من سواها لتحويلها إلى نقطة التقاء لا يُكتفى فيه بحملات توعية على مستوى الرأي العام الإنساني المشترك، تحت عناوين الرفض والإدانة، من دون العمل على تحويل الكلام إلى ضغوط، والمواقف إلى إجراءات، واعتبار المدخل إلى نظام دولي عادل هو إزالة الأسباب القائمة من وراء الظلم والتمييز والاستغلال والهيمنة في النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمة هذه الأسباب افتقاد قاعدة محاسبة القوى الأكبر عالميا كمحاسبة سواها وفق قاعدة المساواة بين دول العالم كما ثبتها ميثاق الأمم المتحدة نظريا، ولم تجد التطبيق على أرض الواقع إلى اليوم.

آنذاك لا تفعل كلمة تمييعٍ مفعولها من قبيل ما قالت به رايس عن معتقل جوانتانامو، ولم تكن منفردة بهذه المحاولة فقد سبقها كثيرون من العالم الغربي بعناوين مختلفة، ومن ذلك القرار الأول الصادر عن المحكمة العليا الأمريكية عام 2004، عندما أنكر أن يكون المعتقلون "محاربين دون حقوق" كما أرادتهم حكومة بوش الابن، ولكن تركت المحكمة مصير التعامل معهم بيد سجانيهم وضحية مزيد من المراوغة السياسية حولهم، ومثال ذلك قول فولجانج تيرزي، رئيس المجلس النيابي الألماني في حينه (عام 2006) "إنّه أخذ علما بارتياح أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال دولة قانون"، تعليقا على موقف محدود آخر صدر عن القضاء، ولم يصل إلى درجة منع استمرار جريمته بعد مضي أربع سنوات على الشروع في ارتكابها.

إن سياسات السنوات الثماني من عهد بوش الابن وممارساته العدوانية خلالها أوصلت علاقة الولايات المتحدة الأمريكية ببقية العالم إلى مفترق طرق، إما أن يُبنى عليه الآن ليكون نهائيا في صناعة تحوّل جذري في العلاقات الدولية، أو يتم تمييع ما ارتُكب من جرائم، فتمضي فترة زمنية أخرى قبل أن يظهر مفترق طرق جديد يمكن أن يزيل الخلل في العلاقات الدولية ليعود بالخير على مستقبل الأسرة البشرية.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات