English

 

الثلاثاء. مايو. 27, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الجامعة وقطر ولبنان.. مقاربات ومفارقات

إبراهيم غالي

هل وحدت الدوحة لبنان؟
هل وحدت الدوحة لبنان؟

لا يخلو مشهد توقيع اتفاق الدوحة من مفارقات عدة، تبدأ من الدهشة لاتفاق فرقاء لبنان بعدما ظنً الجميع أن لقاءات الدوحة لن تكون أفضل من كل مساعي الحل السابقة التي باءت بالفشل إزاء تعنت كل فريق وتمسكه بمطالبه حتى الرمق الأخير، مرورًا بنجاح الجامعة العربية في احتواء صراع سياسي داخلي في بلد عربي بعد فشل الدبلوماسية الفرنسية في إيجاد مخرج لهذا البلد، وصولاً إلى خروج الاتفاق من قلب العاصمة القطرية الدوحة.

مفارقات على المستوى الكلي

ودون التقليل من إنجاز الجامعة العربية، بل وتوجيه التحية لأمينها العام الذي ثابر حتى في اللحظات الحرجة وعانى مرارة الإخفاقات وذاق حلاوة الاختراقات، ولكل من مصر والسعودية وسوريا؛ إذ نأوا بأنفسهم عن المشاركة في اللجنة الوزارية العربية أملا في إبعاد فرقاء لبنان عن أجواء التوتر العربي والإقليمي والسجال الدولي، فإن ما حدث في الدوحة لا بد وأن ينظر إليه في سياق مقاربة إقليمية ودولية أشمل.

فلم يتصور أحد أن تزول فجأة وطأة التدخلات الخارجية وأن يرفع الجميع أيديهم عن لبنان، أو أن يكون فرقاء لبنان نزلوا فندق شيراتون الدوحة وألقوا وراء ظهورهم ارتباطاتهم الخارجية ليدخلوا العهد الجديد.

فاتفاق الدوحة قد ارتبط ولا شك بالسياق المحيط، حيث الإعلان عن بدء مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل في أنقرة بوساطة تركية، أخذا في الاعتبار تحالف سوريا مع طهران التي لا تكف عن إصدار خطابات تهدد بإزالة إسرائيل. وليس بعيدا عن ذلك تصريح الرئيس الأمريكي مؤخرا من أن بلاده ليست بصدد الحرب على إيران، إلى جانب استبعاد قدرته داخليًّا على خوض حرب أو توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية في الأشهر القليلة المتبقية من ولايته.

هكذا تظهر المفارقة العربية على المستوى الجمعي، إذ لا تعمل السياسة العربية الكلية باعتبارها تمثل نظامًا إقليميًّا منفصلا له مصالحه الخاصة بعيدًا عن الأهواء الإقليمية والدولية. وفيما يبدو لم تنجح الجهود العربية إلا على واقع حلحلة إقليمية ودولية لن تجعل صيف لبنان أو المنطقة ساخنا كما اعتقد الكثيرون منذ مطلع العام 2007 بعد أن فشل على ملأ الأسماع والأبصار مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبعد أن باتت الحوافز والعقوبات غير المجدية هي سياسة أمريكا وأوروبا المعتمدة في التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني.

وتبدو للعيان كذلك معالم المفارقة السورية في لعبة سياسة خارجية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، كانت أكبر من الحجم السوري بكثير، لكنها سياسة نجحت في التماسك عبر اللعب على الوتر الإسرائيلي، تارة بالتلويح بعدم العجز عن خوض الحرب، وتارة بالإعلان الصريح بالقبول ببدء التفاوض مع الإسرائيليين دون شروط مسبقة.

قطر.. والراديكالية/ المعتدلة

ولا يخلو اتفاق اللبنانيين في دولة قطر تحديدًا عن البحث في أسباب نجاح الدوحة دون سواها، أولا في جمع قادة لبنان السياسيين من الصف الأول لأول مرة منذ تعليق حوارهم الوطني في بيروت في يونيو 2006، وثانيا في عودة الفرقاء لوطنهم تزامنا مع عودة حياة بيروت لطبيعتها مع رفع خيام المعتصمين وفرحة طاغية ملأت الشارع اللبناني.

وصحيح أن الجامعة العربية واللجنة الوزارية العربية مجتمعةً يؤول الفضل لهما في عودة الحوار اللبناني، وصحيح بالمثل عدم الانفصال بين ذلك وبين الأجواء العربية والإقليمية والدولية بل والداخلية اللبنانية، لكن المفارقة تبدو في أوجه التشابه بين تشعب ارتباطات اللبنانيين الخارجية، وتشعب علاقات قطر إقليميا ودوليا.

فالاتفاق خرج من دولة تثق بها المعارضة كلية، وتحديدًا حزب الله، بعد أن كانت من الدول التي أيدت حزب الله في اجتماع وزراء الخارجية العرب عقب الحرب الإسرائيلية على لبنان، وكان وفدها أول وفد دولة عربية يزور الجنوب اللبناني بعد يومين من انتهاء الحرب. كما لا تشكك الأكثرية بالمثل في الحياد القطري إزاء أطراف الصراع السياسي الداخلي.

ويلاحظ أن قطر تضم قناة الجزيرة إلى جوار مقر القيادة المركزية للقوات الأمريكية منذ العام 2003، وتقيم علاقات قوية مع الأمريكيين، ومع الإيرانيين والسوريين، وتقبل باتفاقات السلام مع الإسرائيليين. ولعل ذلك قد مكَّن القطريين من مباركة الآخرين لهذا الاتفاق أو على الأقل تحييدهم، وهو الأرجح، حتى تم الوصول لهذه الصيغة التي تراضى عليها اللبنانيون.

وتحتفظ قطر بعلاقات عربية متميزة أهّلت لهذا الحضور القطري على ساحة الخلافات العربية، كما ظهر في الحالتين السودانية والفلسطينية سابقا، وذلك من دون التضخيم في حجم الدور القطري بل والإعلان الصريح الذي جاء على لسان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لدى افتتاح حوار الدوحة الأخير عن أن "قطر بلد يعرف حدوده، ولا يسعى لدور يفوق طاقته، لكنه يطمح أن يكون ساحة لقاء للنوايا الحسنة تفتح الباب لحوار مفيد".

وفقا لذلك، هل تقدم قطر نموذجًا جديدًا مختلفًا عن تقسيم وصفه الغرب لنا وصدقناه، بين محور للمعتدلين وآخر للراديكاليين؟... السؤال بحد ذاته يحمل مجموعة إشكالية من التساؤلات التي تحتاج إلى إعادة صياغة المفاهيم والإدراكات والقناعات الثابتة، ومنها: لماذا رسخ في أذهان الرأي العام العربي أن "المعتدل" هو من يقبل التفريط ويلتصق بالأمريكيين ومن شابههم، وأن "الراديكالي" أو "الممانع" هو من يحارب هؤلاء ونظرائهم؟ ولماذا كل ما هو إسلامي متشدد، وكل ليبرالي وعلماني خائن، وكل قومي صادق؟.

ويمكن القول إن من يتأمل هذا الحضور القطري أو تلك الدبلوماسية القطرية يلحظ أن ثمة أنموذجا ثالثا ربما يوصف بأنه الراديكالي/ المعتدل. وهو نموذج مبني على إدارة اللعبة السياسية الخارجية وفقا لكيفية تحقيق المصالح السياسية والإستراتيجية، وليس نموذجا يستند لاعتبارات دينية أو مذهبية أو نزعات ثقافية وضعها لنا منظر صراع الثقافات "صمويل هنتيجتون"، وعلى ضالتها سارت سياسات أمريكا العالمية في القرن الحادي والعشرين.

جامعة تشبه لبنان

أما على مستوى الجامعة العربية، فإنها ولا شك قد حققت اختراقا كبيرا وأكدت القدرة على الحضور السياسي بل ونجحت فيما عجزت فيه دبلوماسية ساركوزي وأوروبا أيضا في إخراج لبنان من دائرة كادت تودي به لحرب أهلية جديدة.

بيد أن ذلك لا يمنع أن ثمة أوجه شبه عديدة بين النظام العربي، ممثلا بالجامعة، وبين النظام اللبناني ذاته، وأن ذلك التشابه وإن أجبرت عليه الدولة اللبنانية المتعددة الطوائف والمذاهب، فالنظام العربي غير مضطر إليه إن أراد أن يكون نظاما إقليميا حيويا يمثل مصالح أعضائه ويعبر حقيقة عن شواغل المواطن العربي، مع ملاحظة أن فاعلية الجامعة هي مجموع فاعلية الدول المكونة لها.

ومن بين أوجه التشابه الهيكلي، أن لبنان يسير وفق نظام الديمقراطية التوافقية، ما يستلزم التوافق بين كل مكوناته السياسية والطائفية، فيما يشبه قاعدة الإجماع المعمول بها في قرارات الجامعة العربية.

وعمليا، فالنظام العربي برمته محكوم عليه بأحادية أو ثنائية أو ثلاثية قيادية تشكل إطار عمل النظام ككل، فتارة لا فائدة من قمة عربية بدون الرئيس عبد الناصر، وأخرى لا شيء يرجى من قمة لا يحضرها الملك فيصل بن عبد العزيز، وثالثة لا قمة إن لم يكن على رأسها الرئيس حافظ الأسد.. وبذلك ارتبط النظام العربي منذ نشأته بدور الدولة -أو الدول- القائدة في النظام. ويشبه ذلك لبنان في أن الطائفة الأكثر عددا وأكثر مهارة في إدارة شؤونها هي من تتحكم في صلب النظام السياسي في حالة الأزمات الكبرى أو غياب التوافق.

وتماما يبدو هذا الفارق بين الجامعة العربية وبين الاتحاد الأوروبي ككيانين إقليميين، هو ذات الفارق بين ديمقراطية لبنان -والعراق حديثا- التوافقية وبينها في سويسرا وبلجيكا، ما يستدعي التوقف طويلا لإعادة صياغة أسس العمل العربي المشترك وبناء النظام العربي الإقليمي على ثوابت جديدة، وهذا ما لا يبدو مستحيلا في المرحلة الراهنة.

مفارقات لبنانية

أما الرواية اللبنانية الراهنة، فيبدو أن عقدها اكتمل لينضج الحل طاويا نهاية حلقة أولى من سلسلة روايات بوليسية مثيرة وممتدة، ما يلبث قاصها أن ينتهي من مغامرة حتى يدخل في أخرى.

فكم هي مفارقة أن يمر لبنان بحالة فوضى أمنية ومجتمعية وأحداث اغتيالات وصدامات متفرقة وقذائف سياسية لاذعة وحرب ضد أصولية متطرفة ويرفض ساسته كل مبادرات الحل، ثم لا يجتمعون على طاولة واحدة إلا بعد أن تخطئ الحكومة في اتخاذ القرارين المتعلقين بشبكة اتصالات حزب الله وبإقالة اللواء وفيق شقير من منصبه مديرا لأمين المطار، ليقابل حزب الله، الطرف الأقوى في المعارضة، الخطأ بخطأ أكبر منه فيوجه سلاحه للداخل ويعتقل بيروت داخل سواتر وحواجز ترابية.

وكأن اللبنانيين أرادوا اكتمال العقدة المستعصية حتى يخرج منها الحل الدرامي، وليقتنعوا أنهم وحدهم القادرون على الحفاظ على صيغة العيش المشترك وإعمال ديمقراطيتهم التوافقية ونموذجهم الخاص.. وبالتالي لماذا كان كل هذا الصخب وهذا النسيان لدروس التاريخ القريب ومرارات الماضي البعيد، والانغماس من كل فريق عمدا في دوائر تجاذبات عربية وإقليمية ودولية أنتجت مزيدا من آلام نفسية للبنانيين على خلفية تكرار الصدامات بين أنصار الأكثرية والمعارضة منذ بداية العام الفائت؟.

ولماذا فجأة تواضعت الأكثرية، فوهبت المعارضة الثلث الضامن فجأة، ولماذا لأول مرة يوقع حزب الله، وفي إطار صيغة عربية، على بند يتعلق بحصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين في يد الدولة بما يضمن سلامة اللبنانيين كافة، مع تعهد الأطراف بذلك، وبتطبيق القانون واحترام سيادة الدولة؟.

هنا تحديدا ليست هناك مفارقة، بل هي أصول اللعبة السياسية كما عرفها اللبنانيون. فالأكثرية وتحديدا تيار المستقبل، بادل الثلث الضامن بانتخاب العماد سليمان رئيسا لمدة ست سنوات كاملة، في انتظار حكومة جديدة ستتشكل بعد انتخابات مارس 2009. وحزب الله قدم نوعا من التنازل غير القابل للتطبيق، مداواة للجرح الكبير، وإقناعا للكافة أنه مع سيادة الدولة اللبنانية، لكن شروطه ستبقى موضع خلاف داخلي كبير سيتضح مع جلسات الحوار الوطني بعد انتخاب العماد ميشال سليمان.

وبرغم لعبة السياسة هذه، فإنه قد ثبت أنه في لبنان رجال دولة. من أبرزهم، وليس على سبيل الحصر، النائب سعد الحريري عن قوى 14 آذار إذ تصرفت كتلته النيابية وطائفته بحكمة على خلفية أحداث بيروت الأخيرة، وعن قوى المعارضة العماد ميشيل عون الذي أكد أنه ما كان يسعى لمنصب الرئاسة بقدر ما يسعى لمحاولة إيجاد تمثيل ملائم للمسيحيين ولصيغة لبناء الدولة وإيجاد علاقات طبيعية مع سوريا.

وحتى لا ننسى...

فوق هؤلاء جميعا كل من وقف محايدا في هذا الصراع السياسي اللبناني الداخلي... فتحية من الجميع لكل القوى المحايدة، وعلى رأسها منبر الوحدة الوطنية - القوة الثالثة برئاسة رئيس الحكومة السابق سليم الحص... وتقدير خاص لمن نسيهما معظم اللبنانيين، وهما النائبان، حسين الحسيني رئيس البرلمان اللبناني الأسبق والنائب بيير دكّاش، اللذان وقفا على الحياد تماما عن كل هذا السجال الذي ارتبط بالشأن الرئاسي.. وكذا لكل من وقف من قوى 14 آذار موقف الرفض لانتخاب الرئيس الجديد بالنصف + واحد، وعلى رأسهم النواب بطرس حرب ومحمد الصفدي وبهيج طبارة.


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات