|
| إخوان الكويت وميزان الانتخابات |
برغم كل الضغوط وبرغم كل الهجوم الذي نالته حدس ودفعت ضريبته من رصيدها ومكتسباتها تبقى حدس رقما هاما في المعادلة السياسية لا يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه. الحضور السياسي في الكويت لا يحسمه العدد والمقاعد في البرلمان فقط وإن كانت مؤشرا يفرض توجهاته على الدولة في تعاملها مع الأطياف السياسية، وإنما القدرة على إدارة الصراع السياسي بعقلية ناضجة ذات نفس طويل وبمشروع إصلاحي تراكمي جامع.
معضلة شعبية الحركة وتراجع الأصوات
ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة في الكويت وحاول البعض أن يسقط نتيجتها على تراجع شعبية حدس لعدد من المواقف تجاه بعض القضايا التي تشعب فيها الاجتهاد، في حين يرى آخرون مخالفة لهذه الفرضية وأن مواقف حدس كانت محل تقدير واعتزاز بل حظيت بقبول واسع في الأوساط السياسية، ومع هذا يبقى الجدل قائما عن الدواعي والأسباب التي شكلت تراجعا في حصة حدس الانتخابية وأراها تكمن في الآتي:
التعامل بحسن نية وسلامة طوية إلى المدى الذي جعل الآخرين أكثر جرأة في الدخول بتحالفات على حساب المعايير الأخلاقية التي حرصت حدس على التزامها لآخر لحظة وليس أدل على ذلك من مماطلة أطراف سلفية لحسم التحالف في بعض الدوائر كسبا للوقت وإذ بالمفاجأة تحول تحالفهم لأطراف أخرى في وقت حاسم على حساب حدس، جرى ذلك في الدائرة الأولى والثانية والثالثة!.
دخول أطراف نافذة في ترتيب التكتيك الانتخابي للتجمع الإسلامي السلفي لم يعد خافيا؛ فقد بات حديث القواعد السلفية، وغدا اليوم نقاشا موسعا خرج عن نطاق السيطرة، وهو بلا شك يستهلك كثيرا من الرصيد الأخلاقي والاعتبار المبدئي الذي لطالما مارست بعض الأطراف السلفية الابتزاز السياسي على أساسه!.
الهجمة الظالمة التي نالت من حدس ورموزها وكان الأولى أن تناقش برامجها ورؤاها وأداء نوابها وأبرز إنجازاتها، لا أن تستخدم الإشاعات الشخصية بشكل سافر وترويج الأكاذيب التي لم تكن تحتاج إلا قليلا من التدبر والتفكير ليدرك أدنى عاقل سخافتها وسذاجتها بل وسطحية من صاغها.
حملة الإشاعات والتشكيك
من أبرز هذه الإشاعات التشكيك في الذمم المالية لنواب حدس وكان الرد صاعقا عندما كشفت حدس ونوابها ذممهم المالية عبر شاشات التلفزة في شفافية عالية ونزاهة متجردة أذهلت المراقبين والراصدين، فلم يجرؤ أحد على فعلها في تاريخ الكويت السياسي ومنحتهم مزيدا من الثقة والمصداقية على غير ما سعى المغرضون!.
ومن ثم حاول بعض المتربصين أن يثيروا اللغط حول الميزانية الانتخابية للحملة الإعلامية لحدس وإذا بالرد الحاسم يأتيهم بكشف جميع مصروفات الحملة وعقودها أمام الملأ وعبر القنوات الفضائية ويكتشف الجميع أن قيمة ما صرفته الحملة على كل نائب لا يتجاوز 62 ألف د.ك وهي أدنى تكلفة يمكن أن ينفقها مرشح للانتخابات البرلمانية في الكويت!.
من المهم أن ندرك كذلك أن إعادة توزيع الدوائر الانتخابية الذي أقره المجلس السابق وتقليصها لخمس دوائر فقط، كانت تقرأ حدس فيه مجازفة ببعض مقاعدها وتراجعا لحظوظ بعض نوابها لكنها قدمت المصلحة العامة على مصلحتها الخاصة أملا في توسيع دائرة المشاركة، ورأت فيه مدخلا للإصلاح السياسي وقضاء على بعض السلبيات التي شابت الدوائر الخمس والعشرين السابقة من شراء الأصوات والتحالفات التي كان طابعها قبليا صرفا.
وقد تمثل هذا في الدائرة الرابعة التي قدمت حدس فيها ثلاثة مرشحين من بينهم النائب السابق لرئيس مجلس الأمة د. محمد البصيري والذي حظي باحترام واسع في الأوساط السياسية وقوى المجتمع المدني والنائب السابق خضير العنزي ووجه صاعد هو د. محمد الظفيري وبرغم أن المذكورين ينتمون لامتدادات قبلية مختلفة لكن تسيّد قبيلتين على مقاعد الدائرة العشر ومن منطقة واحدة حرم جميع القبائل والعشائر والانتماءات الأخرى بل وأبناء المناطق الأخرى من أي تمثيل لهم في البرلمان، وشمل ذلك أسماء لامعة كانت حاضرة بقوة في المجلس السابق مع نواب حدس كالنائب السابق محمد الخليفة الذي ينتمي للكتلة الشعبية والإسلامي خالد الشليمي مما أصاب السواد الأعظم من أبناء الدائرة الرابعة بالوجوم!.
الخلل عبر الإعلام
ظهرت التيارات السياسية بل حتى بعض الكتل القبلية في هذه الانتخابات بنسق إعلامي واضح وكانت حدس في الانتخابات الماضية (بنظام 25 دائرة) بدأت هذا النهج مما أكسبها حضورا فاعلا عزز من صورة نوابها الذهنية لدى الجماهير وقد شهدت هذه الانتخابات التزاما من باقي التيارات بالظهور الإعلامي المشترك كالتيار الليبرالي والشيعي وقبائل العجمان والمطران وغيرهم في حين بدت حدس متعثرة في الالتزام بهذا الشكل أحيانا لاعتبارات انتخابية صرفة لكل مرشح مما أوجد خللا في نظري للصورة العامة الإعلامية الواجب الالتزام بها برغم توافق الغالب الأعم على الحضور اللافت لدعاية حدس الانتخابية ومرشحيها.
بقي أن أناقش ما تردد على ألسنة البعض من تبرير لموقف تراجع مقاعد حدس بقضية إسقاط القروض التي طالب بها أحد النواب ودفع الشارع لها حتى صدم الجميع بكلفتها على المال العام البالغة 9 مليارات دينار وتشمل المقتدر والمعسر وأنها تغطي شريحة المقترضين دون غيرهم -فما ذنب من لم يقترض- وأن فيها إشاعة للربا وزيادة الجرأة على أخذ المال الحرام من البنوك الربوية فضلا عن عدم عدالتها في استئثار فئة على حساب أخرى وانتفاعها من المال العام وشمول المشروع على إسقاط جميع أنواع القروض حتى أنها شملت التجارية والزراعية والاستثمارية، وبذا أفتى الشيخ عجيل النشمي رئيس هيئة علماء الخليج ولجنة الفتوى بجمعية إحياء التراث السلفية، وكان موقف التيار السلفي أكثر تشددا من حدس في هذه القضية ومع هذا حقق نتائج أفضل انتخابيا!.
الموقف من الحكومة
أما القضية الأخرى وهي استجواب وزيرة التربية نورية الصبيح على إثر تراكم حوادث متفرقة فقد أكدت حدس على مبدئية موقفها وأن مطالبة حدس بطرح الثقة تحكمه إجراءات تعبر عن نضج سياسي متقدم في العمل العام فقد استقرت آليتها على سماع المستجوَب والمستجوِب بعد الاطلاع على صحيفة الاستجواب ومن ثم سماع مرافعة ودفاع الطرفين وبعدها الحكم بالإدانة من عدمها وما يستتبعه من إجراءات طرح الثقة وهي مسألة تقديرية خاضعة لقناعات كل شخص يحكمها ضميره وشهادته مع الله.
وبعد حوارات ونقاشات في أمانة حدس العامة خلصت النتيجة لتجديد الثقة بعد أن اتضح سلامة إجراءات الوزيرة وقوة حجتها ومنطقها في الرد والتبيان على ما جاء في صحيفة الاستجواب ولم يحرف موقف حدس سلبية تعامل الوزيرة مع أحد رموزها د. غازي الرشيدي على إثر تقديم استقالته احتجاجا على تهميش المركز الوطني لتطوير التعليم الذي كان يشرف عليه بمعنى أن الموقف كان عادلا ولم يخضع لاعتبارات مزاجية "اعدلوا هو أقرب للتقوى" بل تم أخذ التزام خطي من الوزيرة على تفعيل قانون منع الاختلاط في الجامعات الخاصة مما يعد مكسبا سياسيا واعتبر التيار الليبرالي أن الوزيرة خذلتهم بهذا الالتزام.
فضلا عن ذلك فإن استجواب الوزيرة جاء على إثر ثمانية استجوابات في هذه الدورة البرلمانية يعتقد كثيرون عدم موضوعيتها، وأنها كانت تشكل حالة تأزيم بين السلطتين وتحدث تعطيلا لأولويات تنموية تحتاجها الدولة مما أفرغ الاستجواب من قيمته الرقابية وأداته الفاعلة في التقويم إلى حالة من حالات الابتزاز السياسي كما يراها البعض وبالتالي كانت هناك مصلحة راجحة في إشاعة أجواء من التهدئة، وقد طالب بها شخصيا رأس السلطات سمو الأمير في لقاء جامع دعا فيه السلطتين إلى التركيز على الإنجاز وإمهال الحكومة فرصة للعمل وقد نقض هذا الكلام في غضون أسابيع!.
وبسبب أجواء التصعيد الدائمة التي كانت حدس في كثير من منعطفاتها عامل تهدئة وقدمت مبادرة رائدة في إعادة ترتيب العلاقة بين السلطتين شكلت اهتماما وتقديرا من المعنيين لتعزيز الإنجاز وإضفاء حالة من الاستقرار السياسي، بل دعت لتشكيل تكتل الإصلاح الذي جمع مختلف الكتل البرلمانية على اثنتي عشرة أولوية تنموية تم التوافق مع الحكومة على برنامج إقرارها الزمني لكن عمرها كان قصيرا، في حين ساهمت أجواء التصعيد والتأزيم المتكررة في عزوف كثير من العقلاء عن التصويت وشكل في بعض الدوائر عزوفا بلغ 20% تراجعا عن نسب التصويت وقد لمسنا هذه الروح لدى عدد غير قليل لانقطاع رجائهم وأملهم في الإصلاح من الحكومة والبرلمان!.
بقي أن أختم بحقيقة ماثلة تقرأ في سياق نتائج حدس التاريخية في الانتخابات النيابية وهي مرتبطة تماما مع سيكلوجية الناخب الكويتي حيث يلاحظ أن حدس تتفوق في انتخابات ثم تتراجع في التي تليها حدث هذا في مرات متكررة وعلى مدى السنوات الممتدة منذ أن دخلت حدس حلبة السياسة وكنت أردد مع بعض الإخوة والزملاء أن هذه الانتخابات وفقا للسياق التاريخي تمثل مرحلة تراجع أيا كان أداء حدس ونوابها في البرلمان والساحة السياسية وكان التحدي الذي يعيشه عدد من رموز حدس عن مدى الحد من تراجع المؤشر فكانت النتيجة إلى حد بعيد لم تكن بالصاعقة التي فاجأت كثيرين إعمالا لهذا الاعتبار!.
أعتقد أن المرحلة القادمة من عمر المجلس ستكون أصعب من سابقها وأن ألغام التأزيم ما زالت تملأ أروقة البرلمان وسيبلغ الصدام مداه وهو ما لا أرجوه وأدعو الله مخلصا أن لا يحدث وأن تتغلب لغة المنطق والعقل على خطاب التصعيد والمواجهة فالحكومة كانت وستبقى في الكويت من رحم الشعب وأثبتت تجارب عديدة حرصها ورغبتها في الإصلاح وإن قصر بها الحال أو قلت فيها الحيلة، ويسع حدس وغيرها أن تعمل في زوايا العمل السياسي الواسعة في الكويت وإن كانت الأنظار مشدودة أكثر لنجوم البرلمان لكنها مع هذا تبقى حدس حركة متجذرة في النسيج الاجتماعي ومتأصلة في روح الوطن.
كاتب وباحث سياسي
|