|
| أزمة مستمرة بعد الاستقالة والانتخابات |
مشكلة الكويت الأساسية التي بسببها اندلعت خمس أزمات بين الحكومة والبرلمان انتهت بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، هي أن الحكومة تريد برلمانا لا يثير أزمات في وجهها كالفساد أو صفقات السلاح، وبالمقابل يثير نواب في البرلمان في وجهها قضايا مفخخة؛ مما يؤدي لأزمة تنتهي بحل البرلمان.
وفي كل مرة تحل فيها الحكومة البرلمان، تسعى لذلك وهي تأمل أن يأتي البرلمان الجديد بوجوه جديدة وتختفي الوجوه المعارضة التي تثير الأزمات، فيحدث العكس ويعود نواب من يسمونهم في الكويت: "نواب التأزيم" وتعود الخلافات بين البرلمان والحكومة ويحل البرلمان مرة أخرى، ويبقى الضحية هو الإصلاح السياسي والاقتصادي؛ لأن الحكومة تظل ترفض استجوابات المعارضة وتحل البرلمان، والمعارضة لا تكف عن إثارة قضايا الفساد والتربح والنفوذ والمطالبة برئيس وزراء من غير الأسرة الحاكمة كي يسهل محاكمته برلمانيا.
والنتائج التي أفرزتها انتخابات مايو 2008 بالكويت لم تغير من أركان هذه المعضلة كثيرا؛ لأن من شاكسو الحكومة في البرلمانات السابقة ورغبت الحكومة في سقوطهم عادوا مرة أخرى مظفرين فائزين، ما يعني أن بذور المشكلة التي تتسبب في حل البرلمانات السابقة لا تزال كما هي، وأن البرلمان الجديد ربما لن يعمر بدوره سنواته الأربع!
فالنائب مسلم البراك صاحب أشهر الاستجوابات عن الفساد في صفقات السلاح والذي تسببت استجواباته في حل أكثر من برلمان واحد عاد فائزا مظفرا على رأس قائمة الدائرة الرابعة، ومثله فاز نواب مخضرمون مثل ناصر الصانع النائب الإسلامي ورئيس "المنظمة الدولية لبرلمانيين ضد الفساد" و"المنظمة العربية لبرلمانيين عرب ضد الفساد".
بذور المشكلات كما هي
القصة ليست بالتالي قصة فوز سلفيين ومضاعفة نتائجهم (9 مقاعد بدل 4) ولا خسارة الإخوان (قائمة حدس) نصف مقاعدهم تقريبا (4 بدلا من 7 مقاعد)، ولا تزايد مقاعد الشيعة (5 بدلا من 4)، ولا في خسارة الليبراليين الذين يتقهقرون من انتخابات لأخرى (4 مقاعد فقط)، وإنما هي تجذر الطابع القبلي للبرلمان (24 مقعدا من 50)، ونجاح القبائل في إيصال غالبية الفائزين، سواء كانوا محسوبين على الحكومة أو المعارضة.
فالذين زكتهم القبائل من المرشحين وصل منهم للبرلمان 24 مرشحا منهم 8 إسلاميين، مقابل 12 نائبا زكتهم التيارات الإسلامية؛ ما يعني أن مجلس 2008 هو مجلس قبائل وليس مجلسا ذا طابع ديمقراطي، وهذا أيضا يعني أن البرلمان الجديد يحمل بذور حله؛ لأن مطالب القبائل-توزيع عوائد الثروة النفطية والقروض وغيرها- هي أمور ترفضها الحكومة، وكانت سببا في الخلاف وحل المجلس السابق.
بل إن فوز معارضين من التيار السلفي بنسبة كبيرة لافتة ومن الشيعة متفوقين على تيار الإخوان المعتدل نسبيا يعطي مؤشرًا آخر على صدامات متوقعة بين هؤلاء وبين الحكومة على خلفية العديد من مشاريع التغريب الثقافي والتعليمي التي يرفضونها.
والأهم أن هذا الفوز للقبليين مع الإسلاميين والليبراليين والوطنيين يشكل أغلبية جديدة للأصوات المعارضة في البرلمان، كما هي في البرلمان السابق؛ مما يزعج الحكومة مرة أخرى.
ولأن نواب البرلمان الكويتي اعتادوا استجواب الوزراء مرارا؛ مما أدى إلى استقالة عدد منهم، كما أن القصر الأميري يرفض غالبا اللجوء لخيار حل الحكومة (التي يرأسها عضو من الأسرة الحاكمة)، ويلجأ بالمقابل لعقاب النواب وحل البرلمان أملا في مجلس جديد أقل نقدا واستجوابا، فالمشكلة ستستمر مع المجلس الجديد ما دام أن الأمير يرفض حل الحكومة أو تعيين رئيس للوزراء من غير الأسرة الحاكمة؛ إذ يرى برلمانيون معارضون أن الحل يكمن في إجراء عملية إصلاح داخل عائلة الصباح الحاكمة، وتعيين رئيس وزراء من خارج آل الصباح، كحل يسهل معه محاسبة الحكومة برلمانيا بدلا من حل البرلمان، ويطالبون بإصلاح النظام السياسي الكويتي بشكل جذري وخصوصا عبر تشريع إنشاء الأحزاب التي لا تزال محظورة في الكويت.
ويبدو أن السؤال الذي يتردد غالبا في أعقاب كل أزمة بين الحكومة والبرلمان ثم حل البرلمان الكويتي كما للبرلمان الأخير -للمرة الخامسة في تاريخه منذ عام 1976- وهو: هل حل البرلمان يعزز الديمقراطية في الكويت، ويعزز الإصلاح السياسي، أم أنه على العكس يشكل "تراجعا إصلاحيا"؟ سيعود للطرح مرة أخرى؛ لأنه لا الأمير سيتخلى عن تعيين رئيس وزراء من الأسرة الحاكمة ولا عن حل البرلمان لو ضيق على الحكومة، ولا نواب البرلمان سيتوقفون عن إثارة المشكلات لوزراء الحكومة وفضح الفساد!.
أهم ملامح البرلمان الجديد
ومع هذا يتميز برلمان مايو 2008 بعدد من الملامح بعضها قديم وبعضها جديد، وهي ملامح سيكون لها تداعيات على النحو التالي:
1- التمدد السلفي في المجلس الجديد كان أبرز النتائج الملفتة للنظر في الانتخابات؛ حيث تضاعف التمثيل السلفي في مجلس الأمة (حوالي 9-10 نواب) غير رموز سلفية أخرى غير مصنفة، وهذا الأمر جاء على حساب التيار الإسلامي الآخر (الإخوان) الأكثر اعتدالا ووزنا للمواقف مع الحكومة، مما يُتوقع معه مزيد من التشدد في مواجهة مواقف الحكومة وقضايا الكويت عموما، وما يزيد من سخونة ذلك ما يتردد عن اعتزام الكتلة السلفية ترشيح أحد نوابها لمنصب نائب رئيس مجلس الأمة؛ ما سيزيد القضايا الخلافية ليس فقط مع الحكومة ولكن أيضا مع الشيعة، حتى إن بعض الكتاب الكويتيين تخوّف من هذا الاستقطاب الحاد بين النواب السلفيين والشيعة، داعيا لتشكيل قوات خاصة للفصل بين الفريقين، أو قوات حفظ سلام دولية من الأمم المتحدة للحفاظ على "السلم الأهلي".
2- أيضا تعزيز الشيعة لمقاعدهم خصوصًا النواب الذين أثيرت في وجههم انتقادات لاحتفالهم بذكرى وفاة عماد مغنية القيادي بحزب الله اللبناني، يعني نوعا من التحدي وتأكيد الارتباط بين شيعة العالم العربي من جهة وإيران من جهة ثانية؛ ما يفتح الباب لمزيد من المناوشات على خلفية "الانتماءات الخارجية" للنواب والتي وجهت ليس فقط لنواب شيعة وإنما لنواب سلفيين أيضا.
3- البرلمان الجديد شهد بدوره تزايدًا في أعداد النواب المعارضين من التيارين الليبرالي والإسلامي والمطالبين بإصلاحات أكبر؛ حيث وصل عدد المعارضين لأكثر من نصف المقاعد وأقل من ثلثيها، وهو ما يؤكد أنه كلما حلت الحكومة لغرض نجدة وزرائها من مأزق تضييق النواب عليهم بالاستجوابات، أعاد الشعب الكويتي انتخابهم بأعداد أكبر، ففي برلمان 2006 الأخير وصل عدد المعارضين إلى 29 نائبا معارضا -حوالي 55% من النواب- من 50 نائبا -أي أغلبية النواب- وشكلوا "ائتلاف التغيير" الذي تقدم بطلب لاستجواب رئيس الوزراء الشيخ ناصر محمد للمرة الأولى في تاريخ الدولة، وقبلها في برلمان 1999 فاز المعارضون بـ52% من المقاعد، وهو ما يؤشر لسير الكويت في حلقة مفرغة تؤثر على مسيرتها الاقتصادية والسياسية معا، برغم أنها أبرز دولة خليجية تجري انتخابات حرة؛ ما يقدم نموذجا سلبيا لباقي دول الخليج.
4- البرلمان الجديد يضم لأول مرة أكبر مجموعة من الوجوه الجديدة تقدر بحوالي 20 وجها من القوى القبلية والسياسية المختلفة، ولكن المشكلة ليست في الوجوه الجديدة وإنما ما تعمله من رؤى ثابتة لوجوه قديمة.
5- عجزت أكثر من "200 ألف امرأة" كويتية سمح لهن بالانتخاب عن إيصال امرأة واحدة (من 27 مرشحة) إلى البرلمان، مما يعني تأكيدا للعادة العربية المتعلقة برفض -ليس فقط الرجال- التصويت للنساء، وإنما رفض النساء التصويت لهن؛ بدليل أن النساء يشكلن 55% من الناخبين!.
6- احتفظ القبليون بنفس نسب فوزهم السابقة (قرابة 24 مقعدًا من 50)، كما احتفظ الإسلاميون بقيادتهم للتيار المعارض في البرلمان (تحالف المعارضة الذي يهيمن عليه الإسلاميون فاز بـ33 مقعدًا من 50 (بنسبة 66%) في برلمان 2006 وبنفس النسبة في برلمان 2008)، وذلك على الرغم من خسارة تيار الإخوان (حدس)؛ لأن مرشحين إسلاميين مستقلين آخرين عوضوا خسارة حدس ليبلغ عدد مقاعد كل الإسلاميين 21 مقعدا من 50.
7- كتلة (حدس) كانت أبرز الخاسرين؛ حيث أصبحت الكتلة الأضعف في مجلس الأمة بثلاثة مقاعد، ولم تحظ بأي مقعد في الدوائر الأولى والرابعة والخامسة، وهي الدوائر التي يشكل مجموع ناخبيها 73% من مجموع الناخبين بالكويت؛ ما أثار تساؤلات حول السبب الحقيقي لهذا التراجع، وهل هو تراجع لتيار الإخوان بعدما أظهر مواقف سابقة متوائمة مع رأي الحكومة، أم سوء اختيار مرشحين، أم أن السبب هو حظوظ منافسيهم وشراء الأصوات؟ (النائب مسلم البراك قال في انتخابات البرلمان السابق عام 2006 إنه تم منح 19 مرشحا مواليا للحكومة حوالي 12 مليون دينار (41 مليون دولار) من الأموال العامة لشراء أصوات، وإن ثمن الصوت الواحد في بعض الدوائر الانتخابية 12 ألف دولار)!.
مشكلة الحكومة الكويتية ستظل بالتالي كما هي؛ فالبرلمان الجديد -كالعادة على غير رغبة الحكومة- جاء بمزيد من المعارضين بل والمتشددين في معارضتهم، وأصبح يسيطر عليه أغلبية محافظة -قبائل وإسلاميون- ما سيعيد إنتاج نفس الاستجوابات والمشكلات حول الفساد وتوزيع الثروة وغيرها، ويعجل بحل البرلمان، بل وقد يشهد صراعات بين تكتلات النواب أنفسهم خصوصا السلفيين والشيعة!
ويبدو أن الانتخابات الأخيرة ينطبق عليها -كما يقول الكاتب فؤاد الهاشم في صحيفة (الرأي)- القول الكويتي المأثور: "طالع وجه العنز.. واحلب لبن"، أو "يا فرحة أم.. بنت" أو على رأي المصريين: "يا فرحة ما تمت" لأن مخاوف الحلّ لا تزال كما هي مع البرلمان السادس!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|