|
| جانب من فعاليات الندوة |
"اركعوا واسجدوا وافعلوا الخير".. بهذه الآية قدم د.هشام الحمامي مدير "المركز الثقافي" باتحاد الأطباء العرب بالقاهرة ندوة "الشخصيات العامة وثقافة العمل الخيري" التي دار عنها حديث مكثف مساء الأحد 18-5-2008 بدار الحكمة، وكانت الكلمات لكل من د.هبة رءوف -أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة- والسيناريست بلال فضل والطبيبة الرياضية رانيا علواني.
عكس اختيار الشخصيات الرؤية وراء طرح النقاش، حيث اختلف الحضور حتى اتفقوا، وانتهوا لمجموعة من الأسئلة المفتوحة حول إشكالية العمل الأهلي في مصر وهل تعبر عن أزمة أم بدايات حل، وهل الانخراط في أعمال الإحسان في ظل مجتمع يعاني من مظاهر انعدام عدل وإفقار هو الحل؟ أم دفع الناس ومساعدتهم للمطالبة بحقوقهم كمواطنين لا كفقراء ينتظرون الإحسان هو الحل؟ وهل الإغراق في تقديم المساعدة يزيد من سلبية هذا المجتمع الذي لم يتعود على الإنتاج هو المخرج؟ أم تمكين الأفراد ودفعهم للمشاركة هو المخرج؟ وهل ثقافة العمل الأهلي كفيلة بتنظيم الكثير من المقلوبات داخل المجتمع؟ أم انقلاب أحواله سيجعل هذه الثقافة تضل الهدف والطريق؟.
من أسفل لأعلى
طرحت د.هبة رءوف مفهوم الخيرية بالمعنى القرآني من خلال مبدأ "تواصوا بالخير" والذي هو فكرة أصيلة بالمجتمع الإسلامي ولها تطبيقاتها كالوقف وغيره لكن طرأ عليها من التطورات ما أدى إلى تذبذب المعني وبلبلته.كما تحدثت عن الدوي الإعلامي الذي يصاحب هذه الأعمال من تدشين حملات وحضور طاغ للكاميرات وهو ما يؤدي بالطبع لغلبة المظهرية على الجوهر ويجعل مردود أي حملة بعد مرور سنين قليلة شديد التواضع مقابل ما تم الوعد به، بحيث تتقلص الفكرة وتبقى السجادة الحمراء ومشهد قص الشريط.
الإعلام ليس هو الظاهرة الوحيدة التي أثرت على ثقافة الشخصية العامة في المجتمع المصري كما تقول د.هبة، ولكن أيضاً تنامي ظاهرة المؤسسات الخيرية التي يملكها رجال أعمال أو كيانات كبرى محلية وعالمية تعمل في مجالات دعم التعليم والإسكان.
وتشير إلى أن هذه الشخصيات التي قفز أغلبها على العمل الأهلي من خلفيات مختلفة والأمر لا يتعلق بمدى جديتها واحترامها ولكن بامتلاك مؤهلات هذه القفزة لا أن يؤخذوا عنوة لمنصة القدوة والمثال؛ فما يحدث الآن هو أن ينتقل شخص من المجال الاقتصادي للعمل الأهلي ومنها للعمل السياسي ويلعب الإعلام الدور الأكبر في خلقه رغم حقيقة أن أغلب الحملات والأعمال ناجحة في مجال مكافحة الفقر أو الإدمان لقيادات طبيعية داخل المجتمع ومواطنين عاديين.
أكدت المتحدثة عن بديهية النوايا الحسنة لكن الممارسة تقول إنها كثيراً ما تكشف وجود أغراض أخرى سياسية أو مادية من هذه الأعمال، وقالت: هذا الوضع جعل العمل الأهلي في مصر يتعرض في غالبيته إما إلى عملية تسييس -وألقت بجزء كبير من اللوم في هذا على الإسلاميين من باب نقد الذات كما قالت- وإما إلى التخصيص كما يفعل عدد كبير من رجال الأعمال.
ومن مرحلة النقد للبناء قالت د.هبة: الأفضل هو التركيز على تعليم الفرد كيفية الانخراط بالمجتمع والعمل العام به بحيث يمكنه كشف مساحات الزيف في الشخصيات العامة وكذلك المشاركة لأن الشخصية العامة الحقيقية لا يمكنها العمل دون وجود تيارات جماهيرية من المنخرطين في مجالات الخدمة العامة والمشاركة.
وأكدت أنه لا بد أن يكون هناك وعي يجعل الناس تلزم الشخصية العامة بأن تكون بالفعل صوت الجماهير وأن يكون للجماهير صوتا أعلى من الإعلام، فلا يفرض علينا شخصيات لا نعرف عنها شيئا في حين أن هناك فاعلين حقيقيين على الأرض يتم تهميشهم إعلامياً.. وضربت مثالا بدور الجمعية الشرعية في مصر التي تحقق أعلى مشاركة دون أن تتلقى أي دعم خارجي وراهنت أن 75% من المصريين لا يعلمون اسم رئيس هذه الجمعية رغم استفادة أغلبهم من خدماتها.
وبهذا رأت د.هبة رءوف أن العمل الأهلي لكي ينجح لا بد لحركته أن تبدأ من أسفل لأعلى، فوعي المواطنين ومشاركتهم تؤدي إلى فرز شخصيات عامة فاعلة عن حق وجهد.
من أعلى لأسفل
بدأ السيناريست بلال فضل بالاختلاف مع هذا القول الأخير وقال الفكرة جميلة ولكن انتظار حدوثها في مصر لا أقول مستحيل ولكن يتطلب حدوث أشياء أخرى كثيرة قبله، وهذا المجتمع يحتاج إلى حل يرى غالبا أنه يأتي من أعلى لأسفل وأن صلاح الراعي في هذه اللحظة هو الأجدى من انتظار صلاح الرعية.وجد "فضل" في التاريخ منفذا، وقال إن التاريخ بالفعل يعيد نفسه في مصر وإن تكرر المشكلات قد يصيب بالاكتئاب لكن هناك بعض محاولات الإنقاذ لا بد من الالتفات لها، جاءت بها إحدى الدراسات الأمريكية حول خريطة الإحسان في مصر.
وأشار "فضل" إلى تجربة الظاهر بيبرس حين مرت البلاد بمجاعة شديدة أدت إلى تحرك الفقراء والحرافيش ووقوفهم تحت شرفة القصر يطالبون بالطعام.
وكما يقول: هنا يظهر القائد الحكيم لا بالضرورة العادل وإن الفكرة هنا هي البحث عن مخرج قبل حدوث انهيار بالطبع سيأخذ الجميع في طريقه لا الجوعى فقط.
ما فعله بيبرس -كما يحكي بلال فضل- أن أمر حاجبه بجمع أسماء الفقراء المتجمعين بالأسفل ووجد أن هؤلاء هم طليعة الغضب فانطلق بأمر سلطاني بجمع أسماء المحتاجين في كل الربوع ثم أحضر كل كبار القوم من عسكر وأثرياء وأمر أن كل منهم يتكفل بإطعام مائة من هؤلاء لمدة ثلاثة أشهر إلى أن نجحت التجربة واستمرت لمدة أطول ونجحت موجة الإحسان في حل أزمة الأسعار.
خلص "فضل" إلى أن العمل المؤسسي هو المفتقد الآن وأنه لا بد أن يتم الأمر من خلال توجه مجتمعي شامل.
وقال: لا أطالب بتطبيق قسري للمشاركة ولكن لا بد من النظر لما يتم حولنا فنحن أمام مجتمع يطالب رجال أعماله بتطبيق الرأسمالية في الربح وتطبيق الاشتراكية في الالتزامات.. وأضاف: الحكومة أصدرت مؤخراً تقريرا حول عدد الأسر المصرية التي تعيش في خيم وعشش وقدرتها بـ24 ألف أسرة فلم لا تعد حصرا آخر حول الأغنياء في مصر ودفاتر الضرائب موجودة والشخصيات العامة السياسية وكيفية الاستفادة المثلى منهم من منطلق شعبي قديم هو "المليان يكب على الفاضي" وهو ما يعنى رد الجميل لهذا المجتمع الذي يتم الانتفاع منه.
أشار أيضا إلى إغفالنا ما يحدث في العالم من حولنا في هذا المجال، فأشار إلى أنه في تركيا تصل الضرائب إلى 45% وكذلك القانون الأمريكي الذي يطبق عقوبات اجتماعية على الشخصية العامة كما حدث مع "ناعومي كامبل" حين حكم عليها نظراً لشططها بمسح دورات المياه في بلدتها؛ فالهدف هنا هو تهذيب النفس وخدمة للبشر ورد الحقوق للوطن.
وهكذا انتهى هو الآخر للفرد وقال: الأمر بالفعل يحتاج لآلية تجعل من العمل الأهلي لا الخيري أمرا بناء لأن مجرد الإحسان في مجتمع يفتقد العدل والتنظيم قد يكون دربا من العبث، ودور الفرد هنا يكون في الضغط على الشخصيات العامة، فبيبرس لم يكن ليتحرك إلا إذا تجمع المتضررون أسفل قصره.
الخرائط المتداخلة
رأى أغلب الحضور أن الطرحين النظريين رغم اختلافهما في البداية فإنهما انتهيا إلى نفس النقاط أو تكاملا بشكل أصح، وكان من المهم الختام مع تجربة من أرض الواقع وهو ما عرضته الطبيبة والسباحة السابقة "رانيا علواني" فحكت عن خبرتها بمجال الرياضة والتي جعلتها تحتك بشباب من مختلف أنحاء العالم، رأت روح المشاركة القوية واكتشفت أيضا وجود هذه الروح بين الشباب المصري ولكنها تحتاج إلى توجيه وعمل من خلال منظومة حتى تظهر نتائجها.أشارت "رانيا" إلى تجربة في إحدى القرى حين أرسل أهلها يقولون إن بلدتهم تعاني من أمراض كثيرة فكان الحل النزول مع بعض الشباب إلى هذه القرية وجمع جنيه من كل بيت لبناء مركز طبي.
وتحدثت أيضاً عن المدة التي قضتها في أمريكا وكيف أن الجامعة هناك تشترط أداء الخدمة العامة قبيل التخرج وقضتها هي أثناء دراستها للطب في طلاء بيوت المشردين ومنها إلى مستشفى عين شمس حيث تعمل الآن، وما تحاول فعله من نشر ثقافة وعي بينها وبين زملائها تجعلهم يقدمون خدمة محترمة لائقة بالمريض، والاعتراض على الممارسات الغربية المنتشرة بالمستشفيات الحكومية التي قد تصل إلى أن يضرب الطبيب المريض!.
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي.
|