|
| نيكولاس برنس |
مع اقتراب قدوم رئيسٍ جديد إلى "البيت الأبيض"، تحدث "نيوكولاس بورنز Nicholas Burns" –مساعد وزير الشئون السياسية الأمريكية السابق الذي اشتغل بوزارة الخارجية الأمريكية طيلة 26 سنة– عن التحديات العالمية التي تواجهها السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة، والتي ستواجهها في غضون أعوام الرئاسة القادمة، متناولا -في الوقت ذاته- الفرص العالمية التي يجب على وزارة الخارجية الأمريكية الجديدة اقتناصها، والاستحواذ عليها.
ويرى "بورنز" التحديات متلخصة في الأزمات العالمية التي لم تعد الإدارة الأمريكية قادرةً على حلها بمفردها، الأمر الذي يفرض عليها ضرب "التوجه الأُحادي unilateralism" عرض الحائط، ومن ضمن تلك الأزمات العالمية: تحدي الطاقة كإنتاج وكمصدر.
أما الفرص العالمية، فقد يراها "بورنز" في إمكانية تدشين شراكات أمريكية مع القوى العالمية الصاعدة، وفي إمكانية التعاون الأمريكي المدني المُكثَف مع المؤسسات الدولية، ولا ينسى "بورنز" في وسط ذلك كله حث الإدارة الأمريكية القادمة على استخدام قوة الداخل الأمريكي، استكمالا ومساندةً لاستخدام القوة الأمريكية في الخارج.
منظور جديد بعد 11 سبتمبر
يستهل "بورنز" حديثه بتناول المنظور الجديد للسياسة الخارجية الأمريكية بعد 11 سبتمبر 2001، مؤكدا عدم جدوى "التوجه الأُحادي" بعد هذا التاريخ، ويقول في ذلك: "إذا كانت السياسة الانعزالية isolationism جائزةً في القرنين الثامن والتاسع عشر، فإنها تُمثل وهما بعد أحداث سبتمبر".
فعلى الرغم من قيادة الولايات المتحدة للقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فإنها باتت غير قادرة على العمل بمفردها لحل الإشكاليات الإقليمية المتفجرة في مختلف بقاع الأرض.
وقد ترتب على ذلك نبذ وزارة الخارجية الأمريكية "التوجه الأُحادي" بعد وصول "كوندوليزا رايس" إليها بعد أحداث سبتمبر، وقد يُرجع "مجلس العلاقات الخارجية" الفضل إلى "بورنز" "ذلك الدبلوماسي الذي قام بتحويل (رايس) من التوجه الأُحادي إلى التوجه متعدد القُطبية multilateralism".
وأكبر دليل على ذلك التحول التحالف المُكثف الذي شهدته الخارجية الأمريكية مع "حلف شمال الأطلسي NATO"، واليابان، وأستراليا، وجنوب كوريا، في شتاء عام 2008، كما يشير "بورنز".
ويضيف مساعد وزير الشئون السياسية السابق قائلا: إن تحول منظور السياسة الخارجية الأمريكية تزامن معه تحول آخر في الرؤية الإستراتيجية الأمريكية، حيث تحول مركز الاهتمام الأمريكي من أوروبا في القرن العشرين إلى المنطقة العربية وجنوب آسيا وإفريقيا في القرن الواحد والعشرين.
تحدي الطاقة وفرصة الطاقة الحيوية
ومن أهم التحديات العالمية التي ركز عليها "بورنز" تحدي الطاقة النفطية؛ حيث تقع في أيدي قوى "تلعب أدوارا سلبية في العالم"، وأهمها إيران وفنزويلا، على حد قوله، فوجود النفط بكمياتٍ كبيرة في تلك الدول –لاسيما مع الارتفاعات الجنونية في أسعار برميل النفط– يجعل الحصول على النفط الذي لا يستغني عنه الغرب تحديا جسيما، هذا فضلا عن تسبب الاستخدام المُفرط لتلك الطاقة في تغيير المناخ العالمي إلى الأسوأ؛ الأمر الذي يشكل ضغوطا بيئية عالمية.
وعلاجا لذلك التحدي، يدعو "بورنز" الإدارة الأمريكية القادمة إلى التوجه نحو طاقة بديلة وجديدة؛ وهي الطاقة الحيوية؛ أو ما يُسمى: "الطاقة البيولوجية".
إن "بورنز" يدعو الرئيس الأمريكي الجديد إلى تحويل الطاقة البيولوجية إلى بضاعةٍ عالمية، عبر إنشاء أسواقٍ عالمية لهذه الطاقة، خاصةً للدول الفقيرة التي تستورد الطاقة بكثافة.
إن إنتاج الولايات المتحدة والبرازيل لـ75% من الطاقة البيولوجية -الإيثانول من السكر البرازيلي ومن الذرة الأمريكية- فرصةٌ لابد من اقتناصها لتحقيق ذلك، كما يؤكد "بورنز" الذي يرى أن شراكة الولايات المتحدة مع البرازيل ليس فقط على صعيد إنتاج الطاقة البيولوجية، وإنما على كافة الأصعدة، يُعد أمرا ضروريا، كما سنرى في الفقرة القادمة.
فرصة الشراكات مع القوى الصاعدة
ينصح "بورنز" الإدارة الأمريكية القادمة باستغلال فرصة صعود القوى الجديدة، فالبرازيل ونيجيريا وجنوب إفريقيا والهند.. كلها قوى بدأت تتصاعد عالميا، وعلى الإدارة الأمريكية ألا تُفوت فرصة الشراكة معها.
وكذلك يدعو إلى تأمين العلاقات الأمريكية مع القارة اللاتينية التي يعتبرها "بورنز" الفناء الخلفي للولايات المتحدة؛ حيث لا يجب التفريط فيها أبدًا، حتى لو عارضت كوبا وفنزويلا ذلك، وهما الدولتان اللتان يصفهما بكونهما "غير ديمقراطيتين"؛ لأنهما يرفضان الانفتاح على الولايات المتحدة، بينما تصير القارة اللاتينية بأكملها ديمقراطيةً، من وجهة نظره؛ لأنها تُرحب بالانفتاح على الولايات المتحدة.
أما بالنسبةِ لموضوع إيران، فيُفرد لها "بورنز" حديثًا خاصًا ومُطولا؛ فيؤكد -بدايةً- أن إيران ستكون "دراما" عام 2009 وما بعده؛ لاسيما في ظل تأييد إيران من قبل عدد غير قليل من الدول؛ منها سوريا وكوبا وفنزويلا وبيلاروسيا.
ويرى أن حل أزمة إيران أمريكيًا يقع بين أمرين: إما أن تقبل إيران "العرض الإيجابي" للتفاوض المُقدم حاليًا من قبل "الخمسة" (روسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا)، والذي على أساسه ستتفاوض "رايس" مع إيران؛ أو أن تتعرض لعقوبات اقتصادية، ليس من قبل الولايات المتحدة فقط، وإنما من قبل الجميع.
ويقصد "بورنز" هنا بمقاطعة "الجميع"، أن تُستنهض جميع الدول -التي تتعامل اقتصاديًا مع إيران- لمحاصرتها وتطويقها اقتصاديًا؛ وأهمها الصين وروسيا واليابان وجنوب كوريا، بل الدول العربية أيضًا.
فرصة التعاون المدني مع المؤسسات الدولية
إن تعاون الإدارة الأمريكية مدنيًا مع الآخرين يعتبر فرصةً أخرى لدعم القوة الأمريكية خارجيًا، كما يشير "بورنز". ومن ثم كانت دعوته لوزارة الخارجية الأمريكية الجديدة بتقديم الدعم المدني للدول التي تقع تحت أسر الحروب؛ وكثيرةٌ ما هي.
فعلى الوزارة إيفاد الموظفين المؤهلين لإنجاز تلك المهام؛ من توفير المعونات الإنسانية إلى مساعدة اللاجئين، إلى دعم "سيادة القانون" في مرحلة ما بعد الحروب، ويقول "بورنز" في ذلك: "إنه على الرغم من تفوقنا العسكري عبر الـ12سنة الماضية في البوسنة وكوسوفا ومقدونيا وأفغانستان والعراق، فما زلنا نفتقد الجانب المدني في الحروب".
وكذلك كانت دعوته للخارجية الأمريكية القادمة بإعادة بناء المؤسسات الدولية؛ ومنها دعم "الأمم المتحدة"، ماديًا ومعنويًا. وينطلق في دعوته تلك من فرضيته القائلة: "إن قوتنا هي توظيف مقدرتنا للعمل مع الآخرين، سواء كان ذلك في أولويات علاقاتنا، أو في التحالف مع الناتو واليابان وأستراليا، أو في التعاون مع المؤسسات الدولية".
وقد بدأت الولايات المتحدة –بالفعل- بإنزال تلك الفرضية إلى أرض الواقع؛ حيث تقوم بتوظيف سياستها تجاه أوروبا من خلال التعاون معها في تنفيذ "البرامج" في المناطق المستهدفة: المنطقة العربية، وجنوب آسيا، وإفريقيا.
فرصة استخدام قوة الداخل الأمريكي
وكما يرى "بورنز" الفرص الكامنة في قوة "الشراكات" و"التحالفات" و"التعاونات" الأمريكية مع الآخرين، فقد يرى فرصًا أخرى كامنةً في قوة الداخل الأمريكي؛ حيث يمكن استخدامها هي أيضًا في دعم القوة الأمريكية خارجيًا، فاستغلال جميع ثروات ومواهب المجتمع الأمريكي -من قطاع خاص إلى منظمات غير حكومية إلى أكاديميين إلى فنانين وموسيقيين- ستُقوي من شوكة الولايات المتحدة في الخارج.
ويستشهد "بورنز" في ذلك بدراسة مركز "الدراسات الدولية والإستراتيجية CSIS" تحت عنوان "القوة الذكية Smart Power"، حيث افترضت أن قوة الدولة لا بد أن تكون وظيفةً لكل مواطن مؤثر في داخل المجتمع "لا يجوز أن تكون سياستنا الخارجية معتمدةً في أغلبها على القدرة في إبراز القوة العسكرية بالخارج وليست معتمدةً على قدرتها في استثمار القوة المهولة لقطاع الأعمال الأمريكي، والمنظمات غير الحكومية الأمريكية، والأكاديميين الأمريكيين الذين لديهم القدرة في التأثير على العالم".
"نحن لدينا موسيقيون في البنتاجون أكثر من الدبلوماسيين في الخارجية الأمريكية". هكذا تحدث "بورنز"، داعيًا الخارجية الأمريكية لرفع عدد الدبلوماسيين الأمريكيين والمهنيين الأمريكيين بمكاتب "هيئة المعونة الأمريكية USAID". وقد استجابت "رايس" على الفور، فقامت بإضافة 1100 دبلوماسي إلى قائمة الدبلوماسيين الأمريكيين البالغ عددهم 6500 دبلوماسي؛ وأضافت 300 موظف إلى مكاتب "هيئة المعونة الأمريكية" البالغ عددهم 200 موظف.
الاستعانة بالقوة "الرخوة"
وتحليلا لما كتبه "بورنز"، يمكن القول إنه يدعو الإدارة الأمريكية القادمة إلى تحسين وجهها عبر "القوة الرخوة soft power" من ناحية (سواء عبر الدعم المدني بعد انتهاء الحروب أو عبر استخدام قدرات الداخل الأمريكي)، ويدعوها إلى الاستقواء العسكري والسياسي والاقتصادي عبر "التحالفات" و"الشراكات" من ناحيةٍ أخرى؛ لتصير تلك "التحالفات" عونًا للولايات المتحدة على تطويق المناطق المُستهدفة الثلاث: إفريقيا وجنوب آسيا والمنطقة العربية، وخاصةً المنطقة العربية التي تُمثل مخزونًا ثقافيًا وحضاريًا قابلا لإخراج نموذج حضاري إسلامي مناهض للنموذج الحضاري الغربي المُعرض للسقوط، لاسيما بعد الفضائح الإنسانية للاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان وجوانتانامو.
وهو ما أشار إليه "أحمد داود أوغلو" -المستشار السياسي لرئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان وأول دبلوماسي يرقى لمرتبة سفير بوزارة الخارجية التركية من خارج النخب العلمانية- في كتابه "العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية" (2006)، حيث أكد أن العالم يعيش حاليًا مرحلة التحول الحضاري وليس نهاية التاريخ؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها عبر تعزيز مركز الأطلسي ودعم قدراته الاقتصادية والسياسية؛ والتلاعب بالأسس الداخلية للمراكز الحضارية البديلة، وتأسيس آليات دفاعية وتحالفات إقليمية في مناطق متفرقة من العالم.
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|