English

 

الجمعة. مايو. 16, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عام ساركوزي الأول.. استياء داخلي وتوهج خارجي

هبة الحسيني

ساركوزي يهرول خارجيا ويتعثر داخليا
ساركوزي يهرول خارجيا ويتعثر داخليا
احتفلت فرنسا مؤخرا بمرور عام على تولية الرئيس نيكولا ساركوزي سدة الرئاسة، ولكن يبدو أن مظاهر الاحتفال المتواضعة لم تشغل اهتمام وسائل الإعلام والصحف نتيجة الانخفاض الملحوظ في شعبية الرئيس داخل الأوساط الفرنسية، خاصة بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها معهد CSA الفرنسي مؤخرا أن حوالي 72% من الفرنسيين غير راضين عن أداء ساركوزي في الحكم خلال عامه الأول، بينما رجح 62% منهم أن فرنسا ستمر بأزمات خطيرة حتى نهاية الفترة الأولى لحكم ساركوزي، كما عبر 55% عن عدم رغبتهم في أن يخوض ساركوزي الانتخابات الرئاسية عام 2012.

احتجاجات مبكرة وشخصية مضطربة

وتكشف لنا هذه الاستطلاعات مدى الاستياء الذي تشعر به الجماهير الفرنسية إزاء رئيسهم بسبب عدم قدرته على الوفاء بتنفيذ تعهداته الانتخابية، والتي كان أبرزها تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وإجراء إصلاحات تتعلق بأنظمة التقاعد والتعليم والقضاء. إلا أن الفجوة كانت كبيرة بين الآمال التي وعد بها ساركوزي أثناء حملته الانتخابية وبين ما حققه بالفعل على أرض الواقع، فالفرنسيون لم يجنوا أي ثمار لهذه الإصلاحات في ظل ظروف الاقتصاد العالمي التي شهدت ارتفاعا هائلا في أسعار النفط والأغذية، مما أثر على قدرة الصادرات الفرنسية على المنافسة وأدى إلى حدوث تضخم وارتفاع كبير في الأسعار لم تشهده فرنسا من قبل.

ونتيجة لما سبق، امتلأ الشارع الفرنسي بالمظاهرات الحاشدة والاحتجاجات، والتي كان أبرزها ما وقع يومي 18 و19 أكتوبر 2007 وشارك فيها 150 ألف مواطن في 130 مدينة، وأضربت السكك الحديدية لمدة ثلاثة أيام احتجاجا على تغيير نظام الإحالة بالمعاش وفرض ضرورة العمل 40 عاما لاستحقاق المعاش الكامل، كما تعرضت السياسات الضريبية الجديدة لكثير من الانتقادات لأنها ترفع من النسبة المفروضة على الفقراء لصالح الأغنياء.

ولم يقتصر غضب الجماهير الفرنسية على السياسات المتبعة فقط، بل امتدت لتشمل السلوك الشخصي للرئيس، فقد انتقد الفرنسيون الاهتمام الكبير الذي يوليه ساركوزي لظهوره الإعلامي، وميله إلى مظاهر البذخ والرفاهية، خاصة في رحلاته السياحية، بالإضافة إلى شخصيته المتغطرسة واندفاعه وتصرفاته غير اللائقة، والتي تجلت في المعرض السنوي للمنتجات الزراعية عندما قام بسب مواطن فرنسي رفض مصافحته مستخدما ألفاظا لا تمت بصلة لرئيس دولة. فضلا عن ذلك، ساهمت ظروف طلاقه من زوجته سيسيليا ثم زواجه من عارضة الأزياء الإيطالية كارلا بروني في غضون أربعة أشهر فقط في إظهاره أمام الرأي العام بمظهر الشخصية المضطربة، وأضعفت من التعاطف بينه وبين شعبه، مما جعله مكروها على المستوى الداخلي.

وقد انعكس هذا الاستياء الشعبي على نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في مارس الماضي ومُني فيها حزب ساركوزي "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" بهزيمة ثقيلة بعد أن منحت المدن الرئيسية في البلاد أصواتها للحزب الاشتراكي المنافس الذي تقدم بحوالي 51%، بينما احتفظ حزب ساركوزي بسيطرته على مجلس مدينة مارسيليا. وقلل الحزب الحاكم من وطأة هزيمته آنذاك معتبرا أن البلديات تركز بالأساس على قضايا محلية ولا تعبر بالضرورة عن غضب تجاه مجمل سياسات ساركوزي، إلا أن غالبية المراقبين اعتبروا هذه النتيجة السلبية تعبيرا عن خيبة أمل الفرنسيين إزاء الوعود الكبيرة التي وعد بها الرئيس ولم يتمكن من تحقيقها.

دعم أوروبا وتحالف مع واشنطن

أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد أدخل ساركوزي تغيرات واضحة في خطوط الدبلوماسية الفرنسية تهدف لاسترجاع موقع فرنسا الفاعل والمؤثر على الساحة الدولية. وقد بدأ هذا المسار الجديد بالعمل على تعزيز حضور فرنسا أوروبيا عن طريق دعم الاتحاد الأوروبي والعمل على إخراجه من أزمته السياسية الناتجة عن غياب الدستور. وبالفعل نجح ساركوزي بالتعاون مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في التوصل إلى "المعاهدة الأوروبية المبسَطة" كبديل عن الدستور الأوروبي، ووافقت القمة الأوروبية التي عقدت في منتصف ديسمبر 2007 بلشبونة على هذا المقترح لتنهي أزمة دستورية دامت قرابة عامين.

وكان ساركوزي قد أعلن منذ بداية توليه الرئاسة أنه سيتبنى سياسة خارجية تتسم بـ"القطيعة" مع سياسة سلفه جاك شيراك، وظهر ذلك جليا في الكلمات الأولى له عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية حينما قال: إن "بإمكان أمريكا حاليا الاعتماد على فرنسا"، وهي كلمات تكفي لتوضيح التوجه الجديد الذي تبناه ساركوزي لتوثيق علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية.

فعقب فوزه بالرئاسة في مايو 2007، توجه ساركوزي إلى الولايات المتحدة لقضاء أول إجازة رئاسية له وعقد اجتماعا غير رسمي مع نظيره الأمريكي جورج بوش في منتجع "كينيبانكبورت". وبعد عدة أشهر، قام ساركوزي بزيارة رسمية للولايات المتحدة حظي خلالها باستقبال عظيم، وكانت شاهدا على عودة الوئام في العلاقات بين البلدين بعد أن شابتها أجواء التوتر في عهد الرئيس شيراك.

وحرص ساركوزي على التأكيد مرارا أنه "صديق وحليف" للولايات المتحدة، حتى أن كثيرين يفضلون أن يطلقوا عليه لقب "رجل أمريكا في فرنسا". وبناء عليه، تبنى ساركوزي الرؤية الأمريكية تجاه كثير من القضايا الهامة على الساحة الدولية، أبرزها إعلانه عن استعداد فرنسا للعودة مستقبلا إلى حلف الناتو، ودعمه للقوات الفرنسية في أفغانستان بعد تراجعه عن قرار سحبها، وتأييده لاستقلال كوسوفو، ورفضه كافة أشكال التحاور والمصالحة مع الحركات المسلحة في العراق.

وانسجاما مع الموقف الأمريكي، بدا ساركوزي أكثر تشددا من سلفه شيراك حيال البرنامج النووي الإيراني، ووصف الأزمة الإيرانية بأنها "الأكثر خطورة في العالم"، بل ذهب إلى حد تحذير إيران من التعرض "للضغط العسكري" في حال تجاهلت العروض والاقتراحات التي قدمتها إليها الدول الكبرى لوقف عمليات تخصيب اليورانيوم.

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، اقترب ساركوزي أيضا من القراءة الأمريكية لهذا الشأن، خاصة عندما صرح بأنه "كرئيس للدولة لن يتحدث إلى حركة حماس؛ لأنه ليس له الحق في التحدث إلى منظمة أعلنت أنها تريد شطب إسرائيل من الخريطة". كما اتخذ موقفا معارضا بشدة "للانقلاب" الذي نفذته الحركة في قطاع غزة ضد السلطة الفلسطينية في يونيو 2007. وعلى الرغم من استقبال ساركوزي للرئيس الفلسطيني محمود عباس عدة مرات وتأكيده على ضرورة إنشاء دولة فلسطينية في نهاية عام 2008، فإنه لم يقم بجهود ملموسة لحل هذه القضية. ولعل السبب في ذلك هو الترابط الوثيق الذي يميز علاقة ساركوزي بإسرائيل، والذي ظهر بوضوح من خلال مظاهر الاحتفال التي شهدتها مختلف الأوساط الإسرائيلية بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية العام الماضي.

وعلى خلاف سلفه شيراك الذي أغلق باب الحوار مع نظام الأسد، تبنى ساركوزي نهجا مغايرا في التعامل مع سوريا يقوم على سياسة "الانفتاح المشروط"، بمعنى استعداده لفتح حوار مع دمشق وبدء مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين بشرط إقدام القيادة السورية على لعب دور إيجابي وبناء في دعم انتخاب رئيس للبنان متوافق من قبل جميع الفرقاء اللبنانيين، وعدم عرقلة العملية السياسية هناك ومنعها من المضي في طريقها. إلا أن عدم الاستجابة السورية وتعقيدات الأزمة اللبنانية قد دفعت بساركوزي إلى الابتعاد عن هذا الملف وتعليق اتصالاته مع سوريا.

الاتحاد المتوسطي.. أولوية خاصة

واحتل مشروع الاتحاد المتوسطي أهمية خاصة في السياسة الخارجية الفرنسية، إذ يعول عليه ساركوزي كثيرا في تحقيق العديد من الأهداف أهمها، بروز فرنسا كقطب دولي جديد وتعزيز حضورها في منطقة البحر المتوسط، بالإضافة إلى احتواء تركيا في الدائرة المتوسطية كبديل لها عن دخول الاتحاد الأوروبي.

وقد لاقى هذا المشروع في بدايته تحفظا من قبل بعض الدول الأوروبية، إلا أن ساركوزي نجح في التوصل إلى صيغة توافقية مع المستشارة الألمانية ميركل تم إقرارها في قمة بروكسل في مارس 2008 تحت مسمى "الاتحاد من أجل المتوسط"، والتي ستركز بالأساس على تحديث عملية برشلونة، ومن المنتظر أن تبحث تفاصيل هذا الاتحاد في قمة باريس المزمع عقدها في يونيو القادم. وحرص ساركوزي على الترويج لمشروعه الجديد في دول شمال إفريقيا، فقام بزيارات لدول المغرب العربي وعقد خلالها مجموعة اتفاقات للتعاون المتبادل، هذا بالإضافة إلى زيارته لكل من مصر والأردن، والتي حصل خلالها على تأييد مبدئي للاتحاد الجديد.

تبني "البراجماتية"

تبنى ساركوزي توجها براجماتيا واضحا في سياسته الخارجية، فلم يجعل تحالفه مع أمريكا وإسرائيل يصرفه عن حماية المصالح الفرنسية. وعليه، سعى ساركوزي لإقامة علاقات متوازنة مع روسيا وقام بزيارتها في أكتوبر 2007 ووقع خلالها سلسلة من الوثائق الخاصة بالطاقة والسكك الحديدية والتمويل والطيران المدني لدعم أوجه التعاون بين البلدين. وفي نفس السياق، قام بزيارة عدد كبير من دول العالم، مثل الصين والهند، وأبرم خلالها مجموعة من اتفاقيات التعاون المشترك، كما أبرم صفقات اقتصادية ضخمة فاقت ملياري يورو أثناء زيارته للمغرب وتونس.

كذلك شهدت العلاقات الفرنسية الليبية دفعة قوية في عهد ساركوزي بعد أن نجح، هو وزوجته السابقة سيسيليا، في الإفراج عن الممرضات البلغاريات. وعلى التوالي، قام الرئيس الفرنسي بزيارة رسمية للدولة وقع خلالها اتفاقا ينص على دراسة تزويد ليبيا بمفاعل نووي لتحلية مياه البحر، بالإضافة إلى عدد من اتفاقات التعاون، بينها "اتفاق إطار لشراكة شاملة" في قطاعات الصحة والتعليم والهجرة ومكافحة الإرهاب.

ومن أبرز الإنجازات التي حققها ساركوزي خارجيا دفعه للعلاقات الخليجية بصورة أوثق، حيث قام بجولة في عدد من دول الخليج شملت السعودية وقطر والإمارات، واستطاع أن يحقق خلالها عددا من المكاسب أهمها حصول فرنسا على قاعدة بحرية دائمة في إمارة أبو ظبي، فضلا عن سلسلة من الاتفاقات في مجال الطاقة والغاز كان أبرزها اتفاق شركة أريفا الفرنسية مع شركة كهراما القطرية للكهرباء بشأن إنشاء محطات فرعية لتوصيل الكهرباء لشتى أنحاء الدولة القطرية.

من متابعة المشهد السابق، يبدو لنا أن ساركوزي قد نجح إلى حد كبير خلال عامه الأول في توظيف إمكاناته وقدراته وخبراته لتنشيط الدبلوماسية الفرنسية في الخارج، واستطاع أن يستفيد من خبراته السياسية وكفاءته في الإقناع والتفاوض حتى توصل إلى سلسلة الصفقات التجارية والعسكرية التي أبرمها أثناء زياراته وعزز ثقل فرنسا خارجيا، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لرفع أسهمه السياسية في الأوساط الداخلية، مما وضعه في مصاف أقل الرؤساء الفرنسيين شعبية على الإطلاق في مثل هذه المرحلة من حكمه. لذلك ينتظر أن تشهد الفترة المقبلة مبادرات عديدة من ساركوزي لتفعيل السياسات الإصلاحية في الداخل بهدف امتصاص الغضب الشعبي وإصلاح الأضرار الواقعة، كما يتوقع أن يستمر النشاط الدبلوماسي الفرنسي بصورة أكثر كثافة، خاصة بعد تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي في يوليو المقبل، والتي ستمكنها من لعب دور أكثر حيوية على الساحة الدولية.


باحثة سياسية

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات