|
| هل يجتمع الدش والفقر؟ |
منذ ما يقرب من تسع سنوات نشرت مجلة الإيكونومست تقريرا عن حالة الفقر في مصر، وكان أكثر ما لفت انتباه الكاتب هو حالة من التناقض تبدو واضحة في المجتمع المصري بين من يملكون السيارات الفارهة ومن يعيشون تحت خط الفقر، واليوم فإن التناقض الذي تبدو عليه فئة من يعيشون تحت خط الفقر، هو اللافت للانتباه.
هذا التناقض كشف عنه تقرير التنمية البشرية المصري الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يوم 13 من مايو الجاري تحت عنوان "العقد الاجتماعي في مصر.. دور المجتمع المدني"، فقد اعتبر في فصله السادس أن "منطقة عين الصيرة" -إحدى ضواحي مدينة القاهرة- تعتبر نموذجا واضحا لهذا الأمر، وأوضح أن انتشار الدش "الأطباق الفضائية" فوق أسطح المنازل بهذه المنطقة خير تعبير عن ذلك، ودليل عملي على ضعف أداء الجمعيات الأهلية بالمنطقة.
وكشف التقرير أن أداء هذه الجمعيات يتسم في مجمله بالعشوائية، فبدلا من أن يساعدوا الناس في التحرر من ذل الحاجة، كرس عندهم الميل إلى التواكل، فأنفقت الأموال في شراء الدش اعتمادا على ما سيأتي لهم من أموال.
وكانت نتيجة هذا الوضع أن هذه الجمعيات وعلى الرغم من وجود عدد كبير منها لم تحقق نقلة جوهرية في معالجة احتياجات الرعاية للأسر والمجتمع، ذلك أن معظمها تكرر عمل بعضها البعض، بل إنها في بعض الأحيان تعمل مع نفس الأسر.
أسباب وراء الضعف
هذا الأداء الضعيف للجمعيات بمنطقة عين الصيرة، كان وراءه العديد من الأسباب التي يمكن تعميمها على أداء معظم الجمعيات الأهلية بمصر، ولخص التقرير هذه الأسباب في:
* أغلب الجمعيات لا تتوفر بها أسس تسمح بالمشاركة العريضة من جانب المواطنين، كما أن قيم الشفافية والديمقراطية والمساءلة ليست مفهومة فهما جيدا ولا هي مطبقة تطبيقا كاملا.
* حصر القائمين عليها لطبيعة نشاطها في تلبية الاحتياجات العملية العاجلة للمواطنين، وليس معالجة قضايا التنمية الوطنية في الأجل الطويل.
* هيمنة الأعراف والتقاليد الاجتماعية على أداء الجمعيات، ولذلك يفوق عدد الجمعيات الخيرية على جمعيات التنمية، حيث تمثل منظمات المجتمع المدني ذات السمة الدينية "إسلامية ومسيحية" 33% من إجمالي عدد الجمعيات.
* وجود فجوة نوعية في عضوية منظمات المجتمع المدني، فمثلا يوجد عدد قليل من النساء في المنظمات الدفاعية والحقوقية، بينما توجد النساء على نطاق كبير في المنظمات التي تقدم خدمات تقليدية، وهي ظاهرة لها جذور ثقافية ودينية.
* النظرة السائدة للمستفيدين من خدمات الجمعيات على أنهم متلقون للخدمات وليسوا عناصر فاعلة في حركة منظمات المجتمع المدني.
تحديات ومعوقات
ومن خلال ما سبق أمكن للتقرير وضع مجموعة من التحديات التي تواجه الجمعيات الأهلية في مصر هي:
* عدم النظر إلى المجتمع المدني على أنه شريك في التنمية، فعلى الرغم من استخدام الرئيس المصري حسني مبارك اصطلاح المجتمع المدني للمرة الأولى في خطاب سياسي له عام 2000، وهو ما يعني الاعتراف بهذا القطاع كشريك في التنمية، فإنه لا تزال هناك فجوة ضخمة بين النوايا التي وردت في الخطاب وبين الواقع، وتركز الدولة اهتمامها على دور المجتمع المدني في تقديم الخدمات العامة، وينظر نظرة ارتياب للمنظمات التي تدعو إلى تأييد الحقوق والواجبات السياسية والمدنية والتطور الديمقراطي.
* وجود عدد من التحديات الداخلية داخل المنظمات ذاتها، وتشمل غموض وتعدد الأهداف فيما يتعلق برسالة تلك المنظمات، وانعدام الممارسات الديمقراطية داخلها، وضعف
|
|
حفل إطلاق تقرير التنمية البشرية المصري
|
القدرات الفنية للعاملين فيها.
* عدم شيوع فكرة إقامة شبكات الاتصال مع الجمعيات الأخرى، ففي عام كان 5% فقط من 4.300 جمعية أهلية في مجال التنمية أعضاء في الشبكات العربية أو العالمية للجمعيات الأهلية.
* البيئة الاجتماعية والثقافية لا تشجع على ثقافة التطوع، والدليل على ذلك انخفاض معدلات المشاركة من جانب الشباب "الشريحة العمرية 18 – 35 سنة" في العمل الأهلي.
ست رسائل
ويوجه التقرير في ختامه ست رسائل للجمعيات الأهلية، ترسم الطريق الذي ينبغي أن تسير عليه هذه الجمعيات لتحقيق دور أفضل في المجتمع، وهي:
* تطبيق قواعد ومبادئ الديمقراطية تطبيقا أمثل داخلها، وإقامة شبكات فيما بينها من أجل التواصل بشكل أفضل.
* القيام بحملة للدعوة إلى إزالة العقبات التشريعية والعملية التي تكبح نشاطها.
* ينبغي على الدولة أن تتخلى عن احتكارها لبعض الخدمات الاجتماعية مثل إدارة المستشفيات والتعليم الجامعي حتى تستطيع تلك الجمعيات القيام بدور مهم في خدمة غير الأغنياء.
* ضرورة جمع البيانات بصورة أفضل للتعرف على المناطق التي توجد بها خدمات محدودة، بحيث يكون تواجد الجمعيات بها أكثر إلحاحا.
* ضرورة المساواة بين الجنسين في المواقع القيادية بالجمعيات، واعتبارها أداة لتعزيز التوازن بين الجنسين بشكل أكثر إنصافا.
* تنظيم حملة قومية لتعبئة المجتمع وتبادل الآراء والحوار بين الأطراف الثلاثة "الدولة، المجتمع المدني، القطاع الخاص" بحيث تصبح تلك الجمعيات ظاهرة للعيان ويعرف الجميع بنشاطها.
صحفية مهتمة بالشأن الاقتصادي والتنموي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني الخاص بنطاق نماء: namaa@islamonline.net
|