English

 

الخميس. مايو. 15, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الهجوم على الخرطوم.. المغزى والتداعيات

د. حمدي عبد الرحمن حسن

Image
على الرغم من إعلان الحكومة السودانية عن دحر المتمردين الذين تسللوا ولأول مرة إلى العاصمة المثلثة فإن التساؤلات التي طرحها كثير من الناس تدور حول نوايا وخطط حركة العدل والمساواة من وراء نقل ساحة المعارك خارج دارفور لتصل إلى قلب العاصمة؟ وهل يمثل ذلك العمل مجرد مغامرة غير محسوبة العواقب كما وصفها بعض المحللين أو الساسة السودانيين؟ أم أن الأمر أخطر من ذلك بكثير على ضوء المعلومات التي تفيد بوجود زعيم الحركة نفسه خليل إبراهيم في الخرطوم؟ ونظرا لأن الحالة السودانية بجميع تعقيداتها وتوتراتها في الجنوب والغرب والشرق فإنها مفتوحة دائما على كافة الاحتمالات وعرضة لتدخلات أطراف وقوى إقليمية ودولية. لكن يظل التساؤل الأكثر أهمية متعلقا بتداعيات هذا الهجوم، والذي كشف عن عورات كثيرة للنظام الحاكم، على مستقبل أهل السودان.. الحكم والمجتمع في السودان؟

مغزى الهجوم وأهميته

يلاحظ المتابع للشأن السوداني أن الخرطوم ظلت دائما بمنأى عن الصراعات والحروب الأهلية الطويلة التي عانت منها البلاد منذ الاستقلال، بل الأكثر من ذلك فقد شكلت دوما ملاذا وحصنا أمينا يلوذ به أهل الجنوب والغرب على السواء، وإن لفظتهم خارجها، فيظلون متمسكين بردائها الحامي والآمن. وقد استطاعت حكومة البشير تعزيز قبضتها الأمنية على العاصمة مستفيدة من ذلك ومن علاقاتها المتميزة مع الصين وتخصيص بعض عائداتها النفطية لشراء ما يلزمها من معدات وتجهيزات أمنية وعسكرية.

إنه من الصعوبة بمكان تخيل حدوث اختراق لجدار أمن الخرطوم بهذه السهولة؟ إذ كيف يتأتى لمجموعة من الحافلات قد تصل إلى المائة بما تحمله من مقاتلين وأسلحة أن تسقط النظام الحاكم وتستولي على السلطة. أظن أن المقاربة بين الحالتين السودانية والتشادية بهذا الخصوص غير واردة. ومع ذلك فإن نجاح القوات المهاجمة في عبور مسافة طويلة داخل السودان تمتد من كردفان ليصلوا في نهاية المطاف إلى أم درمان يعني توجيه لطمة قوية إلى حكومة البشير وينال من هيبة قواته المسلحة.

ولعل مغزى ذلك الهجوم يطرح أكثر من تساؤل حول تعقيدات الداخل السوداني وحسابات الخارج الإقليمي والدولي. فاستنادا إلى المعلومات الرسمية المعلنة وتقديرات الخبراء والمحللين ثمة إمكانية لوجود اختراق داخل المؤسسة العسكرية السودانية وأن الأمر يكون في هذه الحالة أقرب إلى المحاولة الانقلابية بهدف تغيير النظام الحاكم. فالجيش السوداني يعتمد في عمليات التجنيد والخدمة على مناطق الغرب التي تشهد الصراع في دارفور، كما أن حركة العدل والمساواة المسئولة عن الهجوم تنتمي فكريا وأيديولوجيا إلى قناعات الجبهة القومية الإسلامية، وهي لا تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض. وربما يفسر ذلك لجوء السلطات السودانية إلى اعتقال الأخير لبعض الوقت بحجة استجوابه ومعرفة مدى علاقته بالهجوم على أم درمان. وربما يعضد من ذلك الاستنتاج أن قوات الأمن السودانية قامت بالدور الأكبر في التصدي للمتمردين ودحرهم مقارنة بدور الجيش الذي كان تدخله محدودا.

وتشير بعض التقارير إلى إلقاء القبض على بعض القيادات الوسطى في الجيش السوداني بتهمة تقديم العون اللوجستي والاستخباراتي للمتمردين. ولا شك أن ذلك سوف ينعكس سلبا على وحدة وتماسك الجهاز العسكري في السودان. ومن جهة أخرى فإن الارتباط الوثيق بين مقاتلي جماعة العدل والمساواة والحكومة التشادية تدفع إلى إثارة التساؤلات حول إمكانية التورط التشادي والفرنسي بالتبعية في دعم الهجوم على أم درمان، وهو ما دفع بالحكومة السودانية إلى الإعلان عن قطع علاقاتها الدبلوماسية بتشاد وإطلاق التهديدات باحتفاظها بحق الرد.

وإذا استبعدنا نظرية المؤامرة في تفسير ما حدث فإن ثمة احتمالا بأن قيادة العدل والمساواة أرادت أن تظهر عضلاتها أمام الحكومة بما يسمح لها بإملاء شروطها في العملية التفاوضية حول اقتسام الثروة والسلطة في دارفور، وهو ما يعني من جهة النظر تلك تهميش القوى الأخرى الفاعلة في المسألة الدارفورية. وربما يؤكد من تلك النظرية القول بأن الهجوم على العاصمة كان مجرد "مغامرة" أو "فرقعة إعلامية" لإحراج حكومة الخرطوم ونزع الهيبة عنها.

حصاد الهجوم

حسب التقديرات الحكومية فإن نحو أربعمائة من قوات العدل والمساواة قد قتلوا في المعارك التي دارت رحاها في أم درمان، فضلا عن اعتقال المئات منهم وذلك مقابل مائة فرد قتلوا من بين صفوف القوات الحكومية. ولا تزال هناك فلول للمتمردين تحاول الذوبان في أوساط المدنيين، وهو ما دفع بالحكومة إلى فرض حظر التجول على بعض ضواحي المدينة، وقد أعلنت قوات الأمن السودانية التي تلاحق زعيم حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم عن جائزة مقدارها 125 ألف دولار أمريكي لمن يرشد عنه. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الإعلان الحكومي عن مقتل كل من محمد صالح جربو القائد العسكري لحركة التمرد، وجمال حسن جلال الدين رئيس جهاز استخبارات الحركة لتبين لنا مدى خطورة هذه العملية الهجومية على العاصمة المثلثة. فهل يمكن القول إن وصول قوات العدل والمساواة بهذا العدد الكبير نسبيا من الأفراد، بل وصول رأس القيادة السياسية فيها إلى العاصمة لم يكن أمرا محسوبا؟ أو إنه إظهار للعضلات ومحاولة تغيير قواعد اللعبة السياسية؟ إن القراءة الواعية للحدث تشير إلى أن ثمة أخطاء في إدارة الأزمة من ناحية وإلى وجود أياد خفية قدمت الدعم والعون وربما لا تزال تقدم المأوى والملاذ لفلول المهاجمين وزعيمهم خليل إبراهيم.

ويمكن من خلال متابعة تصريحات قيادات حركة العدل والمساواة بعد الهجوم على أم درمان الاستنتاج أن ثمة تخطيطا مسبقا وعملية مدبرا لها بمشاركة أطراف في الداخل والخارج لإسقاط النظام الحاكم في الخرطوم والذي يعاني من كثرة الكارهين له والمتمنين زواله. وهنا يطرح السؤال حول مستقبل السودان حال نجاح المتمردين في الاستيلاء على السلطة وتغيير نظام الحكم كرها؟

لا شك أن مثل هذا التحول قد يفضي إلى إعادة تشكيل النخبة الحاكمة في البلاد والتي اتسمت بهيمنة جماعات محدودة تنتمي في معظمها للجماعات العروبية الإسلامية في شمال البلاد، وذلك منذ الاستقلال عام 1956. وقد يجد أهل السودان أنفسهم والحالة هذه أمام أحد احتمالين رئيسيين: أولهما إعادة توزيع الثروة والسلطة في البلاد بشكل يحقق العدالة بين مختلف المناطق والجماعات. ولا يخفى أن جماعات التمرد في دارفور مسلمة، بل قد يشارك بعضها نفس التوجهات والقناعات الدينية للحركة الإسلامية بجناحيها الحاكم والمعارض في السودان. أما الاحتمال الثاني فهو يدفع باتجاه تفكك المجتمع السوداني على أسس دينية وثقافية وإثنية. وقد يمكن للجنوب أن ينفصل عن جسد الدولة الموحدة في الاستفتاء المقرر عقده عام (2011) طبقا لاتفاق السلام الشامل الذي تم التوصل إليه بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2005، وربما تكون بعض الجماعات الراديكالية بانتماءاتها الإقليمية المختلفة ترى إمكانية التضحية بالجنوب غير المسلم مقابل المحافظة على الهوية الإسلامية للشمال.

التداعيات وآفاق المستقبل

ما الذي يعنيه الهجوم على العاصمة السودانية؟ وما هي احتمالات تداعياته على الجبهة الداخلية وعلى التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بأزمات السودان، ولاسيما ما يحدث في دارفور؟

1- لعل الملاحظة الأولى المرتبطة بنتائج الهجوم على العاصمة تستدعي مشاعر السخط والتنديد الشعبي بهذا الهجوم وبمنفذيه، وهو ما يعني تأييدا لحكومة البشير وخصما سلبيا من رصيد القضية الدارفورية. وقد حرصت جميع القوى السياسية الرئيسية وعلى رأسها حكومة الجنوب برئاسة نائب رئيس الجمهورية سلفا كير، وزعيم حزب الأمة الصادق المهدي وزعيم حزب الاتحاد عثمان الميرغني، وباستثناء حزب المؤتمر الشعبي بزعامة الترابي الذي أحجم عن إصدار رأي قاطع، على إدانة ما أقدمت عليه حركة العدل والمساواة، بل تأييدهم لجهود الحكومة الاتحادية في التصدي لهذا الهجوم. ويعني ذلك تدعيم موقف الحكومة في مواجهة فصيل خليل إبراهيم ومحاولة عزله في إطار أي تسوية تفاوضية في المستقبل نظرا لتورطه في خيار الحل العسكري.

2- من المعلوم أن السودان أضحت دولة نفطية في السنوات الأخيرة، وهي تستخدم عوائد النفط في محاولة لدعم جهود التنمية وجذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد، وهو ما يلاحظه الزائر للخرطوم من مظاهر نهضة عمرانية ناشئة. وقد ظلت حقول النفط بعيدة عن مصادر النزاع والتوتر. بيد أن وصول حركة التمرد إلى قلب العاصمة قد يعني إشاعة جو من القلق والخوف بين أصحاب رءوس الأموال وهم في أغلبهم من دول عربية وشرق أوسطية وآسيوية. ولعل مراجعة أرقام معدلات النمو الاقتصادي في السودان خلال السنوات الأخيرة تؤكد خطورة هذا الجانب السلبي للهجوم على العاصمة. ففي عامي 2006 و 2007 بلغ النمو في الناتج القومي الإجمالي نحو (10%) ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض هذه النسبة إلى (8%) في العام الحالي.

3- لا يمكن إنكار التداخل والتشابك الجغرافي والسكاني بين السودان وكثير من جيرانها، ولاسيما تشاد. فعندما وقعت المحاولة الانقلابية في إنجامينا في فبراير الماضي وحاصر المتمردون قصر الرئيس ديبي توافرت معلومات موثوق بها أن قوات من حركة العدل والمساواة الدارفورية مشاركة في الدفاع عن القصر. ومن المعلوم أن معظم أفراد هذه الحركة ينتمون إلى قبائل الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس ديبي نفسه. وعلى الرغم من نفي كل من البلدين أنهما يساعدان قوات التمرد فإنهما من الناحية الواقعية يفعلان ذلك. فالرئيس ديبي نفسه وصل إلى السلطة في تشاد عبر بوابة السودان الغربية. وعليه فقد بادر السودان بقطع علاقاته الدبلوماسية مع تشاد التي ردت بإغلاق حدودها الشرقية مع السودان وقطع كل اتصال به. يعني ذلك الدفع بمنظومة العلاقات الإقليمية للسودان نحو مزيد من التوتر والأزمات. ولا يخفى في هذه الحالة الوجود الفرنسي المكثف في تشاد ضمن الحامية الفرنسية التقليدية في إنجامينا وفي إطار قوات حفظ السلام الأوروبية (الأيوفور) المتمركزة على الحدود التشادية مع دارفور. وعلى الرغم من الإدانة الفرنسية للهجوم فإنه ليس من المستبعد أن تكون هناك أياد خفية لفرنسا من خلال تعاونها الأمني والاستخباراتي مع نظام الرئيس ديبي في تشاد.

4- على الرغم من عدم تأكيد التقارير التي أفادت بحصول السودان على مساعدات عسكرية طارئة من مصر فإن النظام سوف يعيد تقييم حساباته في إطار تفاعلاته مع القوى الإقليمية والدولية الكبرى. فقد بدأت الخرطوم مفاوضات مع الإدارة الأمريكية لتطبيع العلاقات وللتخفيف من غلواء الموقف الأمريكي من أزمة دارفور الذي يصر على وصفه بأنه عملية تطهير عرقي منظم من قبل الحكومة وأنصارها في الإقليم. على أن تداعيات هجوم المتمردين على الخرطوم سوف تؤدي في الأغلب إلى تجميد هذه الجهود الدبلوماسية وربما يزداد الموقف السوداني تصلبا إزاء نشر المزيد من القوات الدولية والإفريقية في إقليم دارفور. وقد بدأت جماعات المعارضة والمنظمات الحقوقية تعلن عن مخاوفها من إمكانية قيام الحكومة السودانية باللجوء إلى الخيار العسكري في مواجهة حركات التمرد على حساب تعطيل المسار التفاوضي السياسي.

وبعد.. فإن طبيعة السودان وأهله تفرض دوما خيار التوافق والتراضي بما يدعم فرص التعايش المشترك ويحقق المواطنة والأمن للجميع على قدم المساواة. فالبلاد تغمرها مسحة من عبقرية المكان والسكان على حد تعبير مؤرخنا الراحل جمال حمدان، وهو ما قد يجعلها ثروة نافعة لأهلها وامتدادا إستراتيجيا لمحيطها العربي والإسلامي. بيد أن السودان ظلمت على أيدي أهلها قبل جيرانها والمتربصين بها فأعملوا فيه الصراع والفرقة وذهبوا بخيراتها كهشيم تذروه الرياح. وعليه فإن إدارة أزمة الدولة الراهنة بما يقضي بالمحافظة على وحدة الدولة وتماسك المجتمع يستلزم القيام بما يأتي:

- بناء توافق سياسي عريض يشمل جميع القوى والجماعات السياسية الفاعلة دون إقصاء أو إبعاد لأحد مهما كانت مواقفه وآراؤه السياسية. يعني ذلك اللجوء إلى قاعدة التوافق في اتخاذ القرارات الكبرى، ولا سيما المتعلقة بالحرب والسلام.

- التوصل إلى تسوية شاملة لمشكلة درافور على أسس تقضي بالمشاركة في توزيع السلطة والثروة على أساس من المواطنة السليمة. ومن المعلوم أن الصراع في دارفور يختلف في توصيفه وطبيعته عن الحرب الأهلية التي دارت رحاها في الجنوب. وعليه فإن خيار الانفصال غير وارد في المسألة الدارفورية. وهو ما يجعل الصراع مرتبطا في أحد جوانبه الأساسية بمشروع الدولة الوطنية في السودان.

- إذا كان الصراع في كثير من أنحاء السودان مرتبطًا بالموارد وشحها والتنافس عليها فإن البترول وتصديره قد يكون سلاحا ذا حدين؛ فإما أن يسهم في تحقيق التنمية الشاملة والعادلة، ومن ثم يجعل خيار وحدة الدولة وتكاملها جاذبا لمختلف الأقاليم والمجموعات، وإما أن يصبح هو الآخر مصدرا للفرقة والصراع ويؤدي إلى تفكك الدولة في نهاية المطاف، وعليه ينبغي إدارة موارد النفط بحكمة تجعله مصدر خير ونماء للجميع.


أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخبير في الشئون الأفريقية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات