English

 

السبت. فبراير. 23, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » شؤون إسلامية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الأمريكيون ونحــــــن.. تدابير مـــا قبل الأفول

سامي لطيف

Image
العداء الأمريكي للعرب جذوره عميقة

في إحدى جولاتي خارج بلدي توقفت في عدة محطات، ومن بين تلك المحطات كانت تونس الخضراء التي لها مكانة خاصة في وجداني، حيث التقيت مجموعة من الشباب الأمريكي تضم نحو 30 طالباً من مختلف الجامعات الأمريكية أوفدتهم وزارة الخارجية لتلقي دورة دراسية في اللغة العربية بحيث يتمكنوا لاحقاً من تبوؤ مواقع في المؤسسات الحكومية الأمريكية، والمجموعة تنتمي علمياً إلى تخصصات شتى من القانون الدولي إلى العلوم السياسية وغيرها ..

وفي الفندق الذي أقيم فيه كلما زرت تونس منذ زمن قابلت ثلاثة من أولئك الدارسين، شابان : إيتان واتسون ، وجيم ادموند ، وفتاة : جوردن ريغان ، كانوا متعددي المشارب السياسية أو الحزبية ، الأول قريب إلى فكر الحزب الديمقراطي فيما الثاني مؤيد للجمهوريين أما الفتاة فكانت اقرب إلى الاشتراكيين الديمقراطيين ، وقد توفر لنا أحيانا الوقت للحوار الذي بدأ اجتماعياً وانتهى فكرياً وسياسياً، ولكن ما جمع بينهم - من خلال ما جرى بيننا من أحاديث وحوارات - كان في رأيي ظرفهم وودهم خاصةً جوردن ريغان الصعلوكة التي وجدتها منحازة للبعد الإنساني لدى مناقشة كل قضية ، كما جمع بينهم - ولفت ذلك انتباهي- رفضهم لسياسات رئيسهم جورج دبليو بوش واعتبارهم إن تلك السياسات قد أضرت بمكانة الولايات المتحدة ، إلى درجة لا يستحق معها الموقع الرئاسي الذي يتربع عليه .. على حد تعبيرهم ! .

لقد اكتشفت فيهم كذلك النموذج الحي لتضليل الأعلام الأمريكي وأثر ذلك التضليل على الشرائح المختلفة من الشعب الأمريكي، كانت معلوماتهم مغلوطة بما في ذلك الأساسيات أو المعلومات الجوهرية المتعلقة بأحداث مفصلية واضحة المعالم، فدعوتهم إلى عدم الأخذ من مصدر واحد وهو الإعلام الأمريكي، وإلى البحث عن مصادر أخرى منوعة ليفهموا حقيقة ما يحصل في وطننا العربي والعالم، وتبادلنا عناوين البريد الالكتروني في ختام لقاءتنا التي استغرقت أسبوعاً ..

بعد فترة ليست بالقصيرة ، تلقيت رسالة رقيقة من إيتان واتسون على بريدي الالكتروني، أبدى لي فيها حرصه على إتقان العربية على يد معلمة سورية الأصل تعمل صحفية ومتزوجة من أستاذ عراقي للموسيقى يعمل بجامعة نيومكسيكو التي يدرس بها إيثان، كي يتسنى له الإطلاع على ما تنشره وسائل الأعلام العربية مباشرة، ومتابعة ما اكتبه في صحيفة القدس العربي ..

تراث العداء الأمريكي للعرب والمسلمين

بوسع إيتان واتسون، الشاب الذي راسلني ، أن يطلع على الكثير من خلال تعلمه وإجادته اللغة العربية، ولكن ما العمل تجاه عرب يجيدون القراءة بالعربية والكتابة بها وليسوا راغبين في الإطلاع على تاريخ العلاقات العربية الأمريكية ، وليسوا مهتمين بمتابعة مسلسل الأحداث التي شهدها الوطن العربي منذ عشرات السنين وإنما هم يتعاملون مع ما يجري وكأنه قد بدأ البارحة وينتهي غداً ، أو كأن العداء الأمريكي للأمة العربية مسلمة ينبغي التعامل بنتائجها دون مراجعة، أو كأن النظام الرسمي العربي بتنازله المستديم للإدارات الأمريكية المتعاقبة إنما هو يسلم بمشيئة القدر الأمريكي الهابط عليه دون وعي منه أو علم بما تجترح يداه من مصائب وكوارث تطال حتى الأجيال العربية التي لم تولد بعد .

ينبغي الاعتراف هنا بأنه لا يفوق جهل الأمريكيين - كأمة ـ بحقيقة ما يحدث في منطقتنا عبر تلقيهم أكاذيب الإعلام الأمريكي الموجه دائماً لخدمة مصالح الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سوى جهل العرب كأمة أيضاً ـــــ بتراث العداء الأمريكي لهم ومنطلقاته وأسبابه ونتائجه ومساراته، رغم تقلبهم على نار الثمن الباهظ لذلك العداء ، والدليل على ذلك الجهل العربي أن العرب ما إنفكوا يراهنون على الرئيس الجديد الأمريكي كلما حدثت انتخابات جديدة، وأنهم مازالوا في خطابهم الحكومي الرسمي يتوجهون إلى الولايات المتحدة بصفتها الحكم النزيه والوسيط العادل، وأن واشنطن كلما دعت إلى مؤتمر ما يحضره العرب والصهاينة ، سارعت الحكومات العربية إلى التهليل والإبتهاج، وكأن عشرات المؤتمرات التي عقدت برعاية أمريكية طيلة العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية قد جلبت السمن والعسل لهذه الأمة.

فإذا كانت لدى الأمريكيين مشكلة هي الجهل بنا، كشعب وليس كحكومة أمريكية ، فإننا لدينا مشكلة الإنسياق كشعب وراء حكوماتنا العربية الصاغرة أمام سياسات الحكومة الأمريكية، صحيح أن الشارع العربي من المحيط إلى الخليج يقول ويشعر عكس ما تقوله الحكومات وتشعر به، ولكن النتيجة النهائية أن مصائر الأمة يقررها الآخرون ويتلقى نتائجها المواطنون، وهذا المقال بالتالي موجه للطرفين معاً، لأمثال إيثان واتسون من الأغلبية في أمريكا لمعرفة الحقيقة التي لا يطلعهم عليها الإعلام الأمريكي وأيضاً للجيل الجديد من العرب المحكومين الذين قد يفوتهم قطار المعرفة بتراث العداء الأمريكي الرسمي للأمة العربية وللأمة الإسلامية، إذ بين الأمريكيين والعرب مائة عام من الصدام، قرن كامل من العداء الأمريكي للعرب...

ولكن هل كان الصدام حتمياً ؟ ألم تكن ثمة وسيلة لتلافي هذا الصدام وتجنب أثاره؟

السؤال قد يبدو مفعماً بنوايا حسنة، غير أن حسن النوايا لا يشفع لأصحابه حينما تكون اللعبة لعبة مصائر، حيث يكون الزمان زمن التكالب على السيطرة ، والمكان قبلة أطماع تاريخية وأحياناً أسطورية في ما فوق الأرض وما تحت ثراها...

والعداء الأمريكي للعرب الذي نشهد اليوم أقصى فصوله مرارة وقسوة، ليس نتاج تطورات السياسة العالمية التي أعقبت نشوب الحرب العالمية الثانية، وهو بالتأكيد ليس نتيجة للعصر الذي شهدت فيه المنطقة لأول مرة مداً قومياً عقب تفجر الثورة الناصرية في مصر وإمتداد تأثيرها بين الخليج والمحيط، وإنما العداء الأمريكي لنا نحن العرب قد بدأ قبل ذلك بكثير ...

وعندما قال بوش ذات مرة في 7/9/2002 إن الله أمره أن يخوض الحرب ضد أفغانستان والعراق، فإنه في الحقيقة كان يعبر عن تراث فكري متغلغل وله جذوره الضاربة في نشأة الولايات المتحدة ذاتها، يذكر د.فهد العرابي في كتابه "أمريكا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل"، أن الرئيس الأمريكي في عام 1893 ويليام ماكينلي عندما أمر بغزو الفلبين قال في خطاب علني أمام حشود من شعبه "نحن لم نذهب إلى الفلبين بهدف إحتلالها، لكن السيد المسيح زارني في المنام وطلب مني أن نتصرف كأمريكيين ونذهب إلى الفلبين لكي نجعل شعبها يتمتع بالحضارة.."

وقبل ذلك كان الجنرال جورج واشنطن قد بعث برسالة إلى مفوض الولايات للشؤون الهندية جاء فيها :"إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها.."

المفارقة الآن إن دعاة حماية البيئة يمنعون الآن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها، ولكن لا أحد يذكر حق الفلسطيني في بيته وّبيارته ومائه وسمائه...

هناك دين مدني في أمريكا، كما كتب عالم الإجتماع الأمريكي روبرت بيللا في محاضرة له في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، (والعبارة مأخوذة من جان جاك روسو في عقده الاجتماعي) ، فحواه قناعة الأمة الأمريكية ، بأنها هي إسرائيل الجديدة وأنها هي الشعب المختار وأنها ذات رسالة خلاصية للعالم، وكان رونالد ريغان قد أعلن ذات يوم أن ثراء ورخاء الولايات المتحدة يرجع لكونها "أمة مباركة من الله"، أما بيل كلينتون فقد قال أمام الكنيست الصهيوني بأنه زار الأراضي المقدسة لأول مرة برفقة كاهن كان قد قال له أكثر من مرة "إذا تخليت عن إسرائيل فإن الله سيغضب عليك" واستطرد بعد ذلك ليؤكد لأعضاء الكنيست إلتزام إدارته بإرادة الله (... ) وتفانيه في تحقيق حلم اليهود وأجدادهم...

فمن جهة هناك لدى الطبقة السياسية الأمريكية نزوع إلى الإعتقاد بالدور الرسالي لأمريكا في العالم، ومن جهة أخرى هناك القناعة اللاهوتية لدى النخبة السياسية الأمريكية بأن خدمة الحركة الصهيونية العالمية وتجليها في الكيان العبري إنما هو خدمة لملكوت الله ... حاشا لله !

وقد لا يعرف الكثيرون أن الولايات المتحدة لم يبدأ تاريخها مع الحركة الصهيونية بمجرد ولادة الكيان العبري عام 1948، وإنما أسهمت- مع أوروبا - في التحضير لتلك الولادة قبل ذلك بكثير...

قبيل أفول الدولة العثمانية، كان آخر ثلاثة سفراء أمريكيين في الآستانة من اليهود، وكان لأشهرهم "مورغنثو" دوراً بارزاً في خدمة الوكالة اليهودية ذات الشبكة الهائلة من المصالح والمواقع في أوروبا، تمهيداً للمشروع الصهيوني القادم، ولقد لعب اليهود الأمريكيون دوراً بارزاً في إيصال "ودرو ويلسون" إلى سدة الرئاسة في الانتخابات التي جرت عام 1912 فكان أن رد هو لهم الجميل بتأييده وعد بلفور عام 1917 ..

وكان ويلسون هذا نفسه هو صاحب الإعلان الشهير لمبادئه الأربعة عشر إبان إحتدام الحرب العالمية الأولى، خاصةً ما تضمنته من نص على الحق في تقرير مصير الشعوب، وسرعان ما أعقب إنعقاد مؤتمر باريس الدولي الحرب الأولى ، فتبخرت تلك الآمال العربية في ويلسون الذي إنحاز إلى جانب الأوربيين بتأييده لنظام الإنتداب مقرراً بذلك شرعية الاحتلال الأوروبي للوطن العربي المجزأ ، وفي ذلك المؤتمر جاء سعد زغلول من مصر على رأس وفد كبير، لم يكتف ويلسون برفض استقلال مصر عن بريطانيا، بل رفض في لقائه سعداً مجرد طرح المسألة المصرية أساساً !

وبين الحربين العالميتين، تغاضت أمريكا عن المطامع الأوروبية في تقاسم الوطن العربي، فسقط المشرق العربي كله عدا وسط وغرب الجزيرة العربية تحت الاحتلال البريطاني الفرنسي، وتكرس الاحتلال الإيطالي والفرنسي والأسباني الذي كان قد بدأ قبل الحرب العالمية الأولى في المغرب العربي..

وكانت أمريكا هي التي رفضت طلب اليمن الإعتراف باستقلاله، وهو الطلب الذي قدّمه "الإمام يحيى " خلال الحرب العالمية الأولى بعد اضطرار القوات التركية للإنسحاب من صنعاء، كما كانت أمريكا هي التي أرسلت طياريها المتطوعين ليحاربوا كمرتزقة ضمن القوات الفرنسية ضد ثورة الريف في مراكش خلال عشرينات القرن الماضي...

وقبل الحربين وبينهما نشطت الإرساليات وبعثات التبشير الأمريكية إلى المنطقة العربية، فيما يشبه عمليات الاستطلاع والاستكشاف تمهيداً للحملة المقبلة، وهكذا بدأت الجامعة الأمريكية في القاهرة نشاطها منذ 1919، وتحولت الكلية السورية البروتستانتية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1920، وتوسعت شبكة مدارس الإرساليات في لبنان وسوريا والعراق على وجه الخصوص، وأنشأت الكنيسة اللوثرية الإصلاحية مراكز لها في دير الزور بسورية، وفي العمارة بالعراق، وفي مطرح قرب مسقط، وأرسلت جامعات ييل وبنسلفانيا وشيكاغو منذ العشرينات والثلاثينات بعثات تنقيب عن الآثار شملت مصر وسوريا والعراق..

ولم يكن العمل التبشيري والثقافي وحده ليرضي الطموح الأمريكي إلى لعب دور يتناسب مع الحجم المتنامي لأمريكا دولياً، وهكذا دشنت واشنطن دخولها على الخط الإقتصادي والتجاري بتوقيع معاهدة 1924 مع دول الانتداب، والتي نصت على مساواتها بتلك الدول في الامتيازات الإقتصادية التي تتيح لها نهب ثروات الوطن العربي..

لقد بدأ الاهتمام الأمريكي بنفط العراق والكويت والبحرين مبكراً في العشرينات، تم بنفط السعودية منذ الثلاثينات، غير أن الاهتمام الفعلي بالنفط العربي بدأ خلال الحرب العالمية الثانية نتيجة إغلاق دول المحور البحر المتوسط عام 1942 من جهة وظهور الغواصات الألمانية في البحر الكاريبي، مدخل خزان النفط العالمي آنذاك من جهة أخرى، وبحلول عام 1943 وجدت أمريكا نفسها ملزمة بضخ أكثر من 70% من موارد الطاقة التي يستخدمها الحلفاء كافة، فقررت الرد على ما أعتبرته إستنزافاً خطيراً لنفطها بأن تمد بصرها ويدها نحو الخليج وشبه الجزيرة العربية، وترجم الرئيس روزفلت ذلك التوجه بإعلانه يوم 18 فبراير 1943 أن السعودية "قد أصبحت منذ الآن فصاعداً ذات ضرورة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية" ...

ولقد شدّت تلك الأطماع الأمريكية في النفط العربي انتباه بريطانيا، والحرب العالمية الثانية لما تضع أوزارها بعد، وكانت بريطانيا تتوجس أن تفقد مواقع نفوذها الإستراتيجي بعد الحرب، فحاولت الدخول في مباحثات مع الأمريكان لتقاسم الوظائف والإمتيازات في نهب الثروات العربية، وعقدت لذلك الغرض مباحثات سياسية مع واشنطن أوائل يناير 1944 ، ونفطية أواخر أبريل من العام نفسه، ولكن واشنطن أرادت الكعكة العربية كلها لنفسها فتذرعت برفض الكونجرس تصديق مثل هذا التقاسم الوظيفي، وقررت الإنفراد بالمنطقة بعد الحرب ..

مراسيم العداء.. من ترومان إلى كارتر

إن درجة العداء الأمريكي للعرب قبل الحرب العالمية الأولى وما بين الحربين لا يمكن مقارنتها بدرجة عدائها لهم بعد الحرب العالمية الثانية، إذا أخذت تسفر لهم شيئاً فشيئاً عن وجهها القبيح بمراسيم رئاسية اختصتهم بها وأسمتها مبادئ .. مبدأ ترومان ، مبدأ أيزونهاور ، مبدأ نيكسون ، مبدأ كارتر ،.. إلخ !

ففي مارس 1947 أعلنت الإدارة الأمريكية مبدأ ترومان الذي كان يعني تقديم المساعدات العسكرية والإقتصادية للدول والحكومات المعارضة للأيدلوجية والسياسات السوفيتية .

لقد أصبحت دعوى محاربة الشيوعية في أنحاء العالم، وبصفة خاصة في المنطقة العربية هي الدين الجديد الذي رأى ترومان أنه رسول العناية لإجبار البشر على الإيمان به، وهي الستار الذي تعمل أمريكا من ورائه للتدخل في كل شأن داخلي عربي، ولقد أدركت أمريكا الدور التاريخي والجغرافي والثقل المعنوي البارز لمصر في محيطها العربي فركزت عليها، وهكذا نجدها في أكتوبر 1951 توجه الدعوة لإنشاء ما أسمته {قيادة الشرق الأوسط} في القاهرة، بعضوية كل من بريطانيا وفرنسا واستراليا وجنوب أفريقيا، ثم بعثت إلى حكومة مصطفى النحاس بمذكرة تطالبها فيها بالنص: "تقديم تسهيلات دفاعية إستراتيجية وغيرها من التسهيلات التي لا غنى عنها لتنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط في وقت السلم ، والتعهد بمنح القيادة المتحالفة للشرق الأوسط جميع التسهيلات والمساعدات اللازمة في حالة نشوب الحرب، على أن تلغي بريطانيا مقابل ذلك معاهدة الحماية المبرمة عام 1936 من جانبها وتسحب جزءاً من قواتها من مصر" ، ولقد كان رد النحاس على هذا العرض بإستعمار_ أمريكي - دولي لبلد ما فتئ يعاني منذ عشرات السنين من إستعمار بريطاني، هو إلغاؤه من جانب واحد كلاً من معاهدة 1936 والإتفاق المصري البريطاني المشترك لحكم السودان المبرم عام 1981 ، وهكذا سقط الإقتراح الأمريكي، وكان التأثير الصهيوني على انتخابات الرئاسة الأمريكية عبر أصوات الناخبين اليهود الأمريكيين وتمويلهم قد بدأ يجد طريقه إلى التبلور الكبير في شخص هاري ترومان نفسه عندما أراد أن يجدد لدورة رئاسية ثانية.

وكانت سنة 1948 سنة انتخابات وفرصته ضعيفة أمام منافسة الجمهوري القوى توماس ديوي حاكم نيويورك المؤيد من يهودها، فألزم ترومان أمريكا بالتأييد المطلق لسياسة الإستيطان والتوسع الصهيوني في فلسطين، وقام بدور رئيسي في تمرير قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في29 نوفمبر 1947 ، ثم اعترف بالدولة الصهيونية بعد عشر دقائق من إعلان بن جوريون لها في مساء 14 مايو 1984. وكان التاريخ نفسه، أي 29 نوفمبر 1974 هو تاريخ صدور قرار آخر رقم 194 ينص على حق الفلسطينيين في العودة والتعويض وإنشاء دولة مستقلة لهم، ولكن ذلك القرار لم يكتب له أن يرى النور، إلى أن سحبته أمريكا من التصويت عليه بعد أوسلو 1993، وبعد أن ظلت تعطل مفعوله لأكثر من أربعين عاماً بقليل..

وجاءت إدارة الرئيس أيزنهاور، الذي أعطى تفويضاً لوزير خارجيته جون فوستر دالاس في تسيير السياسة الخارجية، فأستهل هذا ولايته بإعرابه في تصريح شهير عن سخطه "لأن الزعماء والمسئولين في الشرق الأوسط لا يرون العالم كما يراه هو ..." كما قال بالحرف الواحد.

وكان العالم كما يراه دالاس، هو أن تصبح المنطقة العربية ترساً في آلة حرب أمريكية ضخمة ضد الشيوعية، مع تجاهل تام لمشاعر العرب وأمانيهم القومية ورغبتهم في التحرر والتقدم، وهي المشاعر والمبادئ التي وجدت في جمال عبد الناصر قيادة ثورية تحرض الجماهير العربية بين الخليج والمحيط للوثوب إليها.

لقد رد عبد الناصر على دالاس بأن الأمة العربية ترفض الإقتناع بأن عدوها في موسكو، بينما العدو الحقيقي يحتل فلسطين ويهدد مصر وسوريا والأردن ولبنان والوطن العربي كله، وبقيام الثورة في مصر وهبوب رياح التغيير الثوري على أنحاء هذا الوطن الكبير، زاد التناقض بين المصالح الأمريكية والمصالح العربية ، وترجمت أمريكا ذلك التناقض إلى أعمال عدائية عنيفة...

لقد رفضت أمريكا تسليح مصر الثورة، وطار صوابها عندما وقعت القاهرة صفقة دبابات مع براغ ، وسحبت عرضها لتمويل بناء السد العالي وضغطت على البنك الدولي ليمنع مد مصر بالقروض اللازمة لبناء السد ، ثم هاجمت قرار عبد الناصر التاريخي بتأميم قناة السويس، وعارضت في العلن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، ولكن الوثائق السرية المفرج عنها لكل من وزارة الخارجية البريطانية ووزارة الخارجية الفرنسية أثبتت تواطؤ واشنطن الفعلي في ذلك العدوان موافقة وتحضيراً ، واعترضت أمريكا على مبادئ القومية العربية وعدم الإنحياز والحياد الإيجابي، واعتبرت عدم انحياز العرب بالكامل لها عداءَ منهم لسياستها وإنحيازاً إلى الشيوعية، وهكذا صاغت إدارة الرئيس أيزنهاور مبدأ أيزنهاور الخطير التالي :" إن المصلحة القومية للولايات المتحدة تبرر التدخل المسلح في الشرق الأوسط حسب التقدير المطلق للحكومة الأمريكية"..

وكان الرئيس جون كينيدي على قدر كاف من النضج ليلحظ فيما بعد في كتابه "إستراتيجية السلام" الصادر عام 1961 إن "رفض تمويل السد العالي ومفهوم حلف بغداد ومبدأ أيزنهاور الذي يقابل بالرفض في كل بلد، كل ذلك في نظري يمثل لحظات غير سعيدة للسيد دالاس في الشرق الأوسط"...

لقد دعمت أمريكا إنشاء حلف بغداد في مباحثات أيزنهاور ورئيس الوزراء البريطاني ماكميلان التي جرت في مارس 1957 في جزيرة برمودا ، وربط الحلف عراق نوري السعيد بإيران الشاه بتركيا وباكستان، ورفضت دول الجامعة العربية ذلك الحلف، عدا كميل شمعون الذي أعلن حياد لبنان ، ثم استدعى المارينز عندما انفجرت في وجهه ثورة 1958 متيحاً الفرصة لأيزنهاور كي يطبق مبدأه ...

في الستينات ، شهد العداء الأمريكي للعرب نقلة نوعية على يد ليندون جونسون، الذي أعطى الضوء الأخضر للكيان الصهيوني لشن عدوان 1967، ولقد نشر رجل المخابرات الأمريكية السابق والمحلل الإستراتيجي الشهير وليم كوانت في كتابه "عصر القرارات" حقائق عن تلك المؤامرة، وفضح قناة الإتصال السرية التي كانت قائمة بين المخابرات المركزية والموساد للتنسيق خارج القنوات السياسية والدبلوماسية بهدف الهجوم على مصر لإسقاط عبد الناصر ، وفي أعقاب الحرب ، صرح جونسون في 19 يونيو 1967 بأن الكيان الصهيوني غير ملزم بإعادة الأراضي التي استولى عليها ..

ومع تولى نيكسون للحكم، كان مبدأ نيكسون الذي أعلنه في يوليو 1969 هو "العمل لضمان تحمل الحلفاء قدراً أكبر من تكاليف الدفاع عن الأهداف والسياسات التي تعمل من أجلها أمريكا"، بهذا أوكلت أمريكا للشاه دوراً إقليمياً في الخليج وفي الصراع العربي الصهيوني، هو دور خفير الحارة ، وفي أعوام 1971 ، 1972 ، 1973 حصل العدو الصهيوني على مساعدات عسكرية مقدارها 545 مليوناً ، 300 مليون ، 307.5 مليون دولار على التوالي، مقابل مساعدات عسكرية مقدارها 25 مليوناً ، 85 مليوناً ، 30 مليوناً من الدولارات خلال السنوات السابقة 68،69،1970، كان هدف نيكسون هو دعم التفوق العسكري الإسرائيلي للحيلولة دون أن يحرر العرب أرضهم المحتلة عام 1967 ، والثابت في الحرب التي جرت عام 1973 أن الولايات المتحدة قد قاتلت في تلك الحرب مع الإسرائيليين بشكل مباشر ، وكان هنري كيسنجر وزير خارجية نيكسون قد صمم على حرمان العرب سلاحيهما اللذان برزا في تلك الحرب : الوحدة والنفط ، فيما يتعلق بالوحدة فقد عمل على تفكيك المواقف السياسية العربية الملتحمة حول فكرة التحرير وإزالة كافة آثار العدوان على كل الجبهات، وفيما يتعلق بالنفط فقد وصل إلى التهديد في 21/11/1973 بأن أمريكا ستغلق منابع النفط العربي وأنها ستتخذ تدابير مضادة لمنتجي النفط ، وبعد أسبوع أعلن جيمس شيلسنجر وزير الحرب الأمريكي عن نية بلاده الإحتفاظ بوجود بحري كبير في المحيط الهندي يرمي إلى حماية المصالح الأمريكية في الخليج ، ورد الرئيس الراحل "هواري بومدين" على ذلك بخطاب قال فيه "إذا حاول الغرب التصرف بصلافة أو استخدام القوة سنضرم النار في جميع آبار النفط وندمر جميع الأنابيب وسيدفع الغرب الثمن"..

وكان كيسنجر بعد ذلك هو الذي استخدم السادات كي يلح على الملك فيصل لوقف الحظر النفطي، ونقلت شيرلي تمبل بلاك، المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة عن السادات الذي قابلته قوله لها :" سوف أرفع الحظر .. سأرفعه من أجل الرئيس نيكسون" ، ولقد ورد ذلك بالحرف في كتاب "مذكرات نيكسون" ...

وفي مطلع 1977 تولى كارتر الحكم ، ليواصل سياسة كيسنجر، وأعلن كارتر مبدأه ، "استخدام القوة لصد أي هجوم سوفييتي محتمل على الخليج" ، ولم يثبت أبداً أنه كان لدى السوفييت النية لاحتلال الخليج ، ولكن الفزّاعة السوفييتية كانت مطلوبة كي تحتل أمريكا الخليج عسكرياً، ثم كانت مؤامرة بريجنسكي مستشار كارتر للأمن القومي في الإعداد والتنفيذ والإخراج لكامب ديفيد ، بهدف عزل مصر عن أمتها وربطها بالعجلة الأمريكية والإسرائيلية، كان هدف بريجنسكي المعلن أن تصبح المعاهدة "حجر أساس لنظام أمني جديد في الشرق الأوسط" كما قال حرفياً..

لاحقاً كشف سيمور هيرش في كتابه "ثمن السلطة : كيسنجر في البيت الأبيض" معارضة نيكسون وكيسنجر للانسحاب الإسرائيلي الذي طالبت به الأمم المتحدة، ولمبادرة كان إسمها مبادرة الأربعة الكبار قدمها الجنرال ديجول قبل ذلك لفرض حل يستند إلى الشرعية الدولية وقراراتها، كان ذلك الرفض بحجة أن الإنسحاب سيعني انتصاراً للاتحاد السوفييتي وللدول العربية اليسارية، ثم بعد نشر مذكرات موشي ديان وأسحق رابين تبين أن أمريكا نيكسون وكيسنجر شجعت الكيان الصهيوني على تصعيد حرب الاستنزاف بغارات على العمق المصري (مذبحة 300 عامل في مصنع أبو زعبل و 50 تلميذ وتلميذة إبتدائي في مدرسة بحر البقر وقصف مصانع نجع حمادي بصعيد مصر) وشجعتها على قصف بطاريات صواريخ سام6 المضادة للطائرات المنصوبة غرب قناة السويس...

وفرضت الولايات المتحدة رؤيتها لمفاوضات مباشرة ثنائية، فعقد مؤتمر جنيف الفاشل في ديسمبر 1973 برئاسة أمريكية سوفييتية مشتركة بعد تدشين نيكسون لما أسماه محمد حسنين هيكل آنذاك سياسة الوفاق، السياسة التي جرّت فيها واشنطن السوفييت إلى سلسلة من المعاهدات العسكرية الإستراتيجية في حرب استنزاف طويلة المدى انتهت بانهيار الإتحاد السوفييتي نفسه.

لم يسفر مؤتمر جنيف الذي قاطعته سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية التي لم تدع أصلاً عن شئ يذكر، وكان المؤتمر حاضنة طبيعية لولادة تملص السادات من إلتزامات مصر القومية ودخوله في الحل المنفصل لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ، وعقد اتفاقية فك الإشتباك في الخيمة 101 في يناير 1974 ، ثم إتفاقية فك الإشتباك الثانية في شهر سبتمبر من نفس السنة ، وتعهد السادات بإنهاء حالة الحرب فيما العدو الصهيوني يحتل الضفة والقطاع والجولان ومعظم سيناء ..

نعود إلى كارتر ، لقد كان همه الأساسي عقب توليه الحكم هو فرض الرؤية الأمريكية لتسوية الصراع على حساب الرؤية الدولية التي تعبر عنها بنوع من التوازن قرارات الأمم المتحدة ، كانت الرؤية الدولية تلك تسعى إلى بلورة تسوية شاملة برعاية الأمم المتحدة ، لم يكن الصهاينة يريدون تلك النتيجة ، وكان كارتر يعتبرها مضادة للمصالح الأمريكية ، وعندما كان الرئيس يحاول إغراء الأطراف العربية بمعسول الكلام عن حق تقرير المصير للفلسطينيين، كان اللوبي الصهيوني يتحرك بالسرعة والكفاءة اللازمتين كي ينضبط لسان الرئيس، قال مرة حق تقرير المصير في الأول من أكتوبر 1977 ، وفي الخامس من الشهر ذاته صدرت ورقة ديان / كارتر التي أعادت الرؤية الأمريكية لحل الصراع إلى ما كانت عليه ، رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر لم يستطع أن يحافظ على كلمته أكثر من خمسة أيام! .

وجاء حزب الليكود إلى الحكم في كيان العدو، وأعلن الإرهابي الدولي مناحيم بيجين أن الضفة والقطاع ليستا محتلين، وإنما هما يهودا والسامرة وإن الإسم الفعلي للفلسطينيين هو "عرب إسرائيل" ، وما لبث الكنيست الصهيوني أن سرّب ورقة سرية تثبت اعتراف كارتر بمقولات بيجين وتأييده لها، ولم يلبث السادات أن انضم إلى بيجين في المجهود الذي تعتبره واشنطن مقدساَ، حملة إخراج السوفييت من المنطقة العربية لتنفرد بها أمريكا، وانتهت سياسة كارتر إلى زيارة السادات إلى القدس المحتلة ، حينذاك قال زبيغينو بريجنسكي قولته الشهيرة "باي باي منظمة التحرير" ، وهلل كارتر لإنجازه التاريخي آنذاك، وهو مازال حتى الآن يهلل لذلك الإنجاز كلما سنحت له الفرصة ، وإن كان اليوم ، وقد تحرر من السلطة ، أصبح أكثر جرأة في أن ينتقد الكيان الصهيوني عند كل همجية ، بل لقد أصبح اليوم - خارج السلطة - ينتقد الإنفاق الأمريكي المبالغ فيه على الكيان ، ويقول :" إن الولايات المتحدة تدفع يومياً 15 مليون دولار لـ (إسرائيل) ليس أسبوعياً ولا شهرياً وإنما يومياً ، وهو مبلغ لا تحلم بالحصول عليه بعض الولايات الأمريكية من الإدارة الفيدرالية"...

أين كان هذا التقريع عندما كنت رئيساً يا جيمي ؟ انتهت ولاية كارتر لتبدأ ولاية رونالد ريجان ، الذي بدأ عهده بحماسة وزير خارجيته جورج شولتز للخيار الأردني، وفحواه إقامة كونفدرالية أردنية مع منظمة التحرير، وحدد شولتز مستوى علاقات واشنطن مع المنظمة بأنها مجرد كلام، كلام متقطع وعلى مستوى منخفض ووفق جدول أعمال محدود جداً ، وافق ياسر عرفات على ذلك ولكن الصهاينة رفضوا ، وكان أو ما طرحته أمريكا في المفاوضات موضوع ما أسمته الإرهاب ...

ريجان وبوش الأب.. إعادة رسم الخرائط

وفي عهد ريجان ، وفي ظل معاييره اللاأخلاقية ، شن الصهاينة عدوان يونيو1982 على لبنان وسوريا ، وقبل ذلك وبالتنسيق مع أمريكا قصفت الطائرات الصهيونية مفاعل تموز النووي العراقي بعد 24 ساعة فقط من اجتماع كان قد ضم السادات وبيجين، وبنفس تلك المعايير اللاأخلاقية شن الطيران الأمريكي غاراته ليلة الخامس عشر من أبريل 1986 على المدنيين النائمين في بيوتهم في طرابلس وبنغازي في ليبيا، وكان القائد معمر القذافي مستهدفاً شخصياً في هذا القصف الذي ركز على تدمير منزله.

إن روبرت تاكر، مستشار الحملة الإنتخابية لريجان وأحد أعمدة الفكر الإستراتيجي في عهده ، كتب بمجلة كوفنتري الأمريكية عام 1980 بالحرف:" إن هناك أمر لا مناص منه ، لا يمكن للوضع الحالي أن يستمر ، إن في الخليج فراغ قوة: ((Power vacuum)) سوف يملأ عاجلاً أو آجلاً ، والقوى المحلية غير قادرة على ملء هذا الفراغ لذا فإن القوى الخارجية هي التي ستملؤه ، فإما أن تهيمن الولايات المتحدة أو يسيطر الإتحاد السوفيتي)).. كان ذلك هو التوجه الإستراتيجي لواشنطن في أعقاب الثورة الإسلامية الإيرانية وسحق الشاه مباشرة ، وكما أسلفت، أثبتت الأحداث اللاحقة أن الإتحاد السوفيتي لم يكن في نيته أو مقدرته التوسع إلـى الخليج ولكن الرغبة العارمة والقدرة كانت لدى أمريكا وحدها ..

ووصلت محطة العداء الأمريكي للعرب إلى بوش الأول، لتجد عنده الرغبة العارمة نفسها لإعادة رسم خرائط المنطقة العربية بدءاً من الخليج ، وهكذا ، وبعد سنوات من مبدأ كارتر ، تم وضع ذلك المبدأ موضع التنفيذ ، ونصبت إدارة بوش الأول الشرك بإحكام لجر النظام العراقي إلى إحتلال الكويت ، عقب حرب طويلة مع إيران، استنزفت فيها واشنطن كلاً من بغداد وطهران ، ثم شدّت أمريكا العالم من خلفها بدعاية مضللة كاذبة من أجل إعادة العراق إلى ما قبل العصر الحجري ، كما قال جيمس بيكر وزير خارجية بوش الأول لطارق عزيز مهدداً ، كان الهدف الأمريكي منذ ريجان هو إبقاء الخليج فراغاً للقوة عدا القوة الأمريكية وحدها ، وتلاشى اللحام الذي كان يربط الموقف السياسي للعرب عند حد أدنى، تلاشى ذلك اللحام تحت وطأة سياسة التهديد والوعيد الأمريكي التي أصبحت نهجاً مستديماً ، وذاب الفارق بين الأبيض والأسود ، ولم يعد الحلال بيّناً ولا الحرام ، وفي الشأن الفلسطيني ، تلقفت إدارة بوش الأول حملة إسحق شامير الانتخابية وجعلتها محور سياستها ، كانت فحوى سياسة شامير تمرير مقولات سلفه بيجين بعد تغليفها بعبارات دبلوماسية من نوع "تهدئة وتيرة العنف" و.. "إجراء مراحل إنتقالية".. إلخ، وطلب بيكر إلى الفلسطينيين القبول بفترة إنتقالية من الحكم الذاتي تسبق ما أسماه بـً التسوية النهائية" ، وقال لمنظمة التحرير الفلسطينية :" عليك أن تفهمي أنه ليس هناك من سيسلم (إسرائيل) لك "، وألقى بيكر باللائمة على الفلسطينيين والعرب لأنهم لا يسعون لإبرام سلام مع الكيان الصهيوني ، متجاهلاً كل التنازلات المتتالية التي قدمتها الأنظمة العربية لأمريكا، وفي العام 1988 نشرت منظمة التحرير الفلسطينية نتيجة للضغوط الأمريكية ما أسمته "اعلان الاستقلال"، أعلنت فيه إعترافها بالكيان الصهيوني، فأحرقت بذلك كل أوراقها مقابل مجرد وعود أمريكية لإشراكها في تفاوض عقيم بلا سقف زمني وبلا ضوء في نهاية النفق فكانت الخيبة ، وخيبة منظمة التحرير في مصر مبارك أعادتها إلى البحث عن أمل للخلاص في عراق صدام حسين ، ظناً من عرفات بأن آمال التسوية السياسية يمكن أن تزداد حظوظها بوجود إمكانية ردع عراقي للعدو، ولكن الرافعة السياسية المصرية فشلت والرافعة العسكرية العراقية فشلت ، وقال بوش الأب ساخراً من الموقف الفلسطيني في حرب الكويت:" لقد أسرج الفلسطينيون الحصان الخطأ.."

بعد حرب الخليج الأولى في عام 1990 خرج بوش الأب بثلاث لاءات: لا لمؤتمر دولي للسلام/ لا لإشراك منظمة التحرير في محادثات حول القضية الفلسطينية / لا للدولة الفلسطينية ، وفي الحقيقة كانت تلك هي نفسها لاءات إسحق شامير الثلاث ، وهكذا ازداد دور الأمم المتحدة انحساراً وتراجعاً في أية ترتيبات تتعلق بالصراع العربي الصهيوني، وبعد تلك الحرب لم تعد الولايات المتحدة تكترث بالظهور بمظهر الإنصاف أو الحكم النزيه أو الوسيط الحريص على رضا ومصالح الطرفين ، وطال الصلف الأمريكي حتى حلفاء أمريكا في الحرب ضد العراق من العرب ، ورأى بيكر أن الاتحاد السوفييتي يلفظ أنفاسه الأخيرة ولم يعد مؤثراً ، وأن العراق قد خرج بالضربة التي تلقاها من دوره لإحداث توازن ، وأن الحكومات العربية الموالية لواشنطن قد لفظت فلسطين ، وأن حرب الخليج الأولى قد دمرت الإجماع العربي حول فلسطين وضد الكيان الصهيوني ، متغيرات خطيرة واكبها داخل الأراضي المحتلة جهد يومي صهيوني لتدمير كل ما أنجزته الإنتفاضة الأولى (1988-1991) على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والإقتصادية ، وتدمير البنى التحتية للفلسطينيين والتوسع في إقامة المستعمرات الجديدة..

وكان الفلسطينيون قد دفعوا الثمن الغالي لإعتراف منظمة التحرير بحق الكيان الصهيوني في الوجود والتزامها بالتخلي عن المقاومة التي تسميها أمريكا إرهاباً ، كان ذلك يعني إسقاط الصفة الاستعمارية والاستيطانية عن الحركة الصهيونية وتهجيرها للشعب الفلسطيني وأن حركة المقاومة الفلسطينية ليست حركة تحرر وطني ، وأن العرب والفلسطينيين الذين يحاربون الصـهاينة منذ 40 عاماً - آنذاك - كانوا هــم المعتدين !

ولقد اعتبرت أمريكا انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى عام 88 شكلاً من أشكال الإرهاب ، وردت عليها بإجبار المنظمة على التخلي عن الميثاق الوطني الفلسطيني ..

وبنهاية عهد بوش الأول ذهب العرب إلى مؤتمر مدريد للسلام ، ذهبوا بتنازلات خطيرة، قبولهم بأن يكون الوفد الفلسطيني محدوداً جداً، وقبولهم الإعتراف الجماعي بالكيان الصهيوني وبوقف المقاطعة الإقتصادية له ، هنا ظهر على مسرح مدريد حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي ، وفيما كانا يجتهدان في مدريد لحيازة الصفقة التمثيلية للفلسطينيين، بعد نصف قرن تقريباً من الصراع وبعد مئات الآلاف من الأرواح على كافة الجبهات من أجل فلسطين ، كان عرفات قد بعث بمحمود عباس وأحمد قريع ليفاوضا الصهاينة سراً في أوسلو ، وكان الإسرائيليون يريدون مؤتمر مدريد لتضييع الوقت ، وراوحت عملية مدريد - كما كانت تسمى- مكانها بعد 11 جولة مفاوضات في واشنطن وروما وموسكو ، فيما أعداد المستعمرات الإسرائيلية تزداد كل يوم...

لقد جنى الكيان الصهيوني من كامب ديفيد إخراج مصر، ومن مدريد تشتيت الصف العربي، ومن أوسلو تفتيت الفلسطينيين وإخراج جزء كبير منهم من الصراع ، ومن وادي عربة إخراج الأردن، وكان ذلك كله نتاج فكرة المسارات المنفصلة التي سوّقها جيمس بيكر لحساب الكيان ، ورفضتها سورية بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد بقوة آنذاك...

لقد خلت إتفاقية أوسلو من كلمة تشير إلى احتلال أو انسحاب أو معاهدة جنيف 1949 أو سيادة فلسطينية، مجرد حديث عن التوصل إلى اتفاقية أخرى في المستقبل للمشاكل الرئيسية ، وفي المقابل أعفت الإتفاقية عملياً الكيان من إلتزامات المحتل ، وشلّت القانون الدولي، وسمحت كما أسلفت بمضاعفة المستعمرات مما سيؤدي في النهاية إلى استحالة حل الدولتين، إذا كان ثمة من يحلم بأن يمنحه الصهاينة دولة حقيقية ذات سيادة على جزء من أرض فلسطين..

وخلال الحملة الإنتخابية لـ بيل كلينتون أعلن إلتزامه القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني ، وأعلن أيضاً منذ ذلك الوقت المبكر إلتزامه بضمان التفوق العسكري النوعي للكيان على العرب مجتمعين، وهو ما طبق لاحقاً بالفعل، وزاد بأن أرغم الحكومات العربية على إنهاء مقاطعتها التي أسماها هو غير قانونية للكيان ، وفي إدارته عمل 55 شخصاً من غلاة المتطرفين اليهود الأمريكيين ، وحين سئلت وزيرة خارجيته مادلين أولبرايت يوم 12 يونيو 1996 في البرنامج الشهير 60 دقيقة الذي تذيعه محطة مرئية أمريكية كبرى : "سمعنا أن نصف مليون طفل عراقي قد ماتوا نتيجة العقوبات ضد العراق ، أي أكثر من عدد الأطفال الذين ماتوا في هيروشيما هل الثمن يستحق ذلك؟" أجابت أولبرايت المذيع :" نعتقد أن الثمن يستحق ذلك"..

عندما وضعت الشرعية الدولية طي التاريخ

كتب ناعوم تشومسكي أن أمريكا منذ عهد كلينتون قد وضعت قرارات الأمم المتحدة "طي التاريخ" لقد ذهب نحو مليوني عراقي ضحية العقوبات والحصار، والتجويع الذي فرضته إدارة كلينتون ضد العراق معظمهم من الأطفال ، وفي عهده تمت ترجمة العداء الأمريكي للإسلام الذي كان قد بشّر به صموئيل هنتجتون وغيره من المنظريّن في عهد بوش ، ترجم في كافة الإتجاهات ، من إفتعال وإثارة الصراعات الداخلية في عديد من المجتمعات العربية : الأمازيغ في الجزائر ، الأكراد في العراق، الأقباط في مصر، المسيحيون في جنوب السودان ، إلى التركيز على إصطناع العداء بين القومية العربية والإسلام عبر إيواء وتنشيط جماعات من المتطرفين، وتقلصت فلسطين فــي عـهد كلينتون لتصبح المناطق أ ، ب ، جـ من أوسلو إلى واي ريفر ، الإتفاقية التي قبلت فيها القيادة الفلسطينية إرسال مراقبين من الـ سي أي إيه لمراقبة الأوضاع في الضفة والقطاع ، وحين ازداد معدل الذبح الإسرائيلي للفلسطينيين عن الحدود المقبولة لدى الرأي العام العالمي ، أوصت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان بتشكيل لجنة تحقيق ، وتشكلت اللجنة برئاسة ماري روبنسون رئيسة المفوضية التي تعرضت لمحاولة اغتيال عندما أطلق جنود إسرائيليون النار على سيارتها خلال تجولها في مهمتها، وأصدرت المفوضية تقريرها الذي أدان الكيان الصهيوني ولكن إدارة كلينتون إلتفت على ذلك كله بطرحها خطة ميتشيل التي لم تفلح في عمل شيء على الأرض، فسارعت الإدارة إلى عقد مؤتمر قمة في شرم الشيخ طرحت خلاله خطة مدير الإستخبارات المركزية جورج تينيت..

تولى بوش الإبن ، ودشّن عهده بـ 11 سبتمبر التي تحولت إثرها الولايات المتحدة إلى منصة حقيقية للإرهاب الدولي بإسم مكافحة الإرهاب الدولي، تكلم بوش عن تأييده لقيام دولة فلسطينية، ولكن حتى شارون نفسه- ولأسباب تتعلق بالحفاظ على يهودية الكيان الصهيوني - قد أصبح حينذاك داعياً لإقامة دولة فلسطينية ، ولكن أية دولة ؟ دولة نبت أوسلو على حد وصف الدكتور نصير عازوري في كتابة "أمريكا الخصم والحكم" ، أي دولة بلا سيادة يعيش الفلسطينيون داخلها في قفص ، إنها الدولة التي كان عرفات قد رفضها في نهاية عهد كلينتون بعد فوات الأوان، وفي عهد بوش الثاني تم تسميم عرفات والتخلص منه للإتيان بمحمود عباس ..

قدمت إدارة بوش الابن الأولى خارطة الطريق كحل للصراع العربي الصهيوني على فلسطين، ولكن شارون وضع 14 شرطاً على الفلسطينيين الرضوخ لها كي يقبل هو بها ، لقد أصبحوا مطالبين بالإعتراف بيهودية الكيان ، وبالتنازل عن حق العودة ، وبوقف الإنتفاضة، وقيادة منظمة التحرير الجديدة من تنازل إلى تنازل تقبل وترضخ وتسمي ذلك إثباتاً لحسن النوايا وتطلق على لقاءاتها بالقادة الصهاينة مفاوضات ، وكأن بوسع الفأر المذعور أن يفاوض الضبع الهصور!

ومع بوش الثاني أطلت على دنيا العرب نعمة جديدة هي نعمة الوقوف للتصوير بجانبه ، وقف محمود عباس بجانبه في منتصف 2003 فأطراه بوش وأطرى وزير ماليته آنذاك سلام فياض الذي صار رئيساً للوزراء بعد الإنقلاب ضد حكومة حماس ، وقدم بوش عشرين مليون دولار منحة للسلطة .. أية سلطة ؟ وعلى أي شيء ؟! إنها السلطة التي لا تستطيع أن تستنقذ من سجون العدو سوى المحكومين الذين بقي لهم عشرون يوماً على الإنتهاء من تنفيذ مدة عقوباتهم ليقال أنها أخرجت، في حين كان بوش نفسه واضحاً في مسألة الأسرى الفلسطينيين عندما قال :" لا يوجد إنسان يريد إطلاق سراح مجرم يقتل بدم بارد " لأن ذلك سيخرج المسيرة عن جادتها..."

كان التخلص من عرفات ثمنه عند أمريكا أن تمضي سلطة محمود عباس في تصفية المقاومة بإعتبارها إرهاباً، وكان المشروع الذي إبتدعه شارون وسار فيه أولمرت، هو تحويل الصراع من صراع فلسطيني / إسرائيلي إلى صراع فلسطيني / فلسطيني ، أي أن يقتل الفلسطيني أخاه ، وفي مؤتمر صحفي مشترك مع شارون في شهر يوليو 2003 ، قال بوش الإبن :" إن البشرى هنا أن رئيس الوزراء عباس قد صرح علناً أننا سنعمل معاً على تفكيك المنظمات الإرهابية، وعلى قطع الموارد المالية عن المنظمات الإرهابية، ولمنع الأقلية من تدمير تطلعات الأكثرية".

وفي 9/4/2004 حكمت محكمة العدل الدولية بأن الكيان الصهيوني قد خرق القانون الدولي بإنشائه الجدار العازل، وأن الجدار هو تصفية عملية لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، لحقهم في العبادة، وأنه خرق لحقوق أطفال فلسطين في الذهاب إلى مدارسهم لتلقي العلم ، كان الجدار الذي أراده شارون ومن بعده أولمرت تكريساً ليهودية الكيان يعني أن 402 ألف فلسطيني سيعيشون في مناطق مغلقة في الضفة الغربية يحيط بهم 300 ألف مستوطن، ويحتاج أولئك الفلسطينيون إلى شهادات وأذونات ليتمكنوا من العيش في بيوتهم ومن العمل في أراضيهم، وأخرى تثبت تسجيل الأرض والميراث، وشهادات تثبت أنهم أحياء أيضاً!.

هذه السياسة ، سياسة تعليب الفلسطينيين ووضعهم في كانتونات وتسمية تلك الكانتونات دولة يتنازل من أجلها محمود عباس وسلام فياض وجماعتهما عن كامل القدس وعن الأسرى الذين بلغ عددهم 11 ألف أسير بينهم مئات النساء ومئات الأطفال، وعن حق خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في الوطن الفلسطيني، هذه الدولة المسماة دولة هي وعد بوش الذي يستمرئ من أجله محمود عباس ومن معه الإنقضاض على أهلهم في الوطن المقاومين للإحتلال...

وكانت أسطوانة الديمقراطية المشروخة التي صدع بها بوش رؤوس الأمريكيين لتبرير الإطاحة بصدام حسين، بإعتبار النظام العراقي كان في عهده غير ديمقراطي البتة، هذه الأسطوانة هي التي أديرت على مسامع الفلسطينيين عقب التخلص من عرفات، وجرت انتخابات الضفة والقطاع بداية 2006 ، فحصلت حماس على 74 مقعداً مقابل 45 لفتح و13 لليساريين والمستقلين، اتخذت أمريكا ومن ورائها أوروبا تلك النتائج ذريعة لإعلان العقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني وذهبت الديمقراطية إلى جحيم حقيقي من التقتيل وقنص الأطفال وسجن النواب المنتخبين والوزراء. أمريكا ضغطت على عرفات كي يسلم إلى شخص آخر صلاحياته، ورضخ عرفات فظهر محمود عباس رئيساً للوزراء بجانبه، وعندما نجحت حماس وأصبح رئيس الوزراء منها أقصوه وقالوا نكتفي بعباس، ثم أصدروا الأمر لعباس بترقية سلام فياض إلى ذلك المنصب بعد أن أقال حكومة إسماعيل هنية الوطنية بذريعة شريط رآه على الفيديو!

رصدت أمريكا 80 مليون دولار لتدعيم عباس ، جزء كبير منها لتدريب وتسليح وتجهيز الحرس الرئاسي ، وقوات الأمن التابعة له والتي يتم تجهيزها لخوض معركة تصفية ضد المقاومة في الضفة والقطاع، تطبيقاً لخطة شارون، والحشد ضد المقاومة لا تكتفي أمريكا بأن يتم على المستوى الفلسطيني ، وإنما تريده عربياً أيضاً ، لذلك فإن الآنسة كوندي وزيرة خارجية بوش الإبن الحاذقة ابتدعت مؤتمر أنابوليس الذي عقد على هامش الخريف الماضي، والذي شهد دخول القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من مراحل التصفية السياسية.

لقد أجاد عمرو موسى التعبير عن السوق المفتوحة للبيع في أنابوليس عندما قال :" إننا نحن العرب نشتري نفس البضاعة أكثر من مرة ، وفي كل مرة ندفع ثمناً أكبر من الذي دفعناه سابقاً" في إشارة منه إلى ما كانت الآنسة كوندي قد قالته من أن مؤتمر الخريف الانابوليسي قد قرر قيام دولة فلسطينية!

وكان مؤتمر الخريف مقرراً له الإنعقاد أوائل نوفمبر2007، ولكن الإدارة الأمريكية راهنت على إدماج لبنان في التشكيلة الرسمية العربية التي ستحضر ، وحضور رئيس الوزراء السنيورة وحده لا يبدو ملائماً ، لذلك قررت الإدارة تأجيل المؤتمر قليلاً كي يتسنى إيصال رئيس لبناني جديد إلى قصر بعبدا ، يحضر هو والسنيورة ، أو يحضر السنيورة مدعوماً منه بإعتباره الرئيس اللبناني الذي يمثل الأكثرية، إلا أن ذلك لم يحدث نتيجة تصدي المعارضة لمحاولة قوى الرابع عشر من آذار المدعومة أمريكيا ومنعها من تمرير اسم الرئيس بغير التوصل إلى حل شامل يكفل وجود مشاركة حقيقية للقوى الوطنية والقومية في الحكومة والسلطة ...

واللعب الأمريكي في الساحة اللبنانية لا يقل مكراً ووحشية عن اللعب في الساحتين الفلسطينية والعراقية، في لبنان رفض رفيق الحريري أن يساير إدارة بوش الإبن الأول في موضوع إقامة قاعدة أمريكية في الشمال اللبناني عندما طلب منه ذلك في 2003...

يشير كتاب الباحث في علم الجنايات من جامعة هومبولت في برلين الألماني يورغن كاين كولبل في كتابه " إغتيال الحريري - أدلة مخفية" إلى إن صورة الحريري قد وضعت ضمن أوراق تحمل صور المطلوبين بإعتبارهم معادين في لعبة "الكارتة"، وكان هو المطلوب رقم 2 لأن الأول كان إميل لحود، وذلك على نسق أوراق اللعب التي كانت الدعاية الأمريكية قد وزعتها للمطلوبين من قيادات النظام العراقي في أعقاب احتلال العراق ، كان هناك آخرون من بينهم إيلي حبيقة وإلياس الفرزلي ، كانت ثمة رؤية للحريري لدى أركان المحافظين الجدد في الإدارة البوشية بأنه عميل سوري كبير، مستدلين على ذلك بأسلوبه في الحفاظ على علاقة وثيقة وأحياناً حميمية مع حزب الله، وكان ثمة لبنانيون لاجئون إلى الولايات المتحدة ممن فروا عقب تولي سوريا إدارة الملف اللبناني بإنتهاء الحرب الأهلية بداية التسعينات من القرن المنصرم، هؤلاء اللبنانيون أمثال ناجي نجار مسؤول الإستخبارات العسكرية السابق للقوات اللبنانية /قوات سمير جعجع، عملوا لدى وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية كمستشارين بعد أن كانوا عملوا قبل ذلك منسقين مع الموساد الإسرائيلي..

لقد عاد هؤلاء إلى لبنان على فترات، وكان عملهم أو مهمتهم هي تدبير الإغتيالات والإعداد لتغيير المسرح السياسي اللبناني واللعب فيه لإعادة إنتاجه ليصبح مواتياً ومؤهلاً لتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة كلها، لقد اشترى الحريري أجهزة تشويش زود بها سيارات موكبه ، أنتجت تلك الأجهزة شركة إسرائيلية اسمها "نت لاين للإتصالات " وكانت تلك الشركة أيضاً هي التي تملك القدرة على تعطيل التشويش وأجهزته المتطورة، والتفاصيل للراغبين في الإستزادة موجودة في الكتاب المشار إليه آنفاً ، النتيجة أن الولايات المتحدة قد استطاعت بعملية الاغتيال تلك إعادة إنتاج المشهد السياسي اللبناني وتبديل التحالفات والمواقع والإنتماءات أيضاً لعدد كبير من النخبة السياسية اللبنانية، غير أنها لم تستطع رغم تسلحها بالقرار 1559 تغيير حقيقة وواقع رسوخ المقاومة في المجتمع اللبناني وإلتفاف معظم اللبنانيين من حولها.

لقد أوحت الإدارة الأمريكية إلى ربيبتها الصهيونية بأن تشن العدوان على حزب الله والبيئة الشعبية الحاضنة للمقاومة في لبنان في شهر يوليو 2006 ، وأوحت إلى ربيباتها الحكومات العربية في السعودية ومصر والأردن والإمارات أن تدين المقاومة وهي تتعرض للعدوان الإسرائيلي ، وأوحت إلى ربيبتها اللبنانية ، حكومة السنيورة أن تقوم بمهمة مماثلة لمهمة حكومة عباس في فلسطين ، بأن تسحب أية شرعية وطنية بإسم الدولة اللبنانية عن المقاومة، وجاءت الآنسة كوندي بداية الحرب إلى بيروت وضمها السنيورة وضمته لتصرح عقب ذلك بأن الشرق الأوسط الجديد هذا مخاضه، كانت واشنطن تعتقد أن الصهاينة سيمسحون المقاومة من الوجود، ثم بعد أسبوعين من بدء الحرب بدأت تعتقد أن الصهاينة سيزحزحون المقاومة من مواقعها ويوجهون إليها ضربة ختامية ، ثم أدركت في النهاية الفشل الإسرائيلي العسكري وتحول الشارع العربي كله إلى حاضن كبير للمقاومة وصواريخها التي تنهال على المستعمرات الإسرائيلية حينذاك قبلت واشنطن بوقف الحرب وصدر القرار 1701 الذي لم ينص إطلاقاً على وقف إطلاق النار، على اعتبار أن المعركة الأمريكية الإسرائيلية مع المقاومة مازالت مفتوحة وقابلة للتفجر في أي وقت..

نــــعود إلى العراق :

في مقالة نشرها هنري كيسنجر في مجلة نيويوركر في الخامس عشر من شهر يوليو الماضي بعنوان "الحل في العراق - خطوة خطوة لإعادة بناء الإحتلال" ، يبدو المنطق الأمريكي الإستعماري السائد وقد ارتقى فكرياً إلى ذروة عقلانية جديدة ، لقد حمل المقال اقتراحات لإتباع سياسة كان الوزير اليهودي لدى نيكسون قد إتبعها قديماً كما أسلفت في هذا المقال لتفكيك الإلتحام العربي ضد الكيان الصهيوني وعرفت بدبلوماسية الخطوة خطوة ، وهذه المقترحات هي بالفعل التي أخذت بها الإدارة البوشية وليس مقترحات لجنة بيكر/هاملتون، تقوم خطة كيسنجر على التوصل إلى حل للوضع المتدهور في العراق عبر ثلاث إجراءات، إجبار الأحزاب العراقية على الإتفاق فيما بينها، إقامة منتدى إقليمي يجمع بين مراعاة مصالح الأطراف الإقليمية وبين معالجة مخاوفها، وأخيراً إعادة توظيف القوات الأمريكية (من قبل مؤتمر دولي) لتكون قوة تنفيذية لهذا الحل..

ما يتجاهله هذا المقترح ، عن عمد أو غباء هو، أولاً المقاومة العراقية التي أفشلت كل مشاريع ومؤتمرات ومنتديات الإحتلال ، وثانياً هو أن العصابات التي تحكم العراق في ظل الدبابات الأمريكية قد تعرف كيف تنهب ولكنها لا تعرف كيف تعيد إمدادات الماء والكهرباء ، قد تعرف كيف تقتل الأبرياء ولكنها لا تعرف كيف تدير المدارس والمستشفيات دون شعارات طائفية، وثالثاً أن جرائم الإحتلال الأمريكي التي أرتكبت منذ 2003 ولم تزل ترتكب يومياً تجعل من المستحيل على القوات الأمريكية أن تكون جزءاً من الحل ، في هذه المقال طالب كيسنجر بما كان حسني مبارك قد قاله أكثر من مرة ، عدم الإستعجال في الخروج من العراق لأن ذلك سيعني كارثة..

وفي يناير 2007 أعلن الرئيس بوش الإبن عن زيادة مقدارها 20 ألفاً في عدد قواته في العراق، تم إرسالهم في الربيع الماضي بهدف تعزيز الأمن كما تقول القيادات الأمريكية العسكرية ، ولكن الفشل الإستراتيجي الكبير لأمريكا في العراق لا ينبغي أن يخدعنا عن نجاحات كبيرة - مؤقتة - حققها الإحتلال ، أولها الإطاحة بنظام العراق ، وثانيها تجزئة التراب العراقي عملياً وعلى أسس عرقية وطائفية بحيث شملت عمليات التهجير الداخلي والخارجي ملايين العراقيين وأعادت تشكيل الديموغرافيا العراقية، وثالثها نهب النفط العراقي بشكل مباشر وبشكل غير مباشر عن طريق العقود والتعاقدات التي أبرمتها الشركات الأمريكية وعن طريق قانون النفط والغاز الذي يمنح الشركات تلك حقوقاً في ثروة العراق..

ومع أن المصير الأمريكي في العراق يبدو أسود لمعظم الأمريكيين، فإن إدارة الرئيس الذي قال إن الله قد أمره بغزو العراق لا تلقي بالاً سوى للمزيد من التورط والإنغماس في المنطقة، هي تريد ضرب سوريا وتريد ضرب إيران وشهيتها مفتوحة لمزيد من الدم اللبناني والفلسطيني ، والإعلام الأمريكي - الحر جداً - يغطي الفظائع التي ترتكبها قوات الإحتلال بطريقة معكوسة، ويغطي الفشل الذي تغوص فيه الإدارة الأمريكية بطريقة معكوسة أيضاً، تريد أمريكا بإختصار تحويلنا إلى جثث ، كل عربي هو مشروع جثة عند الإدارة الأمريكية ـ يستوي في ذلك المقاوم وغير المقاوم لسياساتها ، بل إن الضحايا بين الذين لا يقاومون أكثر بكثير نتيجة الإستخدام الغاشم والغشيم للقوة ، 737 قاعدة عسكرية حول العالم وحضور عسكري في 132 دولة من أصل 195 دولة عضو بالأمم المتحدة، كما يرصد تشارلز جونسون الكاتب الأمريكي في مؤلفه "العقاب المستحق"، وإنما العداء الأمريكي للعرب بالذات يفوق بمراحل أي عداء آخر من أمة لأمة على وجه الأرض ، وكأننا وكما يقول الباحث منير العكش - نحن العرب نحتل كاليفورنيا ونسيطر على عائدات آبار نفط تكساس ، ونساعد الكوبيين على إحتلال فلوريدا ، وننصب قواعدنا العسكرية فوق أراضي أوهايو وبنسلفانيا ، ونضرب حصاراً وحشياً على أريزونا ليموت أهلها جوعاً ، ولا ننتهي من تدمير مدينة أمريكية حني نشرع في تدمير مدينة أخرى ، وأضيف من عندي ، وكأننا ندير وننظم لمذبحة بين الكاثوليك والبروتستانت في كاليفورنيا ، وكأننا نوغر صدور ذوي الأصول اللاتينية المتحدثين بالأسبانية ليطالبوا بإعلان دولتهم الخاصة على طول الحدود الأمريكية مع المكسيك ، وكأننا نحن الذين نهبنا متاحف واشنطن وفتحنا معتقل ألكتراز التاريخي في نيويورك وإرتكبنا فيه أو ارتكب فيه جنودنا العرب أسوأ انتهاكات في تاريخ الدنيا ثم أصدرنا قرارات بالعفو عنهم وتبرئتهم !

الأمريكيون ونحن.. كيف يكون المستقبل؟

لقد كتب بول كينيدي ، صاحب " صعود وإنهيار الإمبراطوريات عبر التاريخ " والمفكر الأمريكي البارز، في مقالة له نشرت خلال الصيف الماضي بعنوان :" هل دخلت أمريكا مرحلة الأفول؟ " كتب يدعو إلى ما أسماه الذكاء في تدبير الأفول ، بعد أن لاحظ وجود دلالات على ما كان يسميه لينين بـ"قانون معدل النمو غير المتساوي" ، بمعنى أن قوى أخرى في العالم تنمو أكثر من أمريكا ، وأن الصين خلال جيل من الآن سيصبح حجم اقتصادها أكبر من حجم الاقتصاد الأمريكي، فكينيدي يدعو إلى الذكاء في الأفول بحيث يخف الضرر قدر الإمكان على الأمريكان، يدعو إلى إحداث ما أسماه بـ"الأفول النسبي"، أي إدارة الأفول بهدوء وذكاء بحيث تطول مدته قدر الإمكان...

والحقيقة نحن العرب لا نتمنى الأفول لأحد ، نحن أمة اتخذها الله - بنص القرآن الكريم "شاهدة على الناس"، نحن أمة تريد الإعتراف بحقها في أن تنعم بالحرية وبالحياة وبالاستقرار وبالوحدة وبالتقدم وبالرخاء كسائر أمم الأرض، لماذا من حق كيسنجر الذي قدم من ألمانيا، ومادلين أولبرايت التي قدمت من تشيكيا ومارتن أنديك الذي قدم من أستراليا أن يقدموا إلى أمريكا ويحكموها وليس من حق الفلسطينيين الذين يعيشون منذ آلاف السنين على أرض فلسطين أن يحكموها، وان يعودوا إليها من التهجير القسري ليحكموها؟

نحن أمة تريد أن تمد يدها للسلام والمصالحة للجميع، بمن فيهم الشعب الأمريكي، بشرط أن تتوفر تلك الرغبة فعلاً وحقاً لدى الأمريكيين جميعاً حكاماً ومحكومين ، وليس أن تفرض الحكومات الأمريكية المتعاقبة - كما مر معنا في هذا المقال - اتفاقيات "سلام" مجحفة مذلة مهينة للعرب، وتقدمها للناخبين الأمريكيين على أنها انجازاتها التي يمنحونها بركاتهم وأصواتهم من أجلها لظلم لن يورث سوى المقاومة والتزييف للتاريخ وللوقائع، لن يتسبب إلا في إنبعاث قوى رافضة كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة أيضاً ...

والطريق الوحيد للمحافظة على المصالح الأمريكية في المنطقة العربية لا يمر بكيان عبري دخيل زرعه الغرب فيها ، ولا يمر بثقافة الكاوبوي ، ثقافة العنف والحرب واستسهال الخوض في دماء البشر، الطريق الوحيد للمحافظة على المصالح الأمريكية في المنطقة العربية هو الإعتراف بحق العرب في أرضهم ونفطهم ، وبحقهم الأكيد في بلورة كيانهم القومي في دولة واحدة ، وبحقهم في ديمقراطية حقيقية يحكم فيها وبها من يريده الشعب العربي وليس من تريده الإدارات الأمريكية من عملاء ينوبون عنها في حكمهم..

إن مؤتمر أنابوليس الذي راهنت عليه الإدارة الأمريكية لأحكام قبضتها على الحل الذي تريده للصراع العربي الصهيوني سيلحق بمؤتمرات طابا وشرم الشيخ وجنيف وسواها، ولن يوجد حلاً على الإطلاق وإنما سيفاقم المشاكل تعقيداً بالنسبة للأمريكيين ، لقد أطاحت كامب ديفيد برقبة السادات ، ولن يجد الأمريكان فلسطينياً يستطيع أن يفرط ويحتفظ برقبته في الوقت ذاته...

تابعت الأمة العربية نتائج مؤتمر أنابوليس على الأرض فاكتشفت فيها:

  • تصعيد عملية الاستيطان وبناء المستوطنات.

  • تصعيد عملية التقتيل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

  • انحياز سلطة عباس المتزايد للمطرقة العسكرية الصهيونية ضد سندان المقاومة الفلسطينية.

نريد نحن العرب من الأمريكيين أن يفهموا أن العداء الذي أصبح تاريخاُ وتقليداً بيننا يمكن أن ينتهي فقط إذا تحرروا هم من السيطرة الصهيونية على مراكز صناعة القرار لديهم ، تلك المراكز - كما يقرر الكثير من المحللين والمفكرين الأمريكان الكبار أمثال تشومسكي وكينيدي وغيرهم، تفرض على الأمريكان أن يروا بعيون إسرائيلية واقع هذه المنطقة، وإذا رأى الأمريكان واقعنا بعيونهم هم سيدركون أن مصالحهم هي معنا ، ما مصلحة الأمريكان في تفتيت العراق ؟ إنها مصلحة إسرائيلية أساساً ، ما مصلحة الأمريكان في مراعاة الأكراد في كردستان على حساب الأمة العربية بأسرها؟ قد إنحازت إلى مصالحها مع تركيا المتشددة ضد العدوان الكردي على سيادتها وأراضيها، عندما تحولت الأزمة إلى مرحلة حسم الخيارات ، كان عليها أن تنحاز بنفس المنطق إلى مصالحها مع العرب في شمال العراق وجنوب السودان ، إذا لم نتحدث عن إنحيازها إلى منطق الحق والعدالة والتاريخ ...

ونحن العرب نريد من الأمريكيين أن يفهموا أننا أمة لا تموت، أننا أمة مقاومة عنيدة ، خضنا ولازلنا نخوض الصراع ضد الاستعمار وأذناب الاستعمار منذ خمسة قرون ، منذ سقوط غرناطة في 1492 ، وكل الحملات الاستعمارية التي قدمت ذهبت ، وكل العملاء الذين حكموا رحلوا ، وبقيت مكة محج المسلمين من أقصى الأرض إلى أقصاها، وبقي محمد القائد الأعلى والدائم للعرب والمسلمين ، وبقيت اللغة العربية سائدة بين المحيط والخليج، وبقى الشنقيطي أقرب إلى الظفاري منه إلى الروماني أو النورماندي أو التكساسي!.

ونحن العرب نريد من الأمريكيين أن يتعرفوا إلى ثقافتنا وحضارتنا من خلال ملايين العرب والمسلمين الموجودين فعلاً في المجتمع الأمريكي، وليس عبر مكائد أجهزة الأمن الأمريكية التي تدبر العمليات والجرائم لتصم بها العرب والمسلمين، وكل تغيير إيجابي في النظرة الأمريكية وفي التعامل الأمريكي مع العرب وإليهم سيكون في الواقع نوعاً من الذكاء الذي يتحدث عنه بول كينيدي والذي أشرنا إليها قبل قليل ، تدبير الأفول يقتضي إعادة النظر في سياسات خاطئة كثيرة وتقليل عدد الأعداء إلى الصفر إن أمكن وزيادة أعداد المتعاونين بندية لا المتعاملين بعمالة وتبعية! .

وأخيراً ، فنحن العرب لدينا أمل لم نفقده بعد في عدد كبير من المفكرين والمثقفين والساسة الأمريكيين الأحرار، وربما من المفيد هنا الإشارة إلى الحوار الليبي الأمريكي الذي انطلق قبل خمس سنوات، وشاركت فيه نخب فكرية وسياسية وأكاديمية واقتصادية من الجانبين والذي حقق نجاحات لا بأس بها في تكوين صورة صحيحة عن ليبيا وثورتها ودورها القومي والقاري وإسهاماتها في الكثير من المجالات الإنسانية عبر العالم، فالمطلوب هو بالضبط هذا النوع من الحوار الحضاري بين الأمة العربية كقوى إقليمية في منطقة حساسة من العالم، وبين أمريكا كقوى عظمى لها مصالحها في هذه المنطقة، حوار تنشط فيه النخب الفكرية العربية والأمريكية وقيادات المجتمع المدني ومؤسسات البحث العلمي والفكري والثقافي والاقتصادي، حوار يبحث سبل إطفاء الحرائق التي أشعلتها وتشعلها سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة طيلت قرن مضى، تمهيدا لإطفاء تلك الحالة المزمنة من العداء بين الطرفين التي دفعت بعض الساسة والإعلاميين الأمريكان ذات يوم للخروج علنا بسؤال : " لماذا يكرهوننا ؟ " .

إن أمريكا تعادي المحركين الرئيسيين للشخصية العربية، تعادي القومية العربية وتعادي الدين الإسلامي، وهذا العداء الرسمي الأمريكي للعروبة والإسلام هو جوهر الأزمة بين الأمة العربية والولايات المتحدة، وإذا تخلصت السياسة الأمريكية من عدائها لهذين المحركين الرئيسيين للعرب في وطنهم وتاريخهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، فإن كل أزمة بين الطرفين ستنتهي وتتلاشى، لا الحروب ولا الضغوط ولا الاملاءات على العملاء ستفلح في تطويع الشعوب وكبت تطلعات العرب للحرية وللتحرير وللتقدم وللوحدة، ومن مصلحة الولايات المتحدة تماما كما هو من مصلحة الأمة العربية إضفاء التوازن على السياسة المتبعة تجاه الآخر كي تنضج ظروف بناء علاقة جديدة صحيحة وصحية في عالم يتحول إلى التعددية القطبية بوتيرة أسرع مما تقدر أمريكا ذاتها..

أما العداء الديني لعناصر المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة للإسلام والمسلمين، والعرب هم مادة الإسلام وركيزة الأمة الإسلامية الكبرى، فهو يمثل حالة متقدمة من اللاعقلانية في السياسة الأمريكية الخارجية ، إن لم نقل في الفكر السياسي والاستراتيجي الأمريكي بشكل عام...

إن بوش ليس وحيداً في تلك اللاعقلانية هو واحد من طابور أمريكي متعصب طويل من رموزه القس جيري فولويل والقس هول لندسي ورونالد ريجان، الذي برر قصف ليبيا عام 1986 بأنها "عدو الله" ، والقس تشارلز داير أستاذ اللاهوت في جامعة دالاس الذي لديه تفسيرات للإصحاح 18 تعني تدمير العراق استند إليها فريق ريتشارد بيرل وسواه، قساوسة يحتلون مواقع مركزية مقربة من الرئيس الأمريكي جورج بوش ، كما يلاحظ الأستاذ محمد السماك في كتابه " الدين في القرار الأمريكي "، مواقع جعلت بوش يحترف " زلات اللسان " عما يسميه بالحرب الصليبية على الإسلام، وإن كان يحاول الإيحاء في حفلات العلاقات العامة بأنه إنما يقصد المتشددين من المسلمين، ولكن هؤلاء المتشددين كما تسميهم أمريكا هم صناعتها أساساً ، هي التي أوجدتهم بتشددها وغطرستها وهي التي استخدمتهم في بعض الزمان وبعض المكان، لخدمة مصالحها وهي التي تجعل منهم اليوم ذريعة لشن العداء ضد العروبة والإسلام في الأمة العربية والعالم...

نحن العرب والمسلمون منفتحون دائماً على الحوار بندية وبنوايا حسنة ، وبرغبة أكيدة في حل كافة القضايا على أساس العدل والحق ..

ولكن التانجو يحتاج إلى راقصين أثنين كما يقول المثل الأمريكي، ولا يكفي أن نمتلك وحدنا النوايا الطيبة ، ولا يمكن في الوقت ذاته لأحد أن يخادعنا عن نوايا الآخرين تجاهنا..

إن إلغاء حالة العداء بين الولايات المتحدة والأمة العربية ممكن، مازلنا نعتقد ذلك بقوة ، ونعتقد إن الطرف الذي أوجد الأسباب الرئيسية للعداء هو الذي يتحمل المسؤولية الأهم في ذلك الإلغاء ..

أما إذا لم يكن ممكنناً إلغاء العداء ، فلماذا لا يتم " تنظيم العداء "، بحيث تنحصر وتنحسر الجبهات المفتوحة بين الطرفين ..

الاستقواء لن يجدي ... الحوار هو الطريق .


كاتب وباحث سياسي ليبي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات