|
| نقلة جديدة: سيف ذو حدين |
على كثرة ما اعترى لبنان وأهله من حروب أهلية دموية، وعلى رغم حالة الفوضى الشاملة، أمنيا ومجتمعيا، التي تعتريه منذ عام ونصف إثر أزمة سياسية ممتدة بين الأغلبية والمعارضة، فإن يومي 7 و8 مايو 2008 سيحفران في الذاكرة اللبنانية باعتبار أن ما سبقهما مختلف لا شك عما سيلحقهما بعد أن خرج حزب الله عن واحد من ثوابته المركزية في التعامل مع الداخل اللبناني منذ عام 1988 ليخوض مقاومة "ميليشياوية" حاسمة ضد الحكومة "العميلة" في بيروت وما حولها.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال نعت أي من الفريقين بالبراءة من تلك الأحداث الدامية أو هذه الحرب الخاطفة التي أعادت للأذهان ذكريات بيروت المؤلمة في عقدي السبعينيات والثمانينيات. ذلك أن حكومة السنيورة وقوى 14 آذار قد دار في أروقتهما الكثير والكثير قبل استصدار القرارين الخاصين بإقالة العميد وفيق شقير رئيس جهاز أمن المطار وبملف شبكة اتصالات حزب الله ليلة السادس من مايو 2008. وكانت الحكومة تدرك أن هذين الأمرين قد يقودان إلى صدام حتمي واستنفار داخل عموم الطائفة الشيعية، كما أنهما قد خضعا ولعدة أشهر لمداولات وأنواع من المقايضات، وكذلك لأنهما يمسان بشكل مباشر التوزيع القائم داخل الأجهزة الأمنية بين الأكثرية والمعارضة.
أما حزب الله ومن شارك من أطراف المعارضة الأخرى في هذا الحسم الخاطف، فواضح أن خطط السيطرة على بيروت واختطافها كانت قائمة ومعدة سلفا، ولم يكن ينقص التنفيذ إلا قرار كقرار الحكومة الأخير. وتحدثت مصادر قريبة من حزب الله منذ فترة عن أمرين: أولهما تحويل تيار المستقبل والحزب الديمقراطي الاشتراكي والقوات اللبنانية مناطق نفوذهم لمربعات أمنية مكتظة بالسلاح. وثانيهما أنه كانت لدى حزب الله خطط مختلفة لاقتحام بيروت، منها ما قيل إنه قد يتم في دقائق معدودة وفقا لتصور وضعه شهيد المقاومة وحزب الله القائد "عماد مغنية"، ومنها ما قد يتم في ساعات قليلة بناء على تصورات عن صمود الطرف المقابل.
حسابات حزب الله
وواقعيا كان يمكن لحزب الله ولسائر قوى المعارضة أن تتبع إستراتيجية الضغط الشديد على الحكومة للتراجع عن قراراتها عبر إعلان عصيان مدني تدريجي أو عبر اللجوء لقيادة الجيش لحل هكذا خلاف في ضوء أن قرارات الحكومة غير شرعية وبالتالي غير ملزمة للمعارضة. والسوابق على ذلك عديدة، إذ تراجعت الحكومة عن تمرير قرارات كبرى تختص بالترقيات العسكرية أو بتركيبة الأجهزة الأمنية وغيرها. لكن حزب الله فضل هذه المرة اتباع إستراتيجية الصدمة والرعب ليس في مقابلة قرارات الحكومة فقط وإنما لتوجيه رسالة قاسية لقوى 14 آذار.
ويمكن القول إن حسابات حزب الله قد بنيت على ما يلي:
أولا: أنه بعد ما يزيد عن عام ونصف من الاعتصام في قلب بيروت، لم تحقق المعارضة أي مكسب سياسي أو أيا من مطالبها، واقتصر دورها على منع الأكثرية من الإتيان بأفعال استثنائية. وهنا تحديدا اعتقد الحزب أن ما قام به سابقا في 23 ديسمبر 2006 من عصيان مدني وما أعقبه من حوادث أمنية متفرقة آخرها أحداث 25 و 27 يناير 2008 بات ينظر إليه من قوى الأكثرية على أنه دور سلبي لا يغير واقع المعادلة السياسية القائمة. ومن ثم كانت هناك حاجة للتلويح برد فعل غير اعتيادي يرهب هذه القوى.
ثانيا: وفقا لحسابات الحزب ثمة عوامل ضاغطة تدفع في سبيل تغيير إستراتيجية الحياد الإيجابي للسلاح. هذه العوامل تتراوح من وجهة نظر الحزب في محاولة زج الأكثرية بالجيش في نزاع مع حزب الله، ووقتها قد يكون مبررا طلب الحماية عربيا ودوليا، معطوفا على ذلك سعي بعض الأطراف السنية إلى تصوير تحرك حزب الله بالطائفي.
ثالثا: لم تمنع خسائر المعارضة المتتالية في اللعبة السياسية من انقلاب أطراف عربية كانت محايدة مثل مصر والسعودية والجامعة العربية ذاتها، وأطراف دولية على رأسها فرنسا، على حزب الله وعلى المعارضة. وقد ربط الحزب ذلك بأنه بدلا من السعي لإيجاد حل وفق السلة المتكاملة، فإن هذه الأطراف جميعا، وخاصة بعد القمة العربية الأخيرة، حاولت تفكيك هذه السلة وتجزئتها بما يضر بقدرة المعارضة على تعديل المعادلة السياسية اللامتوازنة.
رابعا: إن حزب الله كان يتابع ما يتواتر من أنباء متفرقة عن المربعات الأمنية الجديدة في بيروت والبقاع والجبل والشمال وعن قيام تيارات داخل قوى الأكثرية بالإمداد بالمال والسلاح لمواجهة حزب الله إذا تطورت الأمور لوضع حربي. وبالتالي فإن الحزب وميليشيا الحزب القومي السوري -والتيار الوطني الحر عن بعد- كانوا يرغبون في اختبار جدي لميليشيا الأكثرية وقدرتها على الصمود وقدراتها التسليحية.
خامسا: في الوقت الذي راهنت فيه المعارضة على تحلل قوى 14 آذار من الداخل، وخاصة الطرف المسيحي بها، فإن ما كاد يحدث هو العكس. فـ14 آذار بدت أكثر تماسكا وتوصلت لوثيقة مشتركة تحدد إطار عملها وأهدافها وتعرض لنجاحاتها وإخفاقاتها، بينما لم تتمكن قوى المعارضة من صياغة ورقة مشتركة، ولم يستطع حزب الله والتيار الوطني الحر تمرير وثيقة التفاهم بينهما إلى سائر قوى المعارضة، بل إن الحليف المركزي لحزب الله، أي التيار الوطني، قد بدأ بعض المنضوين في كتلته النيابية "التغيير والإصلاح" بالانفضاض من حوله مثل النائب ميشيل المر. وهذه أمور تقتضي تقوية شوكة المعارضة وتبيان صمودها، وبالتالي فإن خطوة حسم معركة بيروت تصب كذلك في هذه الزاوية كما تؤكد تصريحات العماد عون وعلي قانصو رئيس الحزب القومي ووئام وهاب رئيس حركة التوحيد وغيرهم.
سادسا: لقد رأى حزب الله ومعه حركة أمل أن قرارات الحكومة هذه المرة لها بعدان خطران، أولهما: المس بكرامة الطائفة الشيعية إذا ما أقيل شقير عن منصبه، وهو ما قد يكرس سابقة استبعاد رتبة أو منصب إداري فيما بعد؛ على الرغم من أن رفيق شقير عمله يتبع الجيش مباشرة. وثانيهما: لأن ذلك الأمر من وجهة نظر حزب الله وأمل ليس فقط بقرار من الحكومة وإنما بإيحاء وتدبير من رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، ما يخضع طائفة بكاملها لهوى زعيم واحد.
لكن حقيقة الأمر أن حزب الله قد رأى في خوض الحكومة معركة حول "وفيق شقير" إنما يصب في خانة إخلال التوازن القائم بين الأكثرية والمعارضة في تقاسمهما الأجهزة الأمنية، حيث تعول الأولى على فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، فيما تعول القوى الشيعية على الأمن العام وجهاز أمن المطار. ومعلوم أن حكومة السنيورة، ومنذ بدء الأزمة السياسية، تجنبت أي مواجهة مع المعارضة في ملف الأجهزة الأمنية، تعيينا أو إقالة، خارج نطاق تفاهم متبادل.
سابعا: قرأ حزب الله قرار الحكومة بشأن شبكة الاتصالات على أنه يدفع باتجاه تدويل الأزمة الداخلية من جانب، وبأنه يمثل تعديا صريحا على أمن المقاومة الإستراتيجي من جانب آخر. واعتبره السيد حسن نصر الله بمثابة إجراء أول ستتبعه إجراءات لاحقة من فريق السلطة "لتجريد أهم عنصر يحمي قيادة المقاومة وكوادرها وبنيتها التحتية"، واتهم نصر الله "الحكومة بالتواصل خلال جلستها التي اتخذت فيها القرارات الخلافية مع الدول والعواصم نفسها التي غطّت حرب تموز".
وما زاد من قناعة الحزب بهذه الفرضية أن ثمة مفاوضات كانت تجري منذ فترة حول هذه المسألة. وقد أقر زعيم تيار المستقبل النائب سعد الحريري بأن الأكثرية فاوضت الحزب على فك الاعتصام مقابل تمرير شبكة الاتصالات. كما تداولت أنباء عن أن الحكومة اللبنانية أبلغت دوائر الأمم المتحدة بأنها تعدّ تقريرا عن شبكة اتصالات المقاومة وعن الوضع في مطار بيروت الدولي، لعرضه على مجلس الأمن قبيل انعقاد جلسته المتعلقة بتقرير الأمين العام بشأن القرار 1559 في 8 مايو الماضي.
وعند هذه النقطة على وجه الخصوص، ووفقا لسياسة الحزب ومواقفه السابقة من قضية النقاش حول سلاحه علاوة على تخوينه للحكومة سابقا، لم يكن مقبولا أي شيء لارتداع الأكثرية إلا أن يقوم الحزب بتجاوز أهم خط أحمر حدده لنفسه بعد انتهاء الحرب الأهلية، وهو توجيه سلاح الحزب إلى الداخل، من منطق أن استخدام السلاح هو ما يحمي السلاح.
سقوط بعض الثوابت
وأيا تكن حسابات حزب الله من هذا الحسم المدروس، فالشاهد أن أمورا وثوابت كثيرة سقطت مع واقعة حرب بيروت من قبل حزب الله والمعارضة. ولعل المفارقة الأولى هي حرص حزب الله أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على تحييد بيروت ووضعها في سياق الخطوط الحمر وإلا قصفت صواريخ المقاومة تل أبيب. في تلك الأثناء كانت أحياء بيروت، من الفنادق الكبرى إلى الأزقة الضيقة، تستضيف أهل الجنوب. فيما أسقط حزب الله بيروت من واقع الخطوط الحمر هذه في معركة الداخل، في استذكار واضح لوعد السيد نصر الله في ديسمبر 2006 بالنصر على الحكومة الساقطة كما انتصر على الإسرائيليين.
والسؤال هنا هل سينسى أهل بيروت لاحقا، ولو بعد سنوات، هذا الجرح النفسي، وهل سيجد الحزب ذاته في أية مواجهة مستقبلية في موضع حصانة داخلية مقبولة كما كان عليه الحال في حرب 2006، وخاصة من الطائفة السنية التي على الرغم من ما تشهده من تحولات تبقى على قناعة تامة بمقاومة حزب الله وأهل الجنوب؟
ومن جانب آخر، كان الحزب يستشعر وهو يقدم على خطوة كتلك بحالة إحباط نفسي وتشوش قد تصيب المتابع العربي، ويدرك الحزب أن الفعل الميليشيوي يختلف قطعا عن فعل المقاومة مهما تكن تبريراته. لهذا طلب نصر الله من "الأمة الإسلامية أمرا واحدا هو التفهم، وألا يجري تضليل الرأي العام العربي والإسلامي لأنهم (أي الأكثرية) دائما يهددوننا عند أبسط أمر بالفتنة المذهبية".
لكن بعيدا عن الحواجز النفسية الجديدة التي قامت بين بيروت وحزب الله، وبعيدا كذلك عن الصورة الذهنية للمقاومة لدى المواطن العربي، يمكن القول من الزاويتين السياسية والإستراتيجية: إن جديد حزب الله هو إعلان نصر الله الصريح مغادرة الحزب لمنطقة حياد سلاحه التي تمسك بها طويلا، حيث كانت الخلافات الداخلية قابلة للاستيعاب دون توجيه هذا السلاح لمدة عشرين عاما. أما اليوم فالحزب بات مقاومة إسلامية لمواجهة إسرائيل وقابل في الوقت ذاته وبذات الأدوات أن يكون ميليشيا موجهة للداخل في حالات قصوى تتراوح بين نقطة مواجهة أمريكا وإسرائيل وبين طرح موضوع السلاح للنقاش الداخلي.
ولا يعني ذلك كما يصور البعض إفلاس المقاومة أو خروجها عن أهدافها، فهذا رباط عقدي ونمط جهادي ومنبع أيديولوجي وامتداد مصلحي - ديني لحزب الله، كما أن التهديد الإسرائيلي ماثل ولا ينكره غالبية اللبنانيين. بكلمات أخرى رسالة حزب الله واضحة، فهو إن أراد العمل الميليشيوي تحقيقا لركائزه الكبرى لن يتردد فيما بعد، وذلك دون مس بجوهر الصيغة الوفاقية والميثاقية الراهنة ودون انقلاب صريح على اتفاق الطائف.
ويدرك الحزب الآن وأكثر من أي وقت مضى أن حسم معركة بيروت "الشيعية" ستنعكس سلبا على طبيعة الحالة الجهادية السلفية "السنية" التي تغذي شمال لبنان منذ العام 2000، والتي تضاعفت بعد اغتيال الرئيس الحريري. وقد تكون هذه إشكالية كبرى ستؤججها حرب بيروت إذا لم تلتئم جراحها وتجف حروقها في وقت ملائم.
ومرة أخرى تطرح حرب بيروت العلاقة بين المقاومة والسياسة لدى حزب الله، تلك العلاقة التي كانت تبدلاتها لدى الحزب تتم وفق مقتضيات الحفاظ على سلاحه وعلى شرعيته. فعندما بدأ الحزب يدخل طور "اللبننة" في انتخابات 1992 النيابية بعد نهاية الحرب الأهلية التي خاض فيها عامي 1985 و1988 معارك مع حركة أمل ومع الحزب القومي وغيرهم لتثبيت نفوذه في الجنوب وفي إقليم التفاح، وحتى لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير 2005، لم يكن يمارس الحزب السياسة إلا بما يحفظ شعرة معاوية مع الدولة اللبنانية، وكذا لا يطالب بتحولات جوهرية أو هيكلية في جوهر التمثيل السياسي والإداري بل والإصلاحي ما دامت الدولة بعيدة بالكلية عن مسألة سلاحه، واضطر الحزب إلى الموازنة الدقيقة بين أفكاره الأيديولوجية وبين متطلبات اللعبة السياسية من أجل صون سلاحه.
هذا المشهد قد تبدل فيما بعد لينزل الحزب مضطرا إلى قلب التوازنات السياسية ويدخل وزراء في أول حكومة انتقالية بعد اغتيال الحريري، ثم ليخوض في التحالف الرباعي ليضمن بيانا وزاريا وحكومة لا تنقلب على المقاومة والسلاح. لكن هذه الحكومة أسقطت ذلك من بين ظهرانيها وبدأت تأخذ خطوات أعدها الحزب ضد مقاومته، فخاض الحزب صراعا سياسيا مريرا بعد أن وجد حليفا مسيحيا (العماد عون) حتى اضطر الحزب أخيرا لحفظ المقاومة باستخدام الميليشيا. وهكذا ستبقى لعبة السياسة عند الحزب مرتبطة بمسألة سلاحه وبأفكاره الأيديولوجية الكبرى متمثلة في مركزية الجهاد كوسيلة لتدمير إسرائيل، وفي مركزية ولاية الفقيه كإطار ديني ناظم لعلاقاته مع إيران وما يدور في فلكها.
كاتب وباحث سياسي.
|