English

 

الأحد. مايو. 11, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أقصر حرب أهلية لبنانية.. مكاسب وخسائر

محمد مصطفى علوش

الجيش الرابح الأكبر في  الأزمة الأخيرة
الجيش الرابح الأكبر في الأزمة الأخيرة
سنة ونصف قد مضت على اعتصام المعارضة في وسط بيروت التجارية وكان الهدف حينها إسقاط حكومة فؤاد السنيورة، تطورت الأزمة بعدها وتعقدت وتداخل فيها المحلي بالإقليمي ثم الدولي، إلى أن بلغت الأزمة ذروتها مع دخول شهر أيار الجاري؛ فبادر الرئيس نبيه بري لدعوة جميع الأطراف إلى طاولة الحوار لإخراج الأزمة من عنق الزجاجة بعد أن تلاشت المراهنة على المجتمعين العربي والدولي في مساعدة اللبنانيين في إبصار النور الذي طال غيابه.

حتى 5 أيار كانت الأمور تبشر بالخير، فوليد جنبلاط الزعيم الدرزي الأقوى في الأكثرية والمتهم من المعارضة بأنه رأس الحربة فيها والمحرك الفعلي لتوجهاتها كان قد رحب بمبادرة بري الحوارية، داعيا الزعيم السني "سعد الحريري" إلى تلقفها. لكن وفي لحظة غير مفهومة شكلت انعطافة خطيرة في سلوك وليد جنبلاط الذي حطم الأرقام القياسية في التلون والتقلب في المزاج ولا زال، حتى بات أشبه بلبنان الذي حقق بدوره الأرقام القياسية سواء لجهة تحطيمه رقم الحرب الأهلية الأطول في تاريخه الحديث التي استمرت زهاء 15 سنة، أو لجهة تسجيله يوم أمس رقم "الحرب الأهلية" الأقصر في التاريخ التي لم تستمر أكثر من 24 ساعة، على حد وصف رئيس تحرير جريدة الأنوار.

وهذه الانعطافة جاءت مع قرارين للحكومة اللبنانية دفعا حزب الله إلى العصيان المدني، ثم مواجهة عسكرية مفتوحة مع الأكثرية في شوارع بيروت.

وسواء كان حزب الله قد انقلب على الدولة منفذا فصولا جديدة من "مخططاته الخفية لاحتلال بيروت وتحويل لبنان إلى دولة تتبع ولاية الفقيه"، حسب ما تقول الأكثرية، أم أنه استبق ما كانت تخطط له الموالاة من "افتعال حرب مذهبية سنية شيعية في لبنان عبر خلق خطوط تماس في بيروت لا تلبس أن تصل إلى كامل لبنان للسيطرة على سلاح الحزب"، وفق رؤية الحزب في تحليل الصراع، فإنه -لا شك- أن ما حصل خلال الساعات القليلة الماضية أحدث واقعا جديدا لا يقدر أحد على تجاهله حيث كانت حصيلته رزمًا من المكاسب والخسائر لكل من هو معني بالملف اللبناني داخليا وخارجيا.

وإذا كان الكاتب البريطاني روبرت فيسك قد اعتبر أن ما حصل في بيروت كان انتصارا لإيران ومن يسير في فلكها على الولايات المتحدة الأمريكية ومن هو متورط في مشروعها في المنطقة من خلال نسفه، فإن غيره من المراقبين يرون أنه كان للأطراف اللاعبة في لبنان محليا حصة الأسد من هذه المكاسب وتلك الخسائر.

حصيلة الموالاة

لو بدأنا بالموالاة فسنجد أن خسائرها تمثلت في عجزها عن مساندة الحكومة في مواجهتها مع حزب الله وقوى المعارضة، وخروجها ضعيفة متهالكة أمام تكاتف المعارضة وتصلبها، مكتفية ببيانات التنديد واستجداء الخارج، في حين عاشت -حسبما يتهمها خصومها- خدعة الدعم الخارجي والأساطيل الأمريكية التي كانت ترابض في البحر المتوسط قبل فترة بعد أن مارس معها ديفيد وولش نفس الدور الذي مارسته السفيرة الأمريكية جلاسبي في بغداد مع صدام حسين فدفعت ثمن خطأ عدم فهم المتغيرات الدولية والإقليمية.

وإذا كانت جل مكاسب الموالاة ومن ورائها حكومة السنيورة هو استدراج حزب الله بتوريط سلاحه في الداخل، وإظهاره أمام الرأي العام اللبناني والعربي والإسلامي كـ"سلاح ميليشيات" ارتد على أهل بيروت التي احتضنته خلال العقود الماضية وضرورة الإسراع بمناقشة ملف سلاحه، فإنها خسرت هيبتها وظهرت هي نفسها مهزوزة متراجعة أمام صلابة حزب الله وإصراره على تراجع الحكومة عن القرارين اللذين اتخذتهما بحق شبكة اتصالاته الأرضية وبحق رئيس جهاز أمن المطار، ما عزز قدرة حزب الله وشعبيته تحديدًا داخل الطائفة الشيعية التي وجدت في ممارساته خلال الساعات الماضية دليلا إضافيا على صوابية موقفها الداعم له في خياراته السياسية والإستراتيجية.

حزب الله

وفق نظرية حزب الله فإن كل ما قام به كان مكسبًا صافيًا له ولحلفائه في المعارضة انسجاما مع الرؤية الافتراضية التي تقول إن قوى الموالاة كانت تعتزم -قبل أن يقدم حزب الله على استغلال المظاهرة العمالية لممارسته العصيان المدني- تصفية قوى المعارضة في بيروت ثم في الجبل والبقاع والشمال، عبر خطة موضوعة مسبقا بالتنسيق مع مخابرات إقليمية ودولية مفادها بناء صورة تقدّم للخارج ما يجري على أنه فتنة مذهبية وحرب أهلية، يتهمون المعارضة بإشعالها. وبناء عليه فقد جاءت خطوة الحزب الاستباقية لتضع في أولوياتها السياسية تثبيت ما يلي:

1- دفع الجيش اللبناني لتولي مسئولية فرض الأمن، بعد السيطرة على جميع مراكز الموالاة بمسلحيها وبأسلحتهم ومستودعاتها في جميع المناطق اللبنانية التي كانت تعد لافتعال حرب أهلية ذات طابع مذهبي.

2- جعل قيادات بيروت السنية في المعارضة وقيادات الجبل الدرزية في المعارضة المرجعية السياسية المعتمدة في التعامل مع الوضع الجديد في مناطقها بعد سيطرة الحزب.

3- إبراز خطاب سياسي عنوانه التوصل إلى تسوية توافقية للأزمة السياسية والدستورية في البلاد، واعتبار التطور الحاصل بإسقاط الانقلاب الأمريكي – الإسرائيلي تحريرا للعلاقات بين اللبنانيين من مشروع الوصاية الأمريكية، وتحميل القوى التي لا تتجاوب أو تتأخر في التجاوب مسئولية ما سوف يحدث من تطورات لاحقة بفعل تأخير المخرج الإنقاذي.

على افتراض أن "انتفاضة 8 أيار" كما تسميها المعارضة لم تكن قد جاءت في إطار صفقة واسعة في المنطقة لحلحلة بعض الملفات الإقليمية العالقة، فإنه يمكن القول عندها إن ما وقع به حزب الله من انتفاضته هذه أنه أطلق العدّ العكسي لخسائره المتعددة والمتنوعة، والتي ستبدأ عاجلا أو آجلا بالظهور، ليس أقلها التشكيك بصحة مشروعه وإثارة القلاقل في العالمين العربي والإسلامي من مشروع فارسي شيعي يستهدف لبنان والمنطقة، وهذا قد يكون بداية نهاية حزب الله عربيا وإسلاميا.

أضف لذلك أنّ سلاح حزب الله سيكون حديث أي حوار سياسي أو تسوية سياسية مقبلة في لبنان، لاسيما بعد أن تكرس في الوجدان اللبناني والعربي وجود وتكاثر السلاح في يد اللبنانيين جميعا من خلال المظاهر المسلحة للأحزاب اللبنانية في شوارع بيروت وصيدا وطرابلس وغيرها، وأنّ كل هذا السلاح استعمل في الداخل وقد يتكرر استعماله في أي لحظة وهذا يعني نزع صفة القدسية عن سلاح الحزب.

ويعدد المراقبون أخطاء وقع بها حزب الله عن غير قصد لكن سيكون لها مفعول رجعي:

  • رفع أنصاره صورا للرئيس السوري بشار الأسد مكان صور الرئيس الحريري أو نجله سعد بعد نزعها، الأمر الذي أحرج حلفاءه المسيحيين داخل شارعهم.

  • ما قام به حزب الله كان حرب إلغاء، وهو نفس الخطأ الذي وقع به سابقوه؛ لأن أي حرب للإلغاء قادها أي فريق ضد فريق آخر لم تنجح طيلة فصول الحرب الأهلية في لبنان.

  • الاعتداءات غير المبررة التي نالت المؤسسات الإعلامية التابعة للحريري والتي أظهرت مناصري الحزب وحلفاءه كجماعة من الغوغائيين.

كل ذلك كفيل يوما بتحويل المقاومة في نظر اللبنانيين إلى مجموعة خارجة على القانون ومطاردة من القضاء والمؤسسات الأمنية.

الجيش.. الرابح الأكبر

لا شك أن الرابح الأكثر من هذه المعمعة هو الجيش الذي لم يكن له في إثارتها ناقة ولا جمل. لقد خرج الجيش اللبناني خلال الساعات القليلة الماضية بصورة المؤسسة الأكثر نضجا في نظر الشارع اللبناني الذي رأى في وجود الجيش وانتشاره ملاذا آمنا له ولمستقبله في هذا البلد.

ورغم ما وجه للجيش من انتقادات لاذعة من قبل الرئيس السنيورة الذي طالب قيادته "بتحمل مسئولياته كاملة في حماية اللبنانيين وحفظ السلم الأهلي ودونما تردد أو تأخر وهو ما لم يتحقق حتى الآن"، أو من قبل سمير جعجع الذي تحفظ على الرد عن سؤال عما إذا كان العماد ميشيل سليمان ما زال مرشحا توافقيا بعد أن غمز من قناة الجيش بقوله: "كان يفترض على الجيش أن يوقف كل هذه الخروقات، بعضهم لا يمانع أن يطير البلد على أن لا ينقسم الجيش، علما بأن نظريتهم لانقسام الجيش غير صحيحة"، فإن الجيش خرج من هذه الأزمة أكثر تماسكا ونضجا وقبولا بين المتصارعين سواء عن طيب خاطر أم لا، والمرشح الأوحد لإدارة طاولة حوار تقرب المسافات بين الأكثرية والمعارضة.

المتابع لأداء الجيش خلال الأزمة يدرك أنه كان ينتهج إستراتيجية تقوم على محاولة الفصل بين المتقاتلين مشكلا درعا بشريا لإشعار الفرقاء المتنازعين أنه يرغب بالإصلاح فيما بينهم من ناحية، ولإشعار الجندي نفسه بأنه يقوم بعمل مهم لشعبه ووطنه وطائفته وهو ما يعزز الحفاظ على سلامة الجنود الشخصية، وعدم تعريضهم لإطلاق نار المتنازعين، إضافة للحفاظ على سلامة المؤسسة العسكرية ووحدتها، كآخر مؤسسة رسمية موحّدة، وبهذا يكون الجيش قد استحق وبجدارة أن يكون الحضن الدافئ لجميع اللبنانيين لإدارة وحل خلافاتهم على طاولة حوار يرعاها بنفسه.


كاتب لبناني

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات