English

 

الجمعة. مايو. 9, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أحداث لبنان تنذر بحرب جديدة.. ليست أهلية

نبيل شبيب

لبنان بوابة حرب إقليمية جديدة؟
لبنان بوابة حرب إقليمية جديدة؟
تراشق المواقف السياسية وتراشق الرصاص، وتناقله في الإعلام الغربي أنّه نذر حرب أهلية جديدة في لبنان، لا ينفي أنّ المعطيات الحالية في لبنان ليست معطيات حرب أهلية، وأن ما يجري على أرضه لم يعد منذ زمن طويل -وعلى الأقل منذ اغتيال الحريري- أحداثا يمكن فصلها عن الأوضاع والصراعات الإقليمية مع عبث القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية بحاضر المنطقة الراهن لترسيخ هيمنة أجنبية تشمل الهيمنة الصهيونية في مستقبلها، بعد أن أصبحت على وشك الانحسار لأسباب عديدة، من قبل حلول العام الستين على النكبة الأولى بفلسطين.

شرارة التصعيد

لا شك أن الكلمة التي ألقاها أمين عام منظمة حزب الله حسن نصر الله كانت كلمة نارية تصعيدية، تتحدث عن السلاح أكثر من الحوار، دون إلغائه، وتطرح مطلبا لا تراجع عنه، كما ظهر من خلال رفض عرض الحريري، ولا شك أنّ هذه الكلمة اقترنت بإجراءات على الأرض، في بيروت تخصيصا؛ ممّا أسفر عن مواجهات مسلّحة وسقوط القتلى والجرحى.

ولكن هذه الكلمة كانت ردّ فعل على فعل سابق، وهو معروف، يتمثل في القرار الصادر عن حكومة فؤاد السنيورة، اعتبار شبكة الاتصالات التابعة لقوات منظمة حزب الله غير قانونية، يجب تفكيكها، واقتران ذلك بعزل المسئول عن جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير الأقرب لحركة أمل ومنظمة حزب الله، وكان يشغل هذا المنصب منذ كانت توجد حكومة رباعية الأجنحة تشمل الحركتين، أي قبل الحرب العدوانية الإسرائيلية ضدّ لبنان عام 2006م.

هذا القرار الذي وصفه خطاب نصر الله التصعيدي بإعلان حرب، هو في أدنى الحالات شرارة التصعيد الأولى، فمن خطّط له وقرر صدوره يدرك ما يعنيه بالنسبة إلى الطرف الآخر، ويعلم أنه يضعه بين خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما الانصياع وبالتالي انتزاع ما يشبه العمود الفقري لحماية قوات المقاومة في حال حدوث صدام عسكري متجدد ومرجح مع الإسرائيليين، أو الرفض الذي لا يمكن أن يكون كلاميا، فالقرار ليس "كلاما" بل يقترن بإجراءات على الأرض.

شبح الحرب الأهلية

لا يمكن أن تندلع حرب أهلية على غرار ما كان عام 1975م، وإن اندلعت مواجهات عسكرية داخلية في لبنان، فمن العسير في الوقت الحاضر أن تكون مواجهات طائفية، فالفريقان الرئيسيان المتنازعان يضم كل منهما -كما هو معروف- أحزابا ومنظمات وجماعات وشخصيات من شتى الطوائف، فمع الشيعة -من حزب الله وأمل- مسيحيون بزعامة ميشيل عون، ودروز بزعامة قبلان، وسنة بزعامة فتحي يكن، ومع السنة في حكومة السنيورة وتيار المستقبل (الحريري) دروز بزعامة جنبلاط، ومسيحيون بزعامة جعجع.

أما الجيش باعتباره القوة المسلّحة الرئيسية في البلاد، والذي يخشى قادته الحاليون من انفراط عقده تحت تأثير الأحداث، فقد تمكن قائده السابق ورئيس الجمهورية لاحقا إيميل لحود، أن يجعل منه جيشا حياديا، وهذا ما حافظ عليه وتابعه قائده الجديد ميشال سليمان، الذي يتوافق الجميع على ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

شبح حرب أهلية طائفية مستبعد في الوقت الحاضر ولا يمكن الجزم باستبعاده بصورة مطلقة مستقبلا، ولكن غالبية وسائل الإعلام الغربية الكبرى، مثل سي إن إن الأمريكية، وتايمز البريطانية طرحت الاشتباكات الأولى في بيروت على أنها نذر حرب أهلية طائفية لبنانية جديدة.

إن احتمال تصعيد الصدامات في بيروت واحتمالات امتدادها إلى مناطق لبنانية أخرى أصبح احتمالا كبيرا، ولكنّها ليست من قبيل بداية حرب أهلية، بل من قبيل صدامات تصنع "فوضى هدامة" يمكن أن تصبح ذريعة من أجل تدخل عسكري خارجي بصورة من الصور.

توقيت التصعيد

لقد تزامن قرار حكومة مجموعة "السنيورة-جنبلاط-الحريري-جعجع"، بشأن شبكة اتصالات منظمة حزب الله، مع جملة أحداث يمكن تعدادها دون تفصيل:

  1. التقرير الدوري لمبعوث الأمم المتحدة لارسن، أمام مجلس الأمن الدولي، وكان حافلا بتوجيه اتهامات شديدة لمنظمة حزب الله وسوريا وإيران، مع الدفاع عن حكومة السنيورة وشرعيتها، ومع التأكيد أن الأوضاع الحالية تشكل "خطرا على الأمن الإقليمي" وهي العبارة التي تستخدم عادة كذريعة أو مقدمة لتدخل عسكري خارجي.

  2. تقديم عرض جديد لإيران بشأن ملفها النووي، لا يخرج عن المطالبة الغربية الأساسية بشأن وقف تخصيب اليورانيوم، ولكنه يمثل في مجمله إشارة إلى الاستعداد للقبول بحل ما للأزمة، مما يدفع إلى التكهن أن تكون فيه محاولة لتحييد إيران بشأن ما يتعلق بلبنان، وكذلك ما يتعلق بعمل عسكري إسرائيلي محتمل في المنطقة، يمكن أن يكون ثمنه عدم متابعة الضغوط الغربية على المشروع النووي الإيراني لفترة من الزمن على الأقل.

  3. التعامل مع سوريا بأسلوب يجمع بين الإغراء بإعادة الجولان في إطار سلام ثنائي مع "إسرائيل"، وبين التهديد بالحرب مع توجيه إنذارات أمريكية جديدة وتصعيدية تجاه سوريا، بعد أن بدا أن آخر تقارير التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، لم يعد يضعها على رأس القائمة كما كان يراد من قبل في الفترة الأولى من التحقيق، ولا ينفصل هذا التعامل عن مجرى القمة العربية الأخيرة في دمشق، وقد انطوى على مشاركة عربية في عزل سوريا إقليميا، واعتبار سياستها تجاه لبنان هي العقبة في طريق أي مصالحة عربية.

  4. زيارة بوش الابن للمشاركة في الاحتفالات الإسرائيلية بمرور ستين عاما على نكبة اغتصابها الأرض الفلسطينية، مع ما تتضمنه هذه الزيارة مما سبق إعلانه في مؤتمر أنابوليس، بدءا بما يوصف بالدولة اليهودية، انتهاء باستمرار الحصار على غزة واعتبار القضاء على المقاومة الفلسطينية -واقعيا- شرطا لإنهائه.

  5. بوادر أزمة جديدة إسرائيلية بالكشف عن اتهام أولمرت بالرشوة، وبالتالي وضعه في موقع داخلي لا يستبعد معه أن يحاول الهروب إلى الأمام مجددا، بعمل عسكري عدواني خارجي، قد يشمل سوريا بحجة دعم منظمة حزب الله، مع لبنان، ومع اعتقاد الإسرائيليين أن نشر "الفوضى الهدامة" في لبنان مسبقا، يرجّح ألا تنتهي مغامرة عسكرية إسرائيلية جديدة بهزيمة شنيعة كالتي وقعت عام 2006م.

تهيئة لحرب

رغم الأمل الكبير في التوصل إلى حل داخلي لبناني أو حل إقليمي عربي، وهو ما تتردّد بعض الإشارات إليه، لا يسهل القول بترجيح هذا الأمل على ما يرجّحه مجرى الأحداث على الأرض، فتوقيت تصعيد المواجهة في لبنان في هذه الفترة بالذات لم يأتِ اعتباطا، ولا يمكن أن تتلاقى جميع هذه الأحداث التي تصنعها مواقف وسياسات محلية وإقليمية ودولية دون تنسيق مسبق أو توافقي ضمني، وهذا ما يرجّح أنّ ما يراد للبنان لا يقتصر على "حسم داخلي" للأزمة فيه لصالح طرف دون آخر، كما لا يقف عند حدوده الجغرافية، ولعل أحد العوامل الرئيسية من وراء التصعيد الآن، هو رغبة الرئيس الأمريكي الموشك على الرحيل بوش الابن، أن يغطي على ما يخلفه من إرث سلبي في بلده سياسيا وعسكريا واقتصاديا وماليا، بتحقيق إنجاز ما على صعيد العلاقات الاندماجية الصهيوأمريكية، وهي التي تجد أكثر من سواها التوافق الدائم بين مراكز القوى الأمريكية، بما في ذلك مراكز القوى الحزبية من الجمهوريين والديمقراطيين.

ولعل استهداف شبكة اتصالات "حزب الله" في التصعيد الجديد يكشف عن أنّ دراسة أسباب الهزيمة الإسرائيلية عام 2006م، أسفرت عن تحديد توزيع أدوار جديدة في أي مواجهة عسكرية تنشب مجددا.

بتعبير آخر لا يتخذ مجرى الأحداث في لبنان في الوقت الحاضر صورة نشوب أزمة تسعى الأطراف المعنية بها إلى نزع فتيل الانفجار الذي تنطوي عليه، بل يتخذ مجرى إشعال فتيل أزمة تصنع صراعا محليا، يمكن توظيفه ذريعة لتدخل عسكري خارجي، سبقت تهيئة أسبابه وطريقة إخراجه، ما بين نيويورك وواشنطن وباريس وتل أبيب، وأطراف لبنانية مرتبطة بواشنطن، ولا يستبعد أنّ هذه التهيئة تنطوي على الأقل على "تحييد" عواصم عربية أخرى، وهو ما يحتمل ظهوره بصورة أوضح في "المؤتمر العاجل" لوزراء خارجية الدول العربية.

مخاطر حرب إقليمية 

لم تعد أزمة لبنان أزمة رئاسة وحكومة، وحل توافقي وحكم مشترك، فجميع ذلك كان أقرب منالا في حالة تحييد الارتباطات الخارجية، إنّما كان لبنان منذ اغتيال الحريري مدخلا لرسم خارطة جديدة "شرق أوسطية"، كانت وما تزال هدفا علنيا صهيوأمريكيا من قبل احتلال العراق.

وقد أخفقت حتى الآن عدة محاولات لتحقيق هذا الهدف، كان أبرزها الضغوط الكبرى على سوريا تحت عناوين عديدة، يتقدمها عنوان التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري، وكانت الخطوة الكبرى الثانية في الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان.

ما يجري الآن يمكن أن يمثل محاولة ثالثة لتحقيق الهدف ذاته، أي اصطناع "شرق أوسط جديد" وفق تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية رايس، على أرضية فوضى هدامة لم ينقطع العمل على نشرها في العديد من البلدان الإسلامية ما بين أفغانستان وباكستان شرقا، والسودان والصومال غربا.

وتدرك القوى الكامنة من وراء هذه المحاولة الثالثة أنّ المعطيات الحالية قابلة أن تؤدّي بها إلى الإخفاق أيضا، وإن أخفقت فعلا فلن يسهل الترتيب لمحاولة تالية قريبة، فنتائج الإخفاق تدفع إلى تطورات وتوجد معطيات تعاكس كلية المطلوب أمريكيا وإسرائيليا من رسم الخارطة الجديدة، علاوة على أنّه إخفاق ينهي جهود الرئيس الأمريكي الموشك على الرحيل بوش الابن للتعويض عن بعض السواد في صفحة رئاسته بالمنظور الأمريكي.

الخشية من الإخفاق لا تدفع إلى العدول عن الدخول في مغامرة عسكرية وسياسية جديدة، قدر ما تدفع إلى أن تكون هذه المحاولة الثالثة مستميتة أكثر مما سبقها، فلا تتورع أطراف النزاع جميعا عن استخدام كل وسيلة ممكنة من وسائل عسكرية وغير عسكرية لحسمها على النحو الذي يريده كل منها على حدة.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات