|
| قرارات توفير موارد العلاوة أشعلت ثورة المصريين |
جاءت قرارات الحكومة المصرية بزيادة أسعار البنزين والسولار والكيروسين والسجائر وتراخيص تسيير السيارات لتدبير موارد تغطي تكلفة العلاوة الاجتماعية للموظفين البالغ نسبتها 30%، بمثابة مفاجأة لعموم المصريين من حيث توقيت صدورها ومكوناتها وأسلوب تبرير محتواها وطريقة عرضها للجمهور.
فمنذ إرسال وزارة المالية موازنة العام المالي القادم 2008 /2009 للبرلمان لمناقشتها، والحديث يدور حول اقتراحات تقدم بها 50 عضوا من أعضاء الحزب الوطني الحاكم بمجلس الشورى، منها زيادة حد الضريبة على الأرباح البالغ نسبتها 20% بنحو 2% لمن تزيد أرباحهم السنوية عن خمسة ملايين جنيه وحتى خمسين مليون جنيه، وزيادتها بنسبة 5% لمن تزيد أرباحهم السنوية عن خمسين مليون جنيه، وفرض ضريبة على توزيعات الأرباح بنسبة 5%، لكن مضمون هذه المقترحات -التي كان الجميع يعتقد أنها توجه حكومي لتقدم أعضاء الحزب الحاكم بها- لم يتم أخذها في الاعتبار واستبدلت بوسائل أخرى تزيد من أسعار البنزين والسولار والكيروسين والسجائر، وفرض رسم على الطَفْلة المستخرجة من المحاجر، وإلغاء الإعفاء الضريبي للمنشآت التعليمية الخاصة، وإلغاء المزايا الضريبية للمنشآت كثيفة استخدام الطاقة العاملة بالمناطق الحرة، إلى جانب قرار كان متوقعا تمثل في رفع أسعار الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة استخدام الطاقة.
الإضرار بمحدودي الدخل
ومن هنا كانت المفاجأة في مكونات بنود تدبير موارد إضافية للموازنة، خاصة أن التأكيدات السابقة كانت تؤكد أنها تبحث عن موارد إضافية لا تمس فئات محدودي الدخل، في حين أن رفع مواد السولار والكيروسين والبنزين يعني الإضرار بها، فالمواصلات الشعبية من الميكروباص والتوك توك تعتمد عليها، وكذلك ماكينات الري والجرّارات الزراعية وسيارات النقل، وسيؤدي ذلك لارتفاع تكلفة نقل السلع والخضر والفاكهة ليتحمل المستهلك النهائي هذه التكلفة الإضافية.
وبرغم ذلك تصر وسائل الإعلام الرسمية على أن القرارات لا تضر بالفقراء، وأنها تأخذ من الأغنياء لصالحهم، والمفاجأة الأكبر في توقيت تنفيذ الزيادات السعرية مساء يوم الخامس من مايو، أي قبل أن يحصل الموظفون بالحكومة على العلاوة التي تسببت في تلك الزيادات والتي من المفترض أن يحصلوا عليها بنهاية الشهر.
والمسألة ليست في الفارق الزمني فقط، ولكن في افتقاد الحس السياسي بضآلة الفارق الزمني بين توقيت الإعلان عن نسبة الثلاثين بالمائة وتوقيت الإعلان عن الزيادات السعرية، إلى جانب تنفيذها في اليوم التالي لموعد إضراب عام لم يستجب الكثيرون للمشاركة به، وكان من المفترض شكر الحكومة لمثل هؤلاء على موقفهم بتأجيل التنفيذ ولو لبضعة أسابيع، إلى جانب أن المستفيدين من العلاوة هم موظفو الحكومة البالغ عددهم أقل من ستة ملايين شخص، في حين أن إجمالي العمالة المصرية يبلغ 22 مليون شخص، أي أن 18 مليونا سيتضررون من الزيادات دون أن يحصلوا على العلاوة، وكذلك أصحاب المعاشات الذين سيحصلون على نسبة 20% للعلاوة وبحد أقصى مائة جنيه مصري فقط "الدولار = 5.36جنيهات مصرية".
أما سيناريو إخراج الزيادات، فبعيدا عن الإجراءات التي اتبعت بدعوة أعضاء لجنة الخطة والموازنة سرًّا والإصرار على مناقشة الزيادات بمجلس الشعب وإقرارها بنفس اليوم وتنفيذها بالمساء، وعدم قبول أي تعديلات في نصوص بنود زيادة الإيرادات برغم اعتراضات العديد من أعضاء البرلمان لست ساعات، فإن المفاجئة الأكبر أنه لم تتم مناقشتها مع اتحاد الغرف التجارية أو الصناعية، خاصة مسألة إلغاء المزايا الضريبية التي كانت تتمتع بها الصناعات كثيفة استخدام الطاقة بالمناطق الحرة.
ضرائب البورصة
ويظل السؤال: هل كانت هناك بدائل يمكن اللجوء إليها دون الإضرار بالبسطاء؟
الحقيقة أن هناك موارد كان يمكن الحصول عليها دون الإضرار بهم، وعرضت صحفية أخبار اليوم الحكومية نماذج متعددة منها قبل عشرة أيام من إقرار الزيادة الجديدة، ومن ذلك:
إمكانية فرض ضرائب على الأرباح الناجمة عن التعامل بالبورصة، حيث تنص المادة 31 من قانون الضرائب على الدخل رقم 91 لسنة 2005 على إعفاء تعامل الأشخاص الطبيعيين عن استثماراتهم بالأوراق المالية المقيدة بسوق الأوراق المالية المصرية. كذلك تفعيل ما يحصل عليه الأشخاص الطبيعيون من عوائد السندات على اختلاف أنواعها المقيدة في سوق الأوراق المالية. وأيضا إعفاء التوزيعات على حصص رأس المال في الشركات ذات المسئولية المحدودة وشركات الأشخاص وحصص الشركاء غير المساهمين في شركات التوصية بالأسهم. كما يعفي القانون التوزيعات على صكوك الاستثمار التي تصدرها صناديق الاستثمار.
وبالنظر إلى قيمة تعاملات البورصة المصرية خلال العام الماضي نجد أنها قد بلغت 322 مليار جنيه للأوراق المقيدة مقابل 271 مليار جنيه خلال العام الأسبق، بل إن قيمة التعامل خلال الربع الأول من العام الحالي بلغت 207 مليارات جنيه، وبما يشير إلى أن القيمة سترتفع إلى حوالي 800 مليار جنيه خلال العام الحالي.
وفى ضوء ارتفاع مؤشر الأسعار بلا انقطاع خلال السنوات الأخيرة فإن الأرباح التي تحققت للمتعاملين لم تحصل الدولة منها على جنيه واحد نظرا لإعفائها.
كذلك توزيعات الأرباح التي قامت بها 426 شركة مقيدة بالبورصة لا تحصل الدولة منها على شيء، ونفس الأمر لتوزيعات حوالي 40 صندوق استثمار تعمل بالسوق يتضمن نظامها الأساسي توزيع أرباح دورية، ونفس الأمر لأنواع السندات المقيدة بالبورصة سواء كانت سندات حكومية أو سندات شركات.
والغريب أن تعاملات الأجانب بالبورصة معفية من الضرائب برغم أن الولايات المتحدة تفرض ضرائب على أرباح الأجانب في بورصاتها والتي تقل فترة بقائها هناك عن ثلاثة أشهر.
اقتراحات أعضاء الشورى
ولعل ما طرحه أعضاء مجلس الشورى من رفع الحد الأقصى لنسبة الضريبة على الأرباح بالنسبة لكبار رجال الأعمال كان أكثر ملاءمة، فمن غير المعقول أن يكون الحد الأقصى لنسبة الضريبة للموظفين هو نفسه بالنسبة لرجال الأعمال والبالغ عشرين بالمائة، كما أنه بمراجعة قانون الضرائب المصري يمكن أن توجد بعض الفرص للحصول على موارد، حيث إن هناك إعفاء ضريبيا لإيرادات الفنانين التشكيليين عن إنتاج مصنفات التصوير والنحت والحفر، كما أن الضريبة النوعية على رخصة الملاهي ودور السينما والمسرح ما زالت تبلغ ثلاثمائة جنيه سنويا فقط، كما أن ترخيص استغلال المناجم أو المحاجر ما زال ثلاثمائة جنيه، بل إن رخصة استيراد أسلحة أو ذخائر أو نقلها ما زالت 12 جنيها سنويا، أيضا فإن شهادة الحصول على الدكتوراه ما زالت ستين جنيها فقط، وما زالت شهادة عقد الزواج 15 جنيها، أي أقل من ثمن صندوق للمياه الغازية.
وتتعدد الاقتراحات بفرض رسم سنوي على اليخوت والطائرات الخاصة وعلى رسوم الاشتراك ببعض الأندية التي وصلت إلى 470 ألف جنيه بنادي الجزيرة و200 ألف جنيه بنادي الشمس، وكذلك على تراخيص السلاح، وتحصيل رسم على بيع أراضي المتخللات الزراعية التي تدخل كردون المدن، والأراضي التي يتم "تسقيعها"، خاصة في مناطق الساحل الشمالي والغردقة والعين السخنة وجنوب سيناء.
ترشيد الإنفاق الحكومي
وإذا كان الاحتياج لموارد إضافية سببه العجز المزمن بالموازنة العامة حتى بلغ 75 مليار جنيه بموازنة 2006 /2007، فإن السبب الرئيسي للعجز هو الدين العام الذي بلغ بالنسبة للدين المحلى حتى نهاية العام الماضي 671 مليار جنيه، وبالنسبة للدين الخارجي 8ر32 مليار دولار.
والنتيجة بلوغ مخصصات فوائد الدين العام بموازنة 2007/2008 نحو 979ر51 مليار جنيه، أي حوالي ربع الإنفاق العام بالموازنة، وحوالي ضعف ما تم تخصيصه للاستثمارات العامة بالموازنة.
ومن هنا فإن علاج أوجه الخلل بالموازنة يمكن أن يساهم في تقليل العجز، ومن ذلك ترشيد الإنفاق الحكومي والمتمثل في المهرجانات والاحتفالات والمؤتمرات داخل وخارج مصر، والتي ليس لها مردود على المواطن برغم تحمله تكلفتها، كما أن إصلاح الهيئات الاقتصادية سيقلل حجم ما تحصل عليه من إنفاق بالموازنة، كذلك فإن حسن إدارة المخزون الحكومي سيقلل من النفقات.
وفي جانب الإيرادات فإن تحصيل المستحقات الضريبة المتأخرة البالغ حجمها أكثر من 59 مليار جنيه يمكن أن يساهم، خاصة ديون المؤسسات الصحفية للضرائب والتي تمثل رسوم دمغات قامت بتحصيلها ولم تورد قيمتها للدولة.
كما أن تحسين إدارة الشركات العامة سيزيد من الإيرادات التي تحصلها الحكومة منها، كذلك فإن مراجعة عقود تصدير الغاز الطبيعي طويلة الأجل يمكن أن يزيد من الموارد الحكومية.
ولو كان هناك هامش ديمقراطي لدفع إلى عرض مسألة البحث عن موارد بديلة على المؤسسات المجتمعية ليتم الحصول على بدائل عديدة مبتكرة، لكن نظام الحكم تعود على الانفراد بكل شيء، لكن المجتمع يدفع ثمن ذلك الانفراد بالرأي من استقراره وتماسكه.
صحفي اقتصادي، نائب مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية
|