|
| التظاهر سلوك وليس حل |
على الرغم من أن التظاهر في الشارع العربي لم يكن مألوفا لفترات طويلة، لكنه مؤخرا أصبح ظاهرة صحية لكي تعبر به الشعوب العربية عن اعتراضها على ممارسات الحكومات فيما يخص مجالات متعددة منها السياسية والاجتماعية وغيرها.
لكن في قضية ارتفاع الأسعار أتى التظاهر كنوع من التعبير عن نفاد الصبر وعدم القدرة على تحمل تبعات الحياة في ظل هذه الأسعار المرتفعة بشكل مستمر، ولا يعلم له نهاية، في حين أن دخول الأفراد اتسم بالثبات التام.
وفي الوقت الذي نعتبر فيه التظاهر آلية إيجابية للتعبير عن الرأي، لكنه ينبغي أن يصاحبها آليات أخرى لإيقاظ الشارع العربي، ليس من أجل تثويره فحسب، ولكن من أجل المحافظة على كافة حقوقه، ومعرفة أن له دورا في التعاطي مع قضاياه.
الحلول الفردية.. تفاقم المشكلة
ومع تفشي ظاهرة "الأنامالية" في المجتمعات العربية، وتحويل معظم القضايا القومية والوطنية إلى حيز ونطاق ضيق، فلم يعد غياب التعليم الجيد مسألة تهز الشارع العربي؛ حيث إن الأفراد القادرين يتجهون للدروس الخصوصية، والتعليم لدى مدارس القطاع الخاص.
وكان نفس النمط السلوكي في مسألة ارتفاع الأسعار، حيث تعامل معها الشارع العربي في إطار "الأنامالية" من بدايتها وحتى تفاقمها، فكل من لديه قدرة على التعايش مع ارتفاع الأسعار بدرجة معينة لم تعنيه قضية ارتفاع الأسعار، ولم يلتفت هؤلاء إلى أن الظاهرة متشعبة، وأن ارتفاع الأسعار لبعض السلع من شأنه أن ينال باقي السلع ويؤثر فيها، خاصة ما يمس السلع الضرورية للمجتمع (الطعام، الشراب، المسكن، الملبس، وسيلة المواصلات).
ولم يدركوا أن الفقراء بالوطن العربي نسبة لا يستهان بها، وسد حاجاتهم تمثل صمام أمان للمجتمع، ومن هنا فالحلول الفردية لا تصلح في الشأن العام، والذي تأتي قضية ارتفاع الأسعار على قائمة أولوياته في هذا التوقيت بالعالم العربي.
غياب ثقافة حقوق المستهلك
وانتقالا من الفرد إلى المجتمع نجد أن جمعيات أو أجهزة حماية المستهلك لم تولد بمجتمعاتنا العربية إلا بفضل الضغوط من قبل بعض المؤسسات الدولية أو شروط بعض الدول المانحة، وللأسف فإن معظم هذه الجمعيات أو الأجهزة قامت من خلال تمويل خارجي، ومن هنا كان تأثيرها ضعيفا، وإن كان وجودها مهما، ولكن لابد أن تنبع من خلال ثقافة محلية تؤيد دورها وتعظمه وتقوم على أمر تمويلها.
هذه الجمعيات والأجهزة في الدول الرأسمالية لها دورها المهم والذي تخشاه منظمات الأعمال، فبإمكان هذه الجمعيات أن تحول الطلب على السلع وتؤثر فيه من خلال علاقاتها الوثيقة بالمواطنين واستجابتهم لهذه الجمعيات والأجهزة المعنية بحقوق المستهلك.
فلم نجد مثلا جمعية عربية قامت بنوع من المتابعة للأسواق العالمية، ومعرفة الأسعار، وتكاليف الشحن، ووجود هامش مرض من الربح للتجار لتخبر المستهلك أن السعر العادل لهذه السلع كذا وكذا، أو أن هذه الجمعيات أو الأجهزة قامت بإرشاد المستهلك بالكميات المطلوبة للاستهلاك الضروري من سلع معينة حتى ترشد الاستهلاك، أو تدل على السلع البديلة.
والبعض يرجع ظاهرة تفلت الأسعار في عالمنا العربي إلى خروج الدول العربية من دائرة الإنتاج وترك المجال للقطاع الخاص، مما جعله متحكما في دوائر الإنتاج والتوزيع، ولكن لابد أن نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر أن التجربة البريطانية في الخصخصة يجب أن يحتذى بها، فالمؤسسات والشركات التي تم بيعها للقطاع الخاص تملكت فيها الدولة ما يسمى بـ"السهم الذهبي" وبموجب هذه الملكية التي لا يقابلها أي أصول رأسمالية أو مالية، يحق للحكومة الاعتراض على ما تتخذه هذه الشركات من أسعار أو جودة المنتجات إذا كانت لا تعكس واقعا حقيقيا، ومن حقها أن تجبر الشركات على العودة للبيع بأسعار أقل.
مواجهة رخوة للفساد
الحقيقة الملموسة أن هناك ارتفاعا في الأسعار نال كافة السلع والخدمات، ولكن الملاحظ أن هناك سلوكا موازيا من قبل تجار جشعين ومعدومي الضمير، استغلوا تلك الظروف العامة، ومارسوا صورا عدة للاحتكارات والغش، فوجدنا أزمات شبه مصطنعة في الشارع العربي، كما وجدنا سلعا لا تصلح للاستهلاك الآدمي تقدم للأسواق وتتداول، مما أوجد نوعا من التدهور في صحة الفرد العربي.
وعند البحث عن جهود أهلية من قبل المجتمع العربي لمواجهة هذه الظاهرة نجدها لا تزال محدودة، ويحكمها بعض الاعتقادات الخاطئة والموروثات البالية، مثل أن تقديمهم للعدالة ومحاربتهم سوف ينال من أسر العاملين معهم أو من حولهم. والواجب أن تكثر وتفعل الجمعيات الأهلية التي تأخذ على عاتقها تطهير الأسواق من ممارسات الفساد سواء كان غشا أو احتكارا، أو استغلالا لحاجات الناس ومعاناتهم.
المواطن العربي والقابلية للغلاء
إذا كانت تقديرات صندوق النقد الدولي لارتفاع أسعار الغذاء خلال عام 2007 في حدود 40%، فما بالنا بما كانت عليه خلال السنوات الماضية منذ عام 2003، حيث بدأت مشكلة ارتفاع الأسعار على الصعيدين العربي والعالمي في الظهور.
خفف من حدة المشكلة في البلدان العربية تلك الزيادة الحاصلة في العوائد النفطية التي استفادت منها البلدان الخليجية بشكل مباشر وبعض البلدان العربية الأخرى بشكل غير مباشر، من خلال عوائد العاملين بالخارج أو توجه بعض الاستثمارات الخليجية والأجنبية إلى البلدان العربية غير النفطية، ولكن تبقى مشكلة تلك البلدان العربية الأقل نموا (اليمن، السودان، موريتانيا)؛ حيث إن استفادتها من العوائد النفطية كانت محدودة، كما زاد من معاناتها مشكلاتها الداخلية المتفاقمة على الصعيد السياسي الداخلي.
والملمح هنا -لتفسير سلوك المواطن العربي في إطار ما سمي بـ"القابلية للغلاء"- أن الظاهرة مستمرة منذ سنوات، ودخول الأفراد في غالبيتها ثابتة، بينما زيادة الأسعار مستمرة، دون أن تتأثر حركة البيع والشراء بالصورة الملموسة التي يمكن أن نقول فيها إن الأسواق قد أصيبت بالشلل أو التوقف مثلا من جراء ارتفاع الأسعار.
حتى سلوك التظاهر بالشكل الكبير كرد فعل من قبل المواطن العربي على ظاهرة ارتفاع الأسعار أتى متأخرا، فضلا عن عدم مصاحبته بالأدوات الأخرى المطلوبة من أجل مواجهة حقيقية لظاهرة ارتفاع الأسعار.
لذا فالذين خرجوا في مظاهرات الخبز والغلاء عليهم أن يستمروا في أداء واجبهم في إيجاد مؤسسات رقابية حقيقية على الأسواق، سواء كان ذلك على الأصعدة المحلية أو القطرية، والمطالبة بوجود سياسات قومية تعظم من الاتجاه للأنشطة الإنتاجية، ومحاربة الفساد.
باحث اقتصادي ويمكنك التواصل معه عبر بريد صفحة نماء namaa@islamonline.net
|