English

 

الجمعة. مايو. 2, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بين بابا الفاتيكان وبابا واشنطن

محمود عبده علي

اللقاء البابوي الأمريكي.. من أجل السلام
اللقاء البابوي الأمريكي.. من أجل السلام؟
اكتسبت الزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في الفترة من 15-20 إبريل، أهمية خاصة يمكن إرجاعها إلى عدة عوامل تتمثل أولا في توقيت الزيارة، التي تأتي في وسط معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي يلعب الصوت الكاثوليكي فيها دوراً هاماً –كما أشار جون ألن John Allen المحلل السياسي المختص بشؤون الفاتيكان في شبكة CNN- الأمر الذي قد يحمل مغزى سياسيا ما على الرغم من نفى المسئولين في الفاتيكان لذلك، أو على حد قول جون ألن فإنه من السذاجة القول بأن زيارة البابا لا تحمل أي مغزى سياسي.

"المسيح أفضل فيلسوف سياسي"!

لا تعود أهمية الزيارة إلى التوقيت فحسب، بل لعدة أمور أخرى أيضا/ أهمها أن البابا يلقى قبولا عاما في الولايات المتحدة، فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته جمعية كاثوليكية تدعى "فرسان كولومبس" (Knights of Columbus) أن 58% من الأمريكيين يحملون شعوراً طيباً تجاه البابا، كما أن الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية، التي يتبعها نحو ربع سكان الولايات المتحدة الأمريكية (حوالي 70 مليون نسمة)، تعتبر من أكثر الكنائس حيوية ونشاطاً فيما يسمّى "العالم الأول" إلى جانب امتلاكها تأثيرا في بعض القضايا التي تخص الشأن العام، بالإضافة إلى أن المجتمع الأمريكي لا يعيش مرحلة "ما بعد المسيحية" كالتي تعيشها المجتمعات الأوروبية، بل على العكس يعتبر من أكثر المجتمعات العلمانية تديناً، حيث أن للمعتقدات الدينية والمبادئ الأخلاقية تأثيراً كبيراً في الحياة العامة في المجتمع الأمريكي.

ورغم كل العوامل السابقة التي أضفت أهمية خاصة على زيارة البابا إلى الولايات المتحدة، فإن الزيارة تطرح التساؤل حول وجود نوع ما من التوافق بين إدارة الرئيس بوش وبابا الفاتيكان، أو بعبارة أخرى وجود "مساحات اتفاق"، أو ما يمكن تسميته "أجندة متطابقة" بين واشنطن وبابا الفاتيكان.

المحلل السياسي الأمريكي مايكل نوفاك Michael Novak-الذي ينتمي إلى تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والعضو الهام بمعهد الأعمال الأمريكي (American Enterprise Institute) الذي يعتبر أشهر مستودعات الفكر المحافظ في الولايات المتحدة- يتساءل في مقال له بعنوان (American Benediction) نُشر بمجلة (National Review) المحافظة بتاريخ 21 إبريل 2008، عن مغزى الزيارة في مثل هذا التوقيت، ويجيب نوفاك بأن الفاتيكان لم يجد له صديقا في الإدارة الأمريكية أفضل من الرئيس بوش ليس فقط بسبب دفاعه عن قداسة وحرمة النفس البشرية (رفضه لتقنين الإجهاض)، ولكن بسبب جهوده في "فضح اليسار" (يشير إلى الديموقراطيين)، ونشر الحريات الدينية في الشرق الأوسط.

ولم يكن هذا رأي نوفاك فقط، فقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية البابا بنديكت السادس عشر -في عددها الصادر في 13 إبريل 2008- بأنه بمثابة "بطل" المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، وأشارت الصحيفة -في عدد 17 إبريل- أنّ البابا وجد أرضية خصبة لنزعته المحافظة لدى الرئيس بوش والذي جعل إيمانه المسيحي محركاً أساسيا في حياته كسياسي أمريكي. فالمحافظون المسيحيون -طبقاً للصحيفة- وبشكل خاص الكاثوليك، يمثلون عنصراً رئيسياً في القاعدة السياسية للرئيس بوش، وبالتالي فقد أعطت زيارة البابا دفعة قوية للبيت الأبيض لتعزيز هذه العلاقات مع قاعدته المحافظة.

ويمكن القول إن العلاقة "الخاصة" بين البابا وإدارة الرئيس بوش قد ترجع، في جانب منها، إلى طبيعة إدارة الرئيس بوش الذي أعلن في حملته الانتخابية عام 2000 بأن السيد المسيح -عليه السلام- هو أفضل فيلسوف سياسي لديه، ومن ثم برزت "النزعة الأخلاقية" ربما بشكل لم يسبق له مثيل في السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن هذا التوافق بين البابا والإدارة الأمريكية لا يرجع فقط إلى ذلك.

مجلة الإيكونومست البريطانية Economist، في تقرير لها عن زيارة البابا بتاريخ 23 إبريل 2008، أرجعت الاستقبال الحافل الذي لقيه البابا في الولايات المتحدة، في جانب منه إلى أن البابا يدعم بشدة الاتجاه المحافظ في "الحروب الثقافية" التي تتم داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وأبرز مثال على ذلك موقف البابا من قضية الإجهاض.

وقد ظهر هذا التوافق -حسبما تشير نيويورك تايمز 17 ابريل- بصورة واضحة في الأعداد الغفيرة التي استقبلت البابا، وفي اللقاء الذي جمعه بالرئيس بوش، والذي أكد أن الأمريكيين يحتاجون إلى رسالة يبعثها البابا بأن الحياة شيء مقدس، في تلميح إلى اعتراضهما المشترك حول "حق الإجهاض".

وقال الرئيس بوش "نحن نؤمن بالحرية الدينية، وكذلك حب الحرية، والقانون الأخلاقي المشترك مكتوب في قلب كل إنسان.. وهذه الأشياء جميعها تكوّن الأساس الذي يبنى عليه أي مجتمع حر".

العدو الأخضر المشترك

كرست الزيارة أيضا وبصورة واضحة التوافق بين البابا وإدارة الرئيس بوش فيما يتعلق بالأجندة الخارجية، حيث يلحظ المرء وجود "عدو مشترك" للجانبين، فالولايات المتحدة التي ظلت تبحث بعد انهيار الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي (الخطر الأحمر) عن عدو جديد، وجدت ضالتها في الإسلام أو بالمصطلحات الأمريكية "الراديكالية الإسلامية" (الخطر الأخضر).

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أعلن الرئيس بوش أن الخطر الرئيسي الذي يهدد الأمن القومي الأمريكي، وبالطبع الأمن العالمي، هو "الأصولية الإسلامية"، واستُبدلت هذه الأصولية الإسلامية بالخطر الشيوعي بوصفها الخطر الذي ينبغي على العالم مواجهته في الوقت الحالي، وكان من نتيجة ذلك أن أعلن الرئيس بوش أن عدوه الرئيسي هو "الفاشية الإسلامية".

وبالنظر إلى موقف البابا بنديكت يتضح أن الأمر لا يختلف كثيرا عن موقف الرئيس بوش فالإيكونومست تُرجع –في تقريرها المشار إليه سابقا- الاستقبال الحافل للبابا في الولايات المتحدة إلى أن البابا أحد الذين يتبنون في أوروبا موقفا "صارما" تجاه "الأصولية الإسلامية".

وتستشهد المجلة بالمحاضرة الشهيرة للبابا التي ألقاها في ألمانيا في 12 من سبتمبر 2006، وربط فيها بين مفهوم الكلمة الإلهية (Logos) والمنطق اليوناني، معتبرا أن المسيحية أقرب إلى مفهوم العقل من الإسلام، فقد وجد البابا في الإسلام دينا قائما على العنف والسيف.

واستشهد البابا -حسبما تذكر الإيكونومست- في سياق تدعيم حججه، بجدال الإمبراطور مانويل الثاني مع عالم فارسي قائلا: "أرني ما جلب محمد من جديد وستعثر هناك على أشياء شريرة وغير إنسانية كإيعاز بنشر الإيمان بالسيف"، كما يعد الإمبراطور المذكور آية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] من الآيات التي نزلت في مرحلة مبكرة عندما كان محمد مهددا وبلا حول.

تنافس في العداء

نفس الأمر يذهب إليه مايكل نوفاك -المحافظ الجديد- حيث يصف البابا بأنه "رجل عصره" (The Man of his Age)، فالبابا -من وجهة نظر نوفاك- رغم أنه "هادئ" و"صبور" و"مثابر" فإنه يتميز بالوضوح والجرأة فيما يختص بالإسلام.

ويشير نوفاك هو الآخر إلى محاضرة البابا في ألمانيا، لكنه يضيف إليها صورة قد تحمل عداءً أكبر تجاه الإسلام، فيتحدث عن أن القسطنطينية قد تعرضت للدمار، فالكنائس تم تدميرها أو حُولت إلى مساجد والمسيحيون الذين كانوا بها تم قتلهم أو تحويلهم إلى عبيد.. وتحولت المدينة "المسيحية" التي كانت تعتبر أرقى المدن وأقواها وأكثرها تقدما في العالم المسيحي إلى مدينة "إسلامية".

ويذهب نوفاك إلى أن البابا، في علاقته مع الإسلام، ركز على الحرية الدينية، وليس هذا فحسب، بل اهتم بالجانب العملي هذه المرة، فالمساجد -كما يرى نوفاك- قد ملأت أنحاء أوروبا، والأقليات الإسلامية في أوروبا تتمتع بحريتها كاملة، وبالتالي "طلب البابا المعاملة بالمثل"، فقد طالب بوقف العنف ضد الأقليات المسيحية في العالم الإسلامي إلى جانب بناء كنائس لهذه الأقليات، وأن تحظى بما تحظى به نظيرتها الإسلامية في الدول الأوروبية.

ويصل الأمر بجورج ويجل (George Weigel) -المفكر الكاثوليكي ذي النزعة المحافظة- إلى تشبيه الزيارة التي قام بها البابا للولايات المتحدة -في مقال له بعنوان (A Pope of Historic Vision) نشر على موقع مركز "الأخلاق والسياسة العامة (Ethics and Public Policy Center) بتاريخ 16 من أبريل- بالزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان السابق يوحنا بولس الثاني إلى بولندا في الفترة من 2-10 من يونيو 1979، حيث أدت تلك الزيارة من وجهة نظر "ويجل" إلى إشعال ثورة من الوعي، أدت بدورها لاحقا إلى سقوط الشيوعية في عام 1989، حيث يعتبرها الكثير من المؤرخين العلمانيين للحرب الباردة -من وجهة نظر "ويجل"- بمثابة أهم الأحداث المحورية في القرن العشرين.

ويشير "ويجل" إلى أن الزيارة لم تكن تحظَ بالاهتمام الإعلامي المناسب، مثلما هو الحال في زيارة البابا بنديكت السادس عشر إلى الولايات المتحدة، فما بدا واضحا الآن من أثر الزيارة على سقوط الاتحاد السوفيتي، لم يكن واضحا آنذاك على الإطلاق. فقد جاءت تغطية صحيفة نيويورك تايمز الزيارة -آنذاك- تحت عنوان "البابا البولندي يصل بولندا"، وبينما اعتبرت الصحيفة أن الزيارة ستنعش الكنيسة الكاثوليكية في بولندا، ذكرت أنها لا تمثل أي تهديد للنظام السياسي في البلاد أو في أوروبا الشرقية.

ويصل "ويجل" إلى قمة التوحّد في تحديد "العدو" بين الإدارة الأمريكية والبابا، عندما يصف زيارة البابا إلى الولايات المتحدة بأنها تشبه "اللحظة التاريخية في يونيو 1979" (June 1979 moment) حيث تجاهلها معظم المراقبين ولم يعيروها أي اهتمام، لكنها ستؤدي إلى إسقاط العدو "الأصولية الإسلامية" كما فعلت في السابق مع زيارة يوحنا بولس إلى بولندا وأسقطت الشيوعية.

ويوضح "ويجل" الأمر توضيحا لا يحتمل أي تأويل، حيث يعتبر "لحظة يونيو 1979" بالنسبة للبابا بنديكت هي المحاضرة التي ألقاها في ألمانيا في 13 من سبتمبر 2006 وتطرق فيها إلى الإسلام، أو بعبارة ويجل "أدت إلى عملية من الصحوة الروحية والفكرية والتي ستسهم في الإجابة عن السؤال الذي استمر لعدة قرون حول مدى تعايش الإسلام مع التعددية"، وذهب "ويجل" إلى القول: إن البابا في علاقته مع الإسلام ركز على شيئين رئيسيين هما الحرية الدينية والعلاقة بين السلطتين السياسية والدينية.

والعراق؟

لا يحتاج كلام "ويجل" إلى مزيد من التوضيح فهو يؤكد أن الزيارة الأولى للبابا إلى الولايات المتحدة تمثل لحظة تاريخية ستسهم في إسقاط العدو المشترك، هو -بما أن جورج ويجل كاثوليكي ومحافظ جديد- "الأصولية الإسلامية"، كما فعلت زيارة البابا السابق يوحنا بولس الثاني إلى بولندا.

وتجدر أخيرا الإشارة إلى أن ثمة اعتراضا قد يثار بشأن توافق "الأجندة" بين البابا وإدارة الرئيس بوش، فالبابا يعلن اهتمامه بقضايا البيئة والمهاجرين ويدعم الأبعاد الاجتماعية في الجانب الاقتصادي، وهي قضايا تلقى اعتراضا من قبل المحافظين الجدد في الولايات المتحدة إلى جانب أن الفاتيكان قد عارض وانتقد الحرب على العراق.

لكنه يمكن القول إن هذه السطور لا تدعي أن ثمة "توافقا تاما" بين البابا الكاثوليكي والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، ولكن لا ينبغي إغفال "مساحات الاتفاق" الكثيرة جدا بين البابا والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، خاصة على الصعيد الخارجي ومحاربة "الأصولية الإسلامية"، وآراء كل من جورج ويجل ومايكل نوفاك السابقة أبرز مثال على ذلك.

وبالنسبة للعراق، فإلى جانب أن البابا لم يتطرق إلى القضية بصورة مباشرة في كلمته أمام الجمعية العامة، فإن كلمات جورج ويجل -الكاثوليكي المحافظ- تبدو ذات دلالة هامة، ففي مقابلة معه حول زيارة البابا مع مجلة (Dziennik) بتاريخ 18 من أبريل، وعند سؤاله حول موقف الفاتيكان من غزو العراق؟ قال: "بخصوص العراق من المهم تذكر الآن أننا في عام 2008 وليس 2003 ورغم أن الخلاف حول غزو العراق في عام 2003 معروف، فإن ما هو غير معروف أن الفاتيكان والإدارة الأمريكية يتفقان الآن على هدف إستراتيجي في العراق، هو بناء حكومة مستقرة تقبل بالتعددية، وهذا يعني، من بين أشياء أخرى، مراعاة الحرية الدينية للأقلية المسيحية في العراق.. القوات الأمريكية موجودة هناك من أجل السلام، وهو الهدف الذي يسعي إليه البابا، وأي شخص آخر مناهض للإرهاب، والفاتيكان يفهم أن أعداء الديمقراطية والمتطرفين الطائفيين هم سبب معاناة العراق".


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات