English

 

السبت. أبريل. 26, 2008

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

دعوة لفقراء العالم

إن لم تجدوا القمح والأرز.. فكلوا بطاطس *

ترجمة - أميرة إسماعيل

ثمار البطاطس حل مقترح لأزمة جوعى الجنوب
ثمار البطاطس حل مقترح لأزمة جوعى الجنوب

مساعدة في التخفيف من وطأة الأزمة العالمية للغذاء، صدرت أوامر لجنود الجيش البنغالي باستبدال البطاطس بالأرز.. بدا الأمر في بدايته كنوع من المزاح، حتى إن بعض الجنود والبحارين الذين تم إبلاغهم أن من الآن فصاعدا ستتضمن حصص طعامهم اليومية 125 جراما من البطاطس عوضا عن الأرز بغض النظر عن رتبهم، لم يأخذوا الأمر على محمل جدي.

لكن القرار حقيقي، لذا لم يعد مضحكا على الإطلاق، فعندما يتعلق الأمر بدولة تتخذ من الأرز طبقا رئيسيا لمائدتها، يجب أن تثير أزمة الأرز في بنجلاديش وباقي آسيا حالة من الذعر عند الحكومات، وجاء إعلان الجمعة 18/4/2008 الذي قامت به الجهات العسكرية لاستبدال البطاطس بالأرز لاستكمال حصص الطعام الخاصة بالجنود؛ مؤكدا هذه الأزمة.

2008 عام البطاطس

اللجوء لمساعدات "البطاطس" لن يقتصر على بنجلاديش فقط، فمع التصاعد الدائم في الأسعار العالمية للغذاء، والمظاهرات التي تندلع في كل مكان من مصر إلى إندونسيا، يعتقد الخبراء أن زيادة استخدام البطاطس قد يساهم في حل هذه المشكلة. وتبعا لما قاله المهندسون الزراعيون فالبطاطس من الخضراوات التي تنمو وتنضج بشكل سريع ولا تحتاج لكميات كبيرة من المياه، ويعد محصولها أكبر من القمح أو الأرز بما يتراوح بين 2 إلى 4 مرات.

وبسبب تلك الآمال المعلقة على عاتق درنات البطاطس أطلقت منظمة الأمم المتحدة على عام 2008 "السنة الدولية للبطاطس"، وقالت الهيئة العالمية إنه "مع ازدياد القلق من خطر نقص الغذاء وعدم الاستقرار في عشرات من البلدان ذات الدخل المنخفض، سيتجه الاهتمام العالمي نحو المحاصيل القديمة، والتي يمكن أن تساعد في تخفيف العبء الناجم عن تضخم أسعار الغذاء".

وأضافت أن زراعة البطاطس مثالية للأماكن التي بها أراض محدودة وأيدي عاملة وفيرة، وهي الظروف التي تميز الكثير من بلدان العالم النامي. كما تتميز البطاطس بأنها تنتج محصولا غنيا غذائيا، سريع النضج ويتحمل أجواء مناخية أكثر قسوة من التي يتحملها أي نوع آخر من المحاصيل الغذائية.

جاء ظهور البطاطس كحل محتمل لمعالجة حالة الجوع التي اجتاحت العالم مواتيا للقلق المتزايد إزاء ارتفاع تكاليف الأغذية في جميع أنحاء العالم، حيث شهد سعر الأرز والقمح والحبوب ارتفاعا كبيرا في الأشهر الاخيرة.

ومع تصاعد الأزمة الحالية أجبرت الكثير من البلدان على اتخاذ تدابير خاصة لحماية منتاجتها الغذائية، فالهند مثلا منعت مؤخرا تصدير الأرز باستثناء "البسمتي" المميز.

قتل جماعي صامت

وقد أعرب "بان كي مون"، السكرتير العام لمنظمة الأمم المتحدة، في محادثات العولمة التي أجريت نهاية الأسبوع الماضي في إفريقيا عن قلقه إزاء تصاعد أسعار المواد الغذائية، قائلا: إنها " تشكل تهديدا لاستقرار عدد كبير من الدول النامية"، ووصف جان زيلغر مندوب التغذية التابع لمنظمة الأمم المتحدة تصاعد الأسعار بأنه " قتل جماعي صامت"، والملام الأول هنا هو الغرب.

وقال زيلغر إن حالة النمو في إنتاج الوقود الحيوي، والمضاربة في أسواق السلع، وأيضا إعانات التصدير في الاتحاد الأوروبي، كلها تعني أن الغرب هو المسئول عن هذه الأزمة. وقال زيلغر للصحيفة النمساوية "كورير أم سونتاج" يوم 17/4: "لقد قال ماركس إن الجوع لن ينسب إلى القدر لفترة طويلة، والأدعى هنا أن نقول إن وراء كل ضحية قاتل، وهذا هو ما أسميه القتل الجماعي الصامت".

وأضاف قائلا: "لدينا قطيع من تجار السوق والسماسرة والمضاربين الذين تحولوا إلى وحوش، وبنوا عالما من الرعب وعدم المساواة، ولابد أن نضع حدا لذلك".

وأمام هذا التصارع يزيد التحدي الذي يواجهه أنصار زيادة رقعة زراعة البطاطس عالميا، ومع ذلك تأخذ البطاطس مكانها في عالم التجارة والأعمال، فهي تحتل المرتبة الثالثة من إنتاج المحاصيل الخاصة بالاستهلاك البشري، بعد الأرز والقمح.

تغيير عادات الشعوب

الصين على سبيل المثال هي بالفعل أكبر منتج للبطاطس على مستوى العالم، وعلى الرغم من ذلك خصصت مساحات واسعة من الأراضي الإضافية في محاولة لزيادة زراعتها للدرنات.

أما الهند فقد أبلغت خبراء الأغذية بأنها تريد مضاعفة إنتاجها من البطاطس خلال الفترة من 5 إلى 10 سنوات قادمة، في حين أن كازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان يعملون على زيادة المساحة الزراعية للبطاطس.

وفي بلدة ناجالاند شمال شرق الهند والتي تحد بورما، تتعاون السلطات المحلية مع المنظمات غير الحكومية في تطوير نوع من البطاطس سريعة النضج، والتي يمكن زراعتها في الوقت الفاصل بين حصادين لمحصول الأرز. ويمكن رؤية الأمر على أنه مصدر إضافي للأغذية وليس بديل، وعليه تعمل المنظمات غير الحكومية مع المجتمعات المحلية لتوعية الناس حول فوائد البطاطس وكيفية زراعتها.

في بيرو، حيث كان أول بزوغ لنبتة البطاطس، أدت مضاعفة أسعار القمح في العام الماضي إلى إطلاق برنامج حكومي لتشجيع الخبازين على استخدام دقيق البطاطس بدلا من دقيق الذرة لصنع الخبز. وكجزء من المخطط تم توزيع خبز البطاطس على تلاميذ المدارس والجنود وحتى السجناء، أملا في انتشاره بين الناس، ولكن المشكلة أن هناك نقصا في المطاحن التي تقدم دقيق البطاطس.

"يتعين علينا أن نغير العادات الغذائية للشعب"، هذا ما قاله إسماعيل بنافاديس وزير الزراعة في بيرو لوكالة رويترز، موضحا أن الناس أدمنوا القمح لأنه كان رخيصا.

وفي الوقت نفسه في لاتفيا، هناك زيادة حادة في سعر الخبز، وشهدت بداية العام انخفاضا في المبيعات بنسبة تصل إلى 15%، وللتعويض عن السعرات الحرارية التي فقدها اللاتفيون، ازدادت مبيعات البطاطس بنحو 20% في نفس الفترة.

تاريخ "البطاطس"

تمت زراعة البطاطس لأول مرة منذ 7000 سنة في أعالي جبال الإنديز قرب بحيرة تيتيكاكا، وهناك ما لا يقل عن 5000 صنف من البطاطس، منهم 3000 يمكن إيجادهم في الجبال. وتترواح ألوانها ما بين الأبيض الجص إلى الأصفر والأرجواني، وتحتفظ الدرنات بأهمية ثقافية وعملية ضخمة في أمريكا الجنوبية.

وانتقلت إلى أوروبا عن طريق الإسبان، ويبدو أنهم أول من زرع البطاطس في 1532م، وتشير الأدلة الوثائقية إلى أنه مع حلول عام 1573 أصبحت البطاطس تباع بالفعل في أسواق إشبيلية، وبعد ذلك وصلت إلى الهند، ربما عن طريق البرتغاليين الذين استولوا على جاوه. وعرفت البطاطس في الهند باسم " الوو" وهي تعتبر المكون الأساسي لعدد من الأطباق الهندية الشهيرة.

يقول الخبراء إن البطاطس لها قيمة غذائية عالية، وهي مصدر للكربوهيدرات والتي تتخلص من طاقتها ببطء، وتحتوي على 5% فقط من نسبة الدهون الموجودة في القمح، كما أن بها بروتينات أكثر من الذرة وحوالي ضعف كمية الكالسيوم، وتحتوي أيضا على الحديد والبوتاسيوم والزنك وفيتامين ج، وكانت تؤكل من قبل البحارة في القرون السابقة باعتبارها حارسا ضد مرض الأسقربوط.

وعلى الرغم من عجائب قيمتها الغذائية وسهولة زراعتها ونموها اللذين يشبهان السحر، فيبدو أن البطاطس تعاني من مشكلة في صورتها الذهنية لدى الناس، ربما لكونها تسببت في فظاعة المجاعة الأيرلندية، عندما فشل المحصول عن آخره بسبب آفة أصابت مزروعات البطاطس، وربما عانى مليون شخص من الجوع، وازداد الوضع سوءا بسبب استمرار الصادرات من الأغذية الأخرى إلى إنجلترا، وربما أيضا لنظرة النفور الأولى التي شعر بها الأوروبيون للبطاطس عندما عاد بها الرحالة من العالم الجديد، حيث كانت تستخدم كعلف للماشية.

"كل ما في الأمر أننا في الغرب نعتبر البطاطس كطعام من المسلمات التي نستهلكها دوما"، هذا ما قاله بول ستايلتون الناطق باسم المركز الدولي للبطاطس، وهي مجموعة ليست قائمة على الربح ومقرها في بيرو، وهي تعمل مع الحكومات في جميع أنحاء العالم لتطوير سلالات من لبطاطس سريعة النضج.

وفي حواره من ليما يوم 20/4 قال ستابلتون إنه يعتقد أن البطاطس يمكن أن تساعد في حل ليس فقط الأزمة الغذائية الحالية، ولكن أيضا في التغلب على تحديات الغذاء لسكان العالم الذين يتزايد عددهم بمعدل مطرد حتى وصل إلى 600 مليون شخص كل 10 سنوات. "يمكن أن تساعد في الأزمة الراهنة وأيضا مع الزيادة في عدد السكان"، وأكمل قائلا: "لا يوجد المزيد من المناطق لزراعة الأرز أو القمح، ماذا سيحدث إذن من الزيادة السكانية؟ إما أن نزيد من الغلة التي نزرعها أو نلجأ إلى استخدام الأراضي الهامشية.. والبطاطس مثالية في هذه الحالة".

الاستثمار وثبات الأسعار

يقول المحللون إن هناك عاملا واحدا أساسيا ساعد في عدم تزايد سعر البطاطس على الرغم من الزيادة الحادة في أسعار معظم الأغذية، أنها ليست من السلع الأساسية العالمية التي تجذب هذا النوع من الاستثمار المهني مما جعلها في متناول أفقر الطبقات المعدمة في العالم.

وهذه النوعية من الاستثمار تعتبر ملعونة من وجهة نظر مندوب الأمم المتحدة للأغذية السيد زيلغر، فحوالي 17% من 600 مليون طن من القمح، والتي يتم انتاجها سنويا، يتم الاتجار بها دوليا، في مقابل 5% فقط من إنتاج البطاطس السنوي، ونتيجة لذلك تتحدد أسعار البطاطس تبعا للذوق المحلي وليس الطلب الدولي.

وفي مثل هذه الظروف يعتقد العلماء في ليما أن البطاطس ستأخذ حقها فقط في دول العالم النامي، من كينيا وأوغندا إلى نيبال وبنجلاديش، وهم يتصورون أن زراعة البطاطس سوف تزداد لتصل إلى وضع يقوم فيه المزارعون بزراعتها لبيعها في الأسواق أو حتى لمجرد إطعام أسرهم.

"البلدان نفسها تتطلع إلى البطاطس كخيار جيد بالنسبة للأمن الغذائي وزيادة الدخل على حد سواء"، هذا ما قالته مديرة المركز الدولي للبطاطس باميلا أندرسون، ورفعت تساؤلا، هو: لو تم مجابهة كل تلك التحديات هل يصبح بالفعل هذا الزمن هو زمن البطاطس؟


*المقال نقلاً عن جريد الإندبندانت بتصرف، العنوان الأصلي للمقال"Let them eat spuds: potatoes - the world's new staple?" ونشر بتاريخ 21/4/2008.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم