|
| استبدلت زراعة القمح في الأردن بمباني الجامعات |
وقف عجوز مقوّس الظهر يتكئ على عصاه المقوّسة أيضا في باحة بيته القروي تسنده حفيدته الجامعية.. كان يوما ربيعيا خلابا من أيام محافظة "إربد" التي يطلق عليها الأردنيون اسم "عروس الشمال".
برغم عقود مديدة مرت على العجوز "هنا"، فإنه لم يفقد يوما قدرته على الدهشة من جمال الطبيعة؛ لهذا فإن منطقه يتصالح مع نفسه وهو يصر على رفض عرض أبنائه الذين سكنوا عمان تاركين "إربد" مجرد ذكريات طفولة فقط.. إنه دائم القول لهم: "أنتم مجانين، كيف أترك كل هذا وألحق بكم إلى العاصمة".
تقدمت العصا المقوسة خطوة إلى الأمام، وحاول العجوز مقوس الظهر أن يلحقها. لم يكن ينظر إلى حفيدته "إيمان" وهو يقول لها بصوت أضعفه العمر: "من كان يظن أن هذه الأرض ستتوقف عن زراعة القمح يومًا؟!".
هو نفس العجوز الذي كان يسير شابا في مساحات خضراء واسعة لا نهاية لها، كلما سار فيها وسط حقول القمح كلما شعر بأنها لا نهائية، ولكن كل ذلك انتهى بعد أن أتلفت دودة الأسمنت أحلام السواعد التي ما عادت سمراء.
تكاد الصبية "إيمان" ذات العشرين عاما والتي تلبس الجينز و"التي شيرت" الأبيض القصير لا تفقه ما يتحدث به جدها العجوز، فقد اكتفت بالابتسامة. ربما فكرت أن جدها "موضة قديمة" فهي لا تعلم أنه كان يقصّ عليها قصة شعب مهدد بأمنه الغذائي، مثله مثل باقي شعوب العالم العربي.
المفارقة أن "إيمان" التي تدرس "نُظم معلومات حاسوبية" في جامعة "اليرموك"، لم تكن تعلم أن جامعتها نفسها أنشئت على أنقاض حقول واسعة من القمح، مثلها مثل ثلاث جامعات أخرى هي: جامعة العلوم والتكنولوجيا في إربد أيضا، والجامعة الأردنية في العاصمة عمان، وجامعة مؤتة في الكرك جنوب المملكة.
الجامعات أكلت الأراضي
يقول نقيب المهندسين الزراعيين السابق حسن جبر في تصريح لـ "إسلام أون لاين.نت": "لدينا أربع جامعات أنشئت في أفضل المناطق الإستراتيجية لزراعة القمح".
ويتعجب جبر من ذلك، مشيرا إلى أن لدى الأردن صحراء ممتدة كان يمكن الاستفادة بالبناء عليها بدلا من المناطق الزراعية التي تمتاز بمستوى مطري مرتفع.
وكان الأردن وحتى ستينيات القرن الماضي مكتفيا ذاتيا من القمح، بل ويصدر الفائض، ففي عام 1952 وصلت صادرات المملكة منه إلى 58460 طنا، وتراجعت إلى الصفر في آخر 25 عاما، وهو ذات الأمر الذي ينطبق على قصة حبوب الشعير والعدس؛ إذ انخفضت من 14157 طنا في عام 1952 إلى أن توقف تماما في آخر 25 سنة، إضافة إلى تراجع العدس من صادرات مقدارها 24788 إلى أن توقف تماما في آخر 20 سنة.
وأصبح رغيف الخبز هو المادة الأساسية في المائدة الأردنية "صناعة مستوردة" هي الأخرى، فقد ارتفعت مستوردات المملكة من مادة القمح إلى حوالي 807 آلاف طن في عام 1998 وهي أعلى كمية استيراد للقمح، فيما وصلت في عام 2005 بحسب بيانات وزارة الزراعة إلى 627.1 ألف طن. ومثلها في مادة الشعير فقد استوردت المملكة في عام 2004 ما مقداره 765 ألف طن وفي عام 2005 نحو 627 ألف طن.
ويعزو الخبراء انخفاض معدلات إنتاج الحبوب في الأردن إلى عدة أسباب:
أولها: السياسات الزراعية الرسمية الخاطئة التي انتهت باستيراد الحكومات للقمح بالأسعار العالمية، وبيعه دقيقا للمخابز بالسعر المدعوم مما يعني ضغطًا إضافيًّا على الموازنة، إضافة إلى الاعتماد على الزراعة البعلية حيث الجفاف والتحولات المناخية، ورعي أصحاب المواشي المباشر للمحاصيل الزراعية.
وكان أحد معالم هذه السياسة السماح للزحف العمراني على الرقعة الزراعية؛ حيث تراجعت مساحة الأرض المخصصة لزراعة القمح من 2.52 مليون دونم في عام 1939 إلى 86.2 ألف دونم في عام 2006، أي أن المساحات المخصصة لزراعة القمح تراجعت بنسبة 290 بالمائة.
كما تراجعت مساحات الأراضي الزراعية المخصصة للمحاصيل الحقلية لصالح المباني والبستنة بشكل عام، فبعد أن كانت الأراضي الزراعية 3.634 مليون دونم في عام 1939 وصلت إلى 176 ألف دونم فقط في عام 2006.
وتراجعت تبعًا لذلك كميات الإنتاج من أعلى مستوى لها في عام 1939 والبالغة آنذاك 224.8 ألف طن إلى 12 ألف طن في عام 2006.
وحسب وزارة الزراعة فإن تراجع مساحة الأراضي المزروعة يعتبر المسئول عن حوالي 70 بالمائة من هذا التراجع.
هجر الزراعة
وترجم المواطنون هذه السياسة بالإقبال على الوظائف الحكومية على حساب القطاع الزراعي. هذا ما فعله والد إيمان عندما انتقل إلى العاصمة عمان مع أسرته ولحقه بعد ذلك أشقاؤه، وهو الأمر ذاته الذي قامت به العديد من الأسر.
"لم يبق من أحد ليهتم بالأرض وزراعتها" يتمتم العجوز بذلك، وهو يشير لحفيدته إيمان أنه يرغب بالدخول إلى البيت، فالشمس اقتربت من المغيب، ويريد أن يجهز نفسه للصلاة.
ورافق كل تلك الأسباب "البشرية" سبب طبيعي آخر هو النمو المضطرد للسكان، فيما يقول مدير زراعة محافظة الكرك بالوكالة المهندس الزراعي أكثم المدانات إنه بالإضافة إلى الأسباب السابقة فإن عدم تبني المزارعين للتوجيه والإرشاد المنبثق عن البحث العلمي فيما يتعلق بدودة الزرع على وجه الخصوص، ساهم إلى حد كبير في انخفاض زراعة الحبوب في الأردن.
ويلاحظ خبراء الزراعة في الأردن أن من أسباب انهيار زراعة القمح في الأردن خسارة المملكة للضفة الغربية عام 1967 التي ظلت أراضيها الخصبة تنتج كميات كبيرة من القمح، وهو ما ساهم بإرباك زراعة الحبوب أردنيا.
قطاع إستراتيجي لا استثماري
|
|
هذه الصورة لم تعد موجودة بكثرة في الأردن
|
"المشكلة أن الحكومات سابقًا لم تتنبه إلى أن هناك مشكلة"، يقول النقيب السابق المهندس الزراعي حسن جبر، ويضيف: "عندما صاح المزارعون ومهندسوهم كانت الرؤية الرسمية تتعامل مع الزراعة بأنها قطاع استثماري ينتج سلعة تُباع وتشترى وليس قطاعًا إستراتيجيًّا تخسر الأمم لكي يبقى قائما".
وباستثناء البعض فإن جميع الأردنيين يعتقدون أن زراعة القمح أصبحت قضية وطنية، يقول جبر: إن بعض الرسميين، خاصة من وزراء الدجيتال "الليبراليين الجدد" يتعاملون مع القطاع الزراعي بالأرقام الصماء دون النظر إلى الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يمثله القطاع الزراعي كقطاع إنتاجي بالدرجة الأولى ومولد لفرص العمل ودوره في الحد من هجرة أهل الريف إلى المدينة.
وأضاف: "نتمنى أن فرصتنا بالعودة عن هذه السياسات لم تذهب بعد، خاصة مع تدمير مكون القطاع الرئيسي وهو الأرض الزراعية".
وقال مخاطبًا الليبراليين الاقتصاديين الجدد: "أيها السادة، نقول لكم اليوم: إن زراعة القمح من الناحية الاقتصادية أصبحت مجزية؛ نظرًا لارتفاع سعر القمح في السوق العالمية بعد توجه أكبر منتج للقمح في العالم (أمريكا) لزراعة الذرة لإنتاج الوقود الحيوي".
أضاف قائلا: "إن الحكومات المتعاقبة تجاهلت دعواتنا بضرورة تقليل الاعتماد على استيراد المنتجات الزراعية بالعودة إلى الإنتاج".
وأوضح أن "القرارات الحكومية كانت على العكس من هذه الدعوات، وتعاملت مع القطاع الزراعي على أنه قطاع هامشي".
وكان من نتيجة ذلك اضطرار "إسماعيل رضوان" المزارع الأردني إلى بيع أرضه الزراعية لأحد مستثمري الأسمنت، وبعد أن كان ينتج خبزه بنفسه، فإنه اليوم ينشغل بالاصطفاف في طوابير المخابز.
ويتنهد رضوان متذكرا أيام زمان وهو يقول: "سقا الله أيام زمان.. كانت ريحة البندورة تشمها من بعيد، أما اليوم فلا يكاد يكون لها طعم".
كانت أرض والد رضوان تنتج رغيف القمح، وزيت الزيتون الحار، وحبة البندورة البلدية، وهو يقسم أنه لم يكن في شبابه يرى النقود إلا في المناسبات، فلم يكن له حاجة بها.
ويقول عن ذلك: "كنت وأبي نأكل كل ما ينتجه حقلي.. وغنماتنا أمام عيوننا.. ورغيفنا في بيتنا، فلماذا نحتاج إلى الدينار؟!".
ولكن ما الحل؟
المهندس جبر دعا إلى اتخاذ إجراءات إستراتيجية لإعادة إحياء القطاع من خلال توجيه الدعم إلى المزارعين، كما دعا إلى تكثيف الجهود القائمة نحو الحصاد المائي من خلال إقامة السدود والحفائر الترابية.
وأشار إلى الإمكانات الكبيرة لحوض الديسي -جنوب المملكة- لزراعة القمح، وقال: يجب فتح حوار جاد مع الشركات الزراعية التي تستثمر في حوض الديسي بحيث يتم توجيهها نحو الأولويات الوطنية بزراعة القمح كمادة إستراتيجية.
ولا أحد يعلم ما إذا كانت الحياة المتبقية في عيني جد إيمان الطالبة في جامعة اليرموك سترى عودة "إربد" إلى ما كانت عليه في الماضي؟ ولكن الذي يجب بالضرورة أن يكون هو "رؤية عين إيمان" نفسها لهذا الماضي وقد أصبح حاضرًا.
صحفي إردني ، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|