English

 

الأربعاء. أبريل. 9, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

السقوط الأمريكي حضاريا في بغداد

نبيل شبيب

بغداد نيسان/ إبريل 2003م
بغداد نيسان/ إبريل 2003م
مرّت خمس سنوات على انتصار أكبر قوة عسكرية هجومية في العالم على ما تركت حرب 30 دولة، ثم حصار 12 عامًا من بقايا قوة عسكرية للعراق..

مرّت خمس سنوات على إخراج النصر العسكري "الكبير" إخراجًا سينمائيًّا وتلفازيًّا "غير متقن"، في مشاهد تحطيم تمثال الرئيس العراقي السابق صدام حسين وسط بغداد، يوم 9/4/2003م..

مرّت خمس سنوات على سقوط وهم استقبال أهل العراق الدبابات الأمريكية ومَن حملتهم عليها من جنود وأتباع بالورود، وتلاها سقوطُ نظريات كبرى دخل بها بوش الابن وعصبة المحافظين الجدد إلى السلطة، تحت عناوين النصر في حربين كبريين متباعدتين في وقت واحد، والحرب الاستباقية، والحرب المفتوحة، والحرب على الإرهاب..

مرّت خمس سنوات شهدت أن للديمقراطية عنوانًا اسمه "أبو غريب" وللقانون حصنًا اسمه "جوانتانامو" وللحريات حُماةً يأمرون بالتعذيب وآخرون يتقنونه في "معتقلات سرية".. وأن للإنسان قيمة، يمثلها الملايين من المشرّدين، والملايين من الجرحى والمعوقين، ومئات الألوف من القتلى، وعشرات الألوف من الأسرى والمعتقلين، والألوف من العلماء ضحايا الاغتيال والتشريد.. وما وراء ذلك كله مما لا يحصى من آلام أيتام وأرامل وثكلى ومقهورين.

الآن بعد مرور السنوات الخمس وسقوط كل قناع كانت أفلام هوليوود تتقن إبداعه، ويجد دومًا من يروّج له لأمركةِ الأذواق والأفهام.. الآن أصبح من غير المستغرب القول إن الزعامة الأمريكية المهيمنة في الولايات المتحدة الأمريكية وعالميًّا قادت بلادها إلى السقوط حضاريًّا، فاستكملت به ما بدأ من قبل هيروشيما وناجازاكي، وكانت له محطاته الكبرى في فيتنام وباناما والأرجنتين وخليج الخنازير.

ولكن سقوط بغداد قبل خمس سنوات سجّل بحد ذاته ومن اللحظة الأولى معالم هذا السقوط إلى حضيض ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ممارسات وحشية في ظلّ شرعة الغاب.

هزيمة الاستبداد عسكريا..

لم تسفر حرب احتلال العراق من البداية عن هزيمة عسكرية للقوات العراقية فقط، بل أسفرت في الوقت نفسه عن هزيمة حضارية كبرى للغزاة، وإذا كانت الهزيمة العسكرية من نصيب نظام استبدادي كان من المستحيل -بسبب استبداده وانحرافه- أن يتمكّن من تعبئة الطاقات الشعبية الكبرى لمواجهة عدوان خارجي وصدّه، شأنه في ذلك شأن أي نظام استبدادي آخر، فإن الهزيمة الحضارية الكبرى كانت من نصيب تلك الدولة التي تنصِّب نفسها زعيمة لحضارة الغرب المادية، وأطلقت شتى الشعارات البرّاقة المغرية لنشر ما تراه هي عالميًّا؛ لينكشف أمرها أمام من أبى رؤيته من قبل: إنها وفق الإرادة السياسية لمراكز القوى الحاكمة فيها محض دولة عدوانية تريد التسلط عالميًّا، وتختلق الأسباب لفرض ما تراه بالقوة العسكرية الإجرامية المجردة.

لم تكن الهزيمة العسكرية لنظام استبدادي مفاجئة من وراء سائر التمنيات بالصمود، وحتى بالنصر العسكري على القوة العاتية الغازية. وقد تعدّدت منطلقات أصحاب هذه التمنّيات، فتلاقى عليها في خليطٍ نادرًا ما شهدناه في تاريخنا المعاصر، أنصارُ التيارات اليسارية، مع أصحاب المنطلق الإسلامي، مع كثير من أهل هذه البلاد بعيدًا عن الانتماءات، انطلاقًا من الدفاع عن مهد الحضارات القديمة وعاصمة الخلافة العباسية وعن الإنسان والأرض في العراق.

وبقي في الأذهان أن الهزيمة العسكرية وقعت وبدت لغزًا من الألغاز، سواء في نظر من تعلّق بالأمل فحسب، أو من لم يكن يريد أن يصدّق أن تسلّم "قيادة عسكرية وحزبية عقائدية" العاصمة العراقية على النحو الذي حدث وكثرت التكهّنات حوله، ما بين القول بصفقة على حساب البلد ومصيره عُقدت بليل، والقول بهروب مدبّر مخطّط له من قبل نشوب الحرب تدبيرًا محكمًا، أو استخدام سلاح إجرامي فتّاك لحرق المدافعين عن المدينة حرقًا.

ولم تكن هذه هي الهزيمة العسكرية الأولى من نوعها، بل يمكن أن تتكرّر إذا تكرّرت أسبابها، لا سيما أن الأنظمة الاستبدادية لا تتعلّم الدروس التاريخية ولو وقعت بين يديها مباشرة، فما من نظام استبدادي إلا وكان أقصى ما يستطيعه عسكريًّا هو أن يمارس سياسات القمع بمختلف الدرجات، داخليًّا، تجاه شعب أعزل، أو أن يمارس العدوان، إقليميًّا، إلى أن يجد قوّة عسكرية تقمعه، بغض النظر عن درجة طغيانها مثله أو أكثر منه، وهذا ما شهده العراق.. وفي جميع الأحوال ما أسرع انهيار الاستبداد في حروب حقيقية.

والانتصار المؤكّد شعبيا..

هي هزيمة عسكرية للنظام ومَن حمله، ولكنها من حيث معطياتها الأولية، ومن حيث مجراها، ليست قطعًا هزيمة شعب، لا من الناحية العسكرية ولا من أي ناحية أخرى سواها. وحتّى تلك المظاهر التي حاولت آلة الإعلام الحربية الأمريكية "فبركتها" والتركيز عليها ونشرها يوم اقتحام بغداد كما لو كانت تمثّل الشعب في العراق، كان "إخراجها" من أدنى مستويات ما تصنعه تلك الآلة الإعلامية عادة، مثل تصوير بضع مئات هنا أو هنالك "يحتفلون" بالقوة الغازية وتحت بنادقها، في مدن يسكنها الملايين، أو مثل إطلاق العنان -والأرجح بتخطيط مدبّر- لحفنة من اللصوص لنشر السلب والنهب حيثما اختفت أجهزة النظام، ويبدو أن القصد ليس مجرد تشويه صورة شعب العراق فحسب، وإنما القضاء على الوثائق والبحوث العلمية والسجلات المالية والعقارية وسواها، وسرقة الآثار؛ لتحطيم "الدولة" وصناعة "هيكل فوضوي" جديد يتحكّم بمصالح أهل البلاد تحت طائلة التهديد، كلما احتاج الأمر إلى إثبات ملكية حساب مالي، أو بناء عقاري، أو محاولة إنجاز علمي، أو ما شابه ذلك.

إن مجرّد امتناع شعب العراق عن "الاحتفال" بسقوط الحكم الاستبدادي رغم معاناته منه، يرفع من قامة الإنسان الفرد في العراق إلى مستوى عملاق أمام أسلوب تصرّف الدولة العملاقة بأسلحتها، الصغيرة بتفكير من يخطّط لها، ولحروبها العدوانية.

الاحتفال الذي يكون عادة "تلقائيًّا" عند سقوط الاستبداد، مرفوضٌ شعبيًّا في العراق؛ لأن وسيلة إسقاط الاستبداد كانت وسيلة همجية أمريكية يتطلّع مدبّروها إلى الاحتلال والهيمنة إقليميًّا ودوليًّا، وكان الوعي الشعبي عاليًا حتى في أشدّ ساعات المحنة الكبرى التي صنعتها له الدولة الكبرى، منذ اليوم الأول للحصار غير المشروع بأيّ مقياس، إلى أيام هذه الحرب العدوانية غير المشروعة بأي مقياس أيضًا.

رغم الهزيمة العسكرية للنظام وجنده وحزبه وقياداته، سجّلت إرادة شعب العراق بذلك انتصارًا آخر بعد الصمود للحصار، على تلك القوة الطاغية الأولى في العالم المعاصر، ولم يكن الانتصار الأخير، فالانتصارات والهزائم في الشعوب لا تقاس بأعمار المعارك العسكرية، وإنما بما تصنعه الأجيال جيلا بعد جيل، ولقد كان شعب العراق كشعوب المنطقة الإسلامية قادرًا في ماضيه التاريخي الطويل، على النهوض من تحت الركام ليتابع مسيرته الحضارية من جديد، مرة بعد مرة، وسينهض أيضًا من هذه الهزيمة العسكرية وما تلاها، ومن أثقال الاستبداد الداخلي قبلها، والمنتظر زمنًا بعد رحيل الاحتلال أيضًا.

هزيمة كبرى حضاريًّا وانتصار عسكري هزيل

كذلك لم تكن الهزيمة الحضارية للدولة الأمريكية هي الأولى من نوعها، فعناوين هيروشيما وفيتنام ودرسدن ومقديشو، كعناوين كابول وبغداد والبصرة والموصل والفلوجة والحديثة.. جميعها عناوين معروفة، ومعروفة أيضًا عناوين مآسي المجاعات الكبرى مقابل ترسانات أسلحة الدمار، كعناوين أبو غريب وجوانتانامو.. وجميعها صورة طبق الأصل عمّا وصل إليه الطغيان الأمريكي، مهما حاول المتأمركون تجميل وجه السياسة الأمريكية بمساحيق التقدم التقني والمادي على حساب الإنسان وحقوقه وحرياته، في مختلف مراحل التاريخ، وفي كافة أنحاء الأرض..

وكيف يمكن التجميل؟.. أم أنّ القتل بقنبلة ذكية أو عنقودية أو "أمّ القنابل" أرقى وأدلّ على التقدّم "الحضاري" من القتل بسكين أو خنجر ولو كانا من العصر الحجري؟..

أم أن الوصول إلى القمر واكتشاف خريطة العناصر الوراثية، تغفر لصانعي سياسات عالمية تنشر الموت جوعًا ومرضًا في صفوف ربع البشرية على الأقل، وسياسات رسمية لممارسة تعذيب الذئاب البشرية للإنسان وراء القضبان وأمام عدسات التصوير "التذكاري"؟..

ولكنّ الهزيمة الأمريكية حضاريًّا بدت للعيان من اللحظة الأولى أيضًا عبر أسلوب الإعداد لها، وقد تميّز بذلك التعامل الفاضح ولو لبس لباس "التجبّر والتعالي" تجاه البقية الباقية من مظاهر احترام العلاقات الدولية حتى مع الحلفاء، واحترام الأجهزة العالمية المصنوعة أمريكيًّا بعد الحرب العالمية الثانية، والقائمة على الأرض الأمريكية، والواقعة في غياب جهاز قضائي دولي أعلى لممارسة "رقابة شرعية دولية" تحت هيمنة موازين القوة.

كما بدت للعيان ثانيًا عبر تعليل الحرب بما لم يقنع صديقًا ولا خصمًا، ولا حتى الأتباع الصغار وإن ردّدت ألسنتهم التمجيد التقليدي لما تصنع "أمريكا" سيّان ضدّ من، وكيف.

وبدت للعيان ثالثًا عبر توجيه أعتى الأسلحة الفتّاكة ضد دولة أو ضد شعب، سيّان فالحصيلة بالمنظور الحضاري واحدة، وهي تعلم مسبقًا أنّ تلك الدولة لا تملك القدرة العسكرية على مواجهة تلك الأسلحة الفتّاكة، وهو "خُلُق انحطاط" في التعامل الدولي في عصر أرادته أمريكا أمريكيًّا، ولا يختلف عن خُلق فرد مريضٍ يشهد عليه استفحال الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية من مثل الاعتداء بالرشاشات على أطفال في مدرسة، أو اعتداء عتاة المجرمين على المسنّين في الشوارع، ناهيك عن شيوع الاعتداء الجنسي على الأطفال القصّر والفتيات وراء جدران البيوت الأسرية!..

جذور تاريخية لمسيرة همجية

الأهمّ من تعداد المزيد من مظاهر "السقوط" الحضاري الذي انبثقت عنه هذه الجولة العسكرية وما كشفته من بعد، هو تقدير البعد التاريخي لحجم الهزيمة الحضارية الأمريكية على أرض العراق بالذات، ووفق المعطيات الدولية الراهنة بعد عقود عديدة من هيروشيما وفيتنام وسواهما، فهي هزيمة حضارية تمثّل مفصلا تاريخيًّا ما بين حقبة صعود إجرامي بالمفهوم الحضاري، طال أمده زمنيًّا، وبين حقبة الهبوط الإجرامي بالمفهوم الحضاري أيضًا، وقد بدأت مع السقوط العسكري في بغداد، رغم كل تقدّم تقني وعلمي وصناعي وإبداع، بل رغم سائر الشعارات المرفوعة عن الحريات والحقوق وسيادة القانون واستقلال القضاء أيضًا.

هي مسيرة صنعت في حقبة الصعود "وجهًا حضاريًّا" بالقوة الدموية، ووضعت عنوان "الإنسان" على حلقات متواصلة من تنامي أسباب القوّة المحضة على حساب الإنسان نفسه، منذ مسلسل إبادة الهنود الحمر، إلى عصر التجارة بالرقيق، إلى ترسيخ أسباب العنصرية الداخلية في الدولة الحديثة النشوء، إلى الحرب الأهلية الدامية، ثم الخروج من الحدود "الوطنية" عبر الحملات الاستعمارية في أمريكا الوسطى والجنوبية، وحتى الانطلاق بالقوة العسكرية إلى جانب التفوّق العلمي لفرض الهيمنة العالمية، بالحروب أولا كما كان في غزو الفلبين، والأحلاف ثانيا عبر معطيات الحربين العالميتين.

هي المسيرة التي لم تعرف قطّ منطقًا فرض نفسه بصورة حاسمة ليتغلّب على منطق القوّة ويكون أعلى مفعولا منها، وهذا رغم مقاومة "الإنسان" الأمريكي نفسه بين حين وحين. فكلما ظهرت دعوات التحرير والمساواة، غيّبتها معادلة موازين القوّة، داخليًّا ودوليًّا، من جديد، وهذا ما وصل في نهاية المطاف إلى مرحلة أفغانستان - العراق التي تميّزت بالتطلع إلى هيمنة انفرادية استبدادية مطلقة على الصعيد العالمي.. وأخفقت.

مخاوف الغربيين على الغرب

القوّة الغاشمة من وراء القناع الحضاري هي التي هُزمت حضاريًّا في الحرب ضد العراق، بسقوط هذا القناع، سقوطًا تجاوز بمفعوله العالمي سقطات سابقة؛ ولهذا بات حدث العراق يمثّل مفصلا تاريخيًّا سبق للتاريخ أن سجّل ما يشبهه، ما بين صعود إمبراطوريات وانهيارها.

وقد أبت جهات عديدة في الغرب الذي تتزعّمه الدولة العاتية، وتمثّل هي الغالبية على المستوى السياسي، وعلى المستويات الفكرية والشعبية، أن تخوض مع واشنطن غمار هذا "المفصل التاريخي" على ضجيج الدبابات والطائرات والصواريخ الأمريكية.

لهذا لم يكن تحذير تلك الجهات الغربية موجّهًا إلى إسقاط نظام حاكم في دولة ذات سيادة بالمفهوم الدولي المعاصر، أو عدم إسقاطه، ولا كان الرفض متعلقًا بقرار جائر من حيث الأساس أن تُستخدم "أسلحة فتاكة" لنزع "أسلحة فتاكة" من دولة أخرى، بل لا يمكن تفسير التحذير والرفض والإصرار عليهما بما هو معتاد في العالم الغربي داخل نطاق جولات "التنافس والصراع"، إنما كان من وراء ذلك كله الخوف الكبير داخل العالم الغربي -كما تشهد نصوص المواقف الرسمية وبيانات المفكرين واحتجاجات المثقفين- مما تراه تلك القوى رأي العين، أي كيف تقوّض الآلة العسكرية الأمريكية البقية الباقية من القيم الإيجابية في المنظومة الغربية؛ ليطفو على السطح كلّ ما كان فيها ظاهرًا للعيان أو مغيّبا وراء الشعارات وترمز إليه كلمة "شرعة الغاب"، سواء كانت القوّة المعتمدة هي قوّة المال أو الاحتكار دون مراعاة للإنسان نفسه، أو كانت قوّة القذائف القاتلة، الغبيّة منها والذكية.

بغداد أمل المستقبل

إن بغداد هي المحطّة التي استطاعت -رغم سيطرة الاستبداد العسكري والحزبي فيها زمنًا طويلا- أن تواجه بقيمة الإنسان وحده وقيمة الإرث الحضاري الكبير فيها، طاغوت العصر وسائر ما كان يمثله عبر قرون مضت، وما يمكن أن يمثله في مستقبل البشرية، ما لم يجد من الأسرة البشرية ما يكبح جماحه.

ولا ينبغي أن يلفت عن ذلك ما نشهده من تركيز متواصل على تشويه صورة الإنسان العراقي داخل بلده، والتعتيم على حقيقة مقاومته البطولية المتواصلة والمتصاعدة، من لحظة سقوط بغداد إلى اليوم، كما باتت تنقله التقارير المحايدة ويشهد عليه كثير من المفكرين والكتاب الغربيين أنفسهم.

لهذا فإن "سقوط بغداد" من البداية لم يكن يثير في الأعماق الإحساس بالألم والأسى فحسب، وإنما يثير في الوقت نفسه الأمل الكبير واليقين الراسخ، بأنه سيكون نقطة تحوّل في مجرى التاريخ البشري عمومًا، وليس في المنطقة العربية والإسلامية فحسب.

لا يعني هذا قطعًا الوقوف موقف الانتظار أمام مسيرة عجلة التاريخ، بل يمكننا -ويجب علينا مهما اختلفت المنطلقات والتوجّهات والمواقع- أن نساهم في مضاعفة سرعتها، على كلّ صعيد، من أجل الإنسان ومستقبل البشرية.

يجب أن يكون الخروج من الصدمة الأولى وقد مضى خمس سنوات على صنعها، أسرع بكثير من سرعة أولئك الذين يطلقون -تيئيسًا وتثبيطًا للشعوب- مختلفَ ألوان فلسفة المواقف الانهزامية والاستسلامية، وألوان ادّعاء الواقعية المزيفة، والتعلّق بمرجعية التبعيات الدولية بعيدًا عن حقيقة مبادئ الشرعية الدولية ومثلها، المنتهَكَة من جانب أجهزة وقوى دولية عديدة بوسائل القوّة الهمجية.

يجب الخروج من هول الصدمة إلى أرضية العمل الدائب، المشترك بين من يتحرّك متجاوزًا الخلافات العتيقة للمحاور، والتيارات، والتوجّهات، والانتماءات الشكلية وغير الشكلية، لخوض معركة بغداد الكبرى:

  • نفسانيًّا.. برفض كل شكل من أشكال القهر، ورفض التسليم للقهر على أيّ مستوى قطري أو دولي، وفي كل ميدان سياسي أو عسكري أو اقتصادي أو اجتماعي أو فكري.

  • وجدانيًّا.. فليس مقياس العمل الحقيقي للقضايا المصيرية مقياس الانتماء وحده، وإنما هو مقياس جوهر الإخلاص لتلك القضايا من وراء الانتماءات، فإذا كان نبض انتماء العقيدة وانتماء الحضارة في الأمة العربية والإسلامية، هو النبض الذي يحرّك جماهير بلادنا، ويعبّئ قواها وإمكاناتها الكبرى، فكلّ عمل خارج هذا النطاق يمثل خيانة للقضايا المصيرية، مهما كانت وراءه من رؤى تفلسفها النظريات والاقتناعات الذاتية متجاهلة ما كان من تجارب مأساوية على امتداد العقود الماضية.

  • فكريًّا وعلميًّا.. بالتلاقي على كل مستوى من المستويات الفكرية والعلمية، من وراء الحواجز والحدود والقيود السياسية الممزّقة المدمّرة، ومن وراء الشكليات والاعتبارات القطرية المفرّقة المتخلّفة، ومن وراء التسميات والعناوين التي لا تقوم على أساس يجمع ما بين الشعوب ويجعل الفكر والعلم في خدمة قضاياها المصيرية.

  • عمليًّا.. من خلال المقاومة الصامدة المتنامية ودعمها، وليس من خلال "نشر ثقافة المقاومة" فحسب، بل عبر تثبيتها حقًّا مشروعًا لا تنازل عنه، ولا سكوت على من يتحرّك ضدّه، ولا رجعة عن ممارسته وتنميته، حتى تتحقّق الأهداف المشروعة العادلة، ويستعيد الإنسان في البلاد العربية والإسلامية وفي كلّ مكان كرامته الإنسانية المهدرة ويستأنف مسيرته الحضارية المهدّدة.

  • وكذلك على صعيد الإنجازات المرئية على أرض الواقع، في كل ميدان من ميادين الاستثمار لثروات الشعوب، مالية ومادية، وطاقات الشعوب العاملة والإدارية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات والاتحادات والنقابات في مختلف المجالات، ونتمنى أن نقول في يوم قريب على مستوى الحكومات أيضًا، على أن تضع الحكومات نفسها في خدمة الشعوب لا أن تستخدمها، وأن تتجاوز نفسها من أجل القضايا المصيرية لا أن تتجاوزها من أجل البقاء في السلطة، وإلا فلا ينبغي في هذه المرحلة أن تبقى الحكومات هي "العقبة" في وجه التعاون من وراء الحدود، ولا يجوز التسليم بذلك بأي حال من الأحوال، بعد أن أصبحت سياسات كثير منها سياسات نشر الفتنة لا وأدها والمخاطرة ببيع البلاد وأهلها وقضاياها المصيرية برخيص الثمن.

إن بغداد التي صنعت من خلال معطيات الظروف الحالية إقليميًّا ودوليًّا، مفصلا تاريخيًّا في مسيرة الهيمنة الأمريكية المتهالكة والآيلة للسقوط آجلا أو عاجلا، يجب أن نجعل منها، انطلاقًا من جماهير الشعب العراقي وسائر شعوبنا، مفصلا تاريخيًّا في مسيرة النهوض الحضاري الذي رفعناه شعارًا، ولكن سلكنا إليه مختلف السبل المتشعبة، فلم نقطع فيه خطوة حقيقية واحدة، منذ بدء عصر الانحطاط في جسد المنطقة الحضارية الإسلامية حتى يوم واجهت بغداد محنة السقوط العسكري، ودخلت بمقاومة أهلها باب النهوض الحضاري.

بغداد أمل المستقبل.. فمن يضع نفسه على هذا الطريق، يشارك في تحويل الأمل إلى واقع منظور، ومن لم يفعل فسوف تتجاوزه عجلة التاريخ، وعجلة التغيير، وعجلة البناء، وستعود بغداد، به وبدونه، عاصمة من عواصم الحضارة الإسلامية، ومنبر إشعاع لنور القيم الإنسانية للبشرية جمعاء.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات