English

 

الثلاثاء. أبريل. 8, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

زيمبابوي.. نموذج انهيار الحاكم المغرور وحزبه

محمد جمال عرفة

موجابي.. رئيس زيمبابوي منذ 1987
موجابي.. رئيس زيمبابوي منذ 1987
مع أنها قد تبدو دولة منسية في جنوب القارة الإفريقية لا يهتم بها سوى الغرب -وبريطانيا خصوصا- لأنها كانت مستعمرة بريطانية سابقا كانت تدعى "روديسيا الجنوبية"، ولأن هناك عقوبات بريطانية وغربية ضدها منذ عام 2002 لأن رئيسها "موجابي" أوعز للمحاربين السود القدامى بالإغارة على مزارع البيض والسيطرة عليها، فقد أعطت نتائج انتخاباتها الأخيرة الرئاسية والبرلمانية والبلدية درسا لحكام الدول النامية والديكتاتورية للنهاية التي سيئول لها نظامهم إذا استبد بهم الغرور في السلطة.

سقوط الرئيس روبرت موجابي في انتخابات الرئاسة وعدم حصوله على الأغلبية وقبوله انتخابات إعادة قد يحسمها غريمه في حزب التغيير المعارض لأنه فاز في الجولة الأولي بـ 50.3% وكان يمكن أن يفوز لو حصل على 51%، وهزيمة حزب الرئيس أيضا في البرلمان، تعتبر مؤشرات على حالة التعالي التي تعامل بها موجابي مع شعبه وسماحه بترك الفساد ينخر في البلاد حتى انهار اقتصادها.

قد يكون الضغط الخارجي الأمريكي والأوروبي -وربما دعم المعارضة ماليا- له دور في فوز المعارضة وقرع أجراس الرحيل للرئيس موجابي الذي ناهز الـ 84 عاما، والذي لم يشفع له أنه قاد حركة تحرير زيمبابوي من الحكم العنصري الأبيض عام 1980 خصوصا أن الأوروبيين يرغبون في الانتقام منه لتحريضه على طرد المزارعين البيض من أراضيهم في زيمبابوي.

ولكن سياسات موجابي المبكرة بإقصاء شريكه في عملية التحرير جوشوا نوكوما وحزبه (زابو) كي تكون الغلبة والسيطرة لحزب موجابي (زانو)، واعتماده في الحكم على ميليشيات عسكرية خاصة وعلى ولاء الأجهزة الأمنية التي وصل بها الأمر لرفض تسليم السلطة للمعارضة الفائزة!! كل هذا أدى لانهيار صورته الشعبية، خصوصا بعدما تدهورت أحوال البلاد وسيطر على ثرواتها فاسدون من أعوان الرئيس وبطانته وحزبه.

غرابة الحالة الزيمبابوية وطرائفها لم تقتصر على هزيمة موجابي وحزبه، وإنما أخذت أشكالا عجيبة.. فلجنة الانتخابات لم تعلن نتائجها رغم مرور أسبوعين على ذلك، ولم تعلن أصلا أي نتائج، وحينما تسربت أنباء من صحف حكومية بأنه لم ينجح أحد من الحكومة أو المعارضة ولم يحصل أي منهما على الأغلبية أو النسبة التي تؤهله للفوز (51%)، قالت مصادر حكومية أن المشكلة كانت هي إبلاغ الرئيس -الذي تحول لحالة خاصة من الغرور باعتباره "أبو الاستقلال" ويجب أن يظل في الحكم- بأنه لم يفُز أو أنه خسر وسيدخل جولة إعادة أخرى أمام خصمه.

أيضا من الطرائف والغرائب أن رئيس أركان الجيش أعلن أنه والعسكريين لن ينتخبوا سوى موجابي،‏ كما دعا رئيس مصلحة السجون للتصويت لإعادة انتخاب الرئيس‏، وجاءت المفاجأة الكبرى من قائد الشرطة الذي قال إنه لن يسمح لـ "دمى المعارضة" بالاستيلاء على السلطة، ليصبح ثالث مسئول أمني كبير يتدخل في الانتخابات، بل يعلن صراحة أنه مع موجابي حتى لو سقط.

ماذا حدث؟

لأن انتخابات زيمبابوي غالبا ما كانت تزوّر لصالح الرئيس وحزبه الحاكم وآخرها انتخابات 2002، فقد كانت التوقعات تؤكد أن انتخابات 2008 ستزوّر حتما، وهو ما ظهرت مؤشرات عديدة عليه أبرزها منع المراقبين الأجانب الأوروبيين والتلاعب في الدوائر الانتخابية وفي صناديق الانتخابات، وغيرها من الممارسات، ولكن جاءت المفاجأة عندما تأخر إعلان النتائج يوما.. اثنين.. أسبوعا.. أسبوعين، فبدأ الشك يدخل قلوب المعارضة التي أعلنت أن المؤشرات التي حصلت عليها تؤكد أن زعيم المعارضة مورجان تسفانجيراي هو الفائز بمقعد الرئاسة وأن المعارضة فازت بما لا يقل عن 105 مقاعد من 210.

ويبدو أن خللا ما حدث خلال عمليات التزوير، أو أن رقابة المراقبين الأفارقة منعت التزوير على نطاق واسع، أو أن أنصار حزب موجابي كانوا على ثقة من الفوز أو التزوير كالمعتاد فلم يقوموا بواجبهم.

وعندما ظهرت محاولات الحكومة لإجهاض فوز المعارضة أعلنت المعارضة رسميا فوزها دون انتظار لإعلان لجنة الانتخابات، بل عرضت على حزب الحكومة المشاركة في ائتلاف حكومي، فيما قبلت مسألة إعادة انتخابات الرئاسة، وكانت المفاجأة هي رفض الحكومة حكومة ائتلافية ومطالبة الحزب الحاكم بإعادة فرز الأصوات مرة أخرى رغم أنها لم تعلن حتى الآن ولا تُعرف النسب التي حصل عليها فريقا الحكم والمعارضة.

والذي لا شك فيه أن هناك أسبابا حقيقية لخسارة موجابي وحزبه، فزيمبابوي كان يُنظر لها على أنها "خزان" حبوب إفريقيا السابق، ولكن الفساد أدى لأزمة اقتصادية خانقة في البلاد، حيث فاقت نسبة التضخم الـ 100 ألف في المائة سنويا في الأعوام الأخيرة، ويعاني من البطالة أربعة من كل خمسة أشخاص، ويهدد نفاد مخزونات المحلات التجارية بالمجاعة.

سيناريوهات المستقبل مظلمة

من الواضح أن هناك في السلطة وحزب الرئيس موجابي فريقين: الأول جناح صغير يرى أنه لا بد من الاعتراف بالهزيمة والسعي لصفقة مع المعارضة بحيث يتم تكريم الرئيس موجابي وتصوير الأمر على أنه سيتنحى عن السلطة بعد ما فقد أغلبيته في انتخابات الرئاسة وحصل غريمه على نسبة أقل من تلك التي تؤهله للفوز (50.3%).

وهذا الجناح يستند لتصريحات موجابي نفسه الذي أقسم قبل ساعات من الانتخابات بأن المعارضة لن تتولى السلطة ما دام هو على قيد الحياة‏، ولكنه قال‏:‏ لو خسرت الانتخابات فمعنى ذلك أن الشعب لا يريدك، وهذا هو الوقت الذي يتعين عليك فيه أن تعتزل السياسة، ويرى أن تزوير الانتخابات معناه انتقال زيمبابوي إلى التجربة الكينية التي سقط فيها 200 قتيل وآلاف الجرحى بسبب رفض الرئيس الكيني الاعتراف بهزيمته في الانتخابات، ومن ثم وقوع حرب أهلية.

أما الفريق (الثاني) في السلطة ويمثل غالبية صقور الحزب والمنتفعين من بقاء موجابي في السلطة، فهم يسعون بشتى الطرق لتزوير النتائج تارة بتأخير إعلانها بصورة غير طبيعية وتارة بإعلان أنه سيتم إعادة فرز الأصوات، وتارة ثالثة بقبول نتائج تعادل الحكومة والمعارضة وعدم فوز أي منهما في الجولة الأولى على أمل تزويرها في انتخابات الإعادة، وكلها سيناريوهات لن تقبلها المعارضة وربما تدفع زيمبابوي إلى خانة الحالة الكينية.

إذ يبدو أن تجربة انتخابات كينيا في يناير الماضي التي وقعت فيها خلافات بين الحكومة والمعارضة بسبب رفض الحكومة الاعتراف بفوز منافس المعارضة بالرئاسة ونتج عنها مصادمات قبلية ومقتل 600، قد تتكرر في زيمبابوي لأن نفس سيناريو التزوير حدث والرئيس موجابي وحزبه الحاكم رفضا الاعتراف بالهزيمة ثم أعلنت الصحف أن الحكومة والمعارضة تعادلتا تقريبا في انتخابات الرئاسة والبرلمان، ومتوقع خلال فترة جولة إعادة الانتخابات التي تستمر 3 أسابيع أن تحدث أعمال عنف، خصوصا أن هناك صراعات قبلية هناك، كما أن الرئيس موجابي يتهم المعارضة بالعمالة للغرب ويصور الأمر على أنه محاولة غربية للتخلص منه.

ومشكلة زيمبابوي وقبلها كينيا والعديد من دول القارة السمراء أن القارة الإفريقية باتت تعاني من نفس المرض القديم الخاص برفض حكام قضوا قرابة ربع قرن أو أكثر في الحكم أو تولوا السلطة منذ الاستقلال ولا يتصورون أنفسهم خارج السلطة وترك السلطة لغيرهم.. فالأمر متشابه تقريبا؛ حكام كبار في السن تخطوا الثمانين تقريبا، تولوا الحكم قرابة 5 أو 6 مرات متتالية، وتسببت سياساتهم المتضاربة وحالات الفساد التي استشرت نتيجة بقائهم في الحكم سنوات طويلة في حالة من الفقر المدقع والجوع لشعوبهم، ويستندون لعصا الأمن وعصبيتهم القبلية في الحكم وميليشيا أخرى كالموالية للرئيس موجابي.

ومع أن نظام الرئيس روبرت موجابي اضطر للاعتراف على الأقل بفقدان الحزب الحاكم غالبيته في البرلمان، وفوز المعارضة بنصف المقاعد النيابية، فهو لم يعترف بهزيمة موجابي نفسه في انتخابات الرئاسة، وقال إن حسم السباق الرئاسي مؤجل إلى دورة ثانية، لأن مرشح المعارضة (تسفانجيراي) لم يحصل على عدد كاف من الأصوات في الدورة الأولى.

فاللجنة الوطنية للانتخابات في زيمبابوي اضطرت للإعلان أن "الاتحاد الوطني الإفريقي- الجبهة الوطنية" /  زانو بزعامة موجابي لم يعد يتمتع بالغالبية المطلقة في البرلمان؛ لأن "حركة التغيير الديمقراطي" المعارضة حصلت على 105 من المقاعد النيابية الـ210، وذهب مقعد إلى مرشح مستقل، ولم يحصل الحزب الحاكم إلا على 93 مقعدا بحسب النتائج التي شملت فرز بطاقات الاقتراع لـ199 مقعدا.

الدور الأوروبي في إسقاط موجابي

كانت حجة الرئيس موجابي التي علق عليها خسائر بلاده الاقتصادية هي حالة العداء الغربي والبريطاني له لأنه شجع نزع أراضي مواطنين بيض ملكهم الاحتلال البريطاني هذه الأراضي في بلادهم وأعطاها للسود عام 2002، وفرض عقوبات اقتصادية مشددة، ومع أن هذه العقوبات لها تأثير فمن غير المنطقي إرجاع حالة التدهور الاقتصادي الشديدة لهذه العقوبات فقط.

وعندما استثمر روبرت موجابي قضية أراضي البيض ليضرب بها النفوذ البريطاني وأوعز إلى المحاربين القدامى السود الذين قاوموا الاستعمار البريطاني، للمطالبة بحقوق المواطنين السود من خلال مصادرة مزارع البيض وإعادة توزيعها على السود، واحتلال مزارع المواطنين البيض ولاسيما الإنجليز منهم، ما أدى لقتل أربعة بريطانيين ومطاردة التواجد الغربي في زيمبابوي، كان يعطي بذلك سلاحا قويا لمعارضيه الذين انهالت عليهم الوعود الغربية وربما المساعدات.

ليس أمام الزعيم موجابي بالتالي إلا تزوير الانتخابات لو أراد البقاء في الحكم مع تحمل تبعات هذا من توقع اضطرابات في البلاد سيغذيها الغرب ضده، فانتخابات الإعادة لن تكون لصالحه لو كانت حرة لأن أصوات المنافس الثالث في انتخابات الرئاسة (وزير المالية) ستذهب لصالح مرشح المعارضة غالبا، ما يعني هزيمة موجابي وانتهاء سنوات نضاله ضد المستعمر وقيادته استقلال بلاده بهزيمة منكرة في الانتخابات تعني أن شعبه لا يريده.

أما لو قبل موجابي الخروج الآمن المحترم من الرئاسة باتفاق مع المعارضة يضمن تكريمه لتظل صورته كزعيم وطني محفورة في تاريخ بلاده قبل انتخابات جولة الإعادة فربما يتغير تاريخ زيمبابوي وتكون هذه التجربة فاتحة خير لغيره من حكام إفريقيا القابعين على السلطة منذ ربع قرن بفضل التزوير ويفضلون أن تحترق بلادهم بالاضطرابات على أن يغادروها آمنين.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات