English

 

الثلاثاء. أبريل. 8, 2008

الإسلاميون » المرصد

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

الحركات الإسلامية في إفريقيا خيار ثقافي سياسي لا تنظيمات دينية

عبد الله الطحاوي

د.حسن مكي
د.حسن مكي

قضايا عديدة طرحت نفسها على مائدة الحوار مع الباحث والمفكر السوداني د.حسن مكي محمد أحمد حول الحركات الإسلامية في إفريقيا عامة والسودان والصومال بوجه خاص، إضافة إلى قضية التدخل الإسرائيلي في إفريقيا في ظل غيبة الوجود العربي والإسلامي عن الخريطة الإفريقية؛ حيث فتحت حركة تحرير السودان مكتبا لها في إسرائيل مؤخرا.

يحمل مكي دكتوراه في الدراسات الإفريقية من جامعة الخرطوم عام 1989 وعمل باحثا متفرغًا بالمؤسسة الإسلامية "بلستر – بريطانيا" لمدة ثلاثة أعوام، وقد أصدر مكي بعضا من كتبه هناك. وله ثلاثة كتب عن الحركة الإسلامية في السودان منذ عام 1946 إلى 1969، والثاني عن الحركة الإسلامية في السودان منذ عام 1969 إلى 1990، والثالث عن الحركة الإسلامية في السودان منذ عام 1990 إلى 1997.

ويشغل مكي حاليا منصب عميد مركز البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة إفريقيا العالمية.

إسرائيل في السودان

** قد يصح القول بأن البداية الحقيقية لفهم الإسلام في إفريقيا تبدأ من السودان، فكيف ترى-بداية- المشهد الإسلامي في السودان؟

- يمكن القول بأن الحركة الإسلامية هي سيدة الموقف في السودان وما تخوضه حاليا من مجابهات هي بالأساس مع الخارج، وليس مع الداخل، ولكن هذا الخارج يحاول تحويل تلك الأزمة إلى احتراب داخلي.

دعني أقترب أكثر من الخبر المنشور في الصحف الإقليمية وفى الفضائيات في يوم 1 من مارس عام 2008 والذي يقول: إن حركة تحرير السودان قد فتحت لها مكتبا في إسرائيل، كذلك ما قيل عن الدعم والحصانة السياسية من جانب إسرائيل للحركات السياسية بجنوب السودان، كل ذلك يكشف أن إسرائيل قد احتوت السودان من دول المواجهة، وبصدد مقايضة دعمها للحركات المتمردة في جنوب وغرب السودان بوجود الحركات الإسلامية الفلسطينية بشمال السودان.

لا شك أن إسرائيل قد نجحت في التغلغل داخل الكيان السوداني، وتحديدا الحركات المسلحة؛ إلى درجة أن الأجندة الإسرائيلية أصبحت هي أجندة الحركات العرقية والقبلية في السودان.

يأتي هذا في الوقت الذي لا يعرف فيه كثير من المصريين أن دارفور مثلا لديها حدود مع مصر، وأن "نفاشا" عاصمة دارفور أقرب لمصر من الخرطوم، وأن اللحوم السودانية التي تدخل إلى مصر يوميا لا تدخل عن طريق السيارات، ولكن عن طريق أشخاص يمشون على أقدامهم أو عبر الجمال من مضيق الأربعين لكي يقطعوا المسافة بين العاصمة السودانية وبين مصر، وبالرغم من ذلك فإن وجود إسرائيل في دارفور ليس فقط مهددا للحركة الإسلامية السودانية ولكنه مهدد أيضا لمصالح مصر السياسية والجغرافية والاقتصادية وغيرها.

* أين موقف السودان الداخلي تجاه هذا التحدي الخارجي؟ وماذا عن موقف الحركات الإسلامية تجاه تلك التحديات؟

للأسف، السودان تدفع استحقاقات معاهدة "كامب ديفيد"، التي هونت المسألة الإسرائيلية داخل السودان، وصار يحتج بأنه إذا كانت مصر بوابة العروبة وبيت الإسلام والبوابة الشرقية للسودان -بل وكانت السودان أساسا في يوم ما جزءا منه- تطبع علاقاتها مع إسرائيل وتعترف بها، فلماذا لا نفعل نحن؟! وأصبحت النخب الإسلامية في مواجهة بعض النخب الأخرى. فالبعض أصبح يقول إن هذا العداء المحض لإسرائيل أصبح لا وجود له، ولابد أن نطبع، وكان هذا من آثار "كامب ديفيد".

أما الحركة الإسلامية في السودان فتستمد منهاجها من الخطاب القرآني، والخطاب القرآني يقول إنك لن تستطيع أن تناصر من سلب الفلسطيني أرضه وحقوقه، ولكن أريد أن أقول إنه لو ضاعت السودان فإن العالم العربي بأسره سيعد ضائعا معها؛ لأن السودان تعد فضاء للعروبة والثقافة الإسلامية وجسرا بين إفريقيا والعالم العربي، بل إن السودان يعد إفريقيا المصغرة، فلذلك يجب ألا يختزل الإسلام في السودان في قضية تنظيمية.

امتداد ثقافي وسياسي عربي

** تقصد أننا يجب أن نرى في الحركة الإسلامية السودانية خيارًا ثقافيًّا وسياسيًّا عربيًّا، لا حالة تنظيمية دينية؟

تماما كما تقول، وتلك هي الخطورة أن نسقط إشكالات التنظيم الديني في دول عربية، مثل مصر وسوريا على الحالة السودانية، وبالتالي فإنه من المهم أن تتعامل مع السودان ككيان ثقافي إسلامي عربي وجد نفسه فجأة وحده في مجابهة مع إسرائيل، ولو نجحت إسرائيل في افتراس السودان فسيتدحرج المشروع العربي والإسلامي نحو الهاوية.

ساعتها ستضيع مجهودات كبيرة قطعتها إفريقيا نحو الأسلمة في كينيا وتشاد وأوغندة والكثير من الأقاليم الإفريقية التي ترى في السودان نموذجا وخلاصا، ولذلك يجب أن تدرك السياسة المصرية خطورة ذلك خاصة في علاقتها مع الكيان الإسلامي السوداني الذي تترأسه الحركة الإسلامية في السودان، وذلك بحكم الحدود الجغرافية مع دارفور، فانفصال دارفور يهدد مصر ويكمل الحصار عليها جنوبا وشمالا من الخطر الشديد، ودعني أؤكد أن النخبة المرتبطة بإسرائيل هي سيدة الموقف في دارفور ذلك هو التهديد الحقيقي لمصر.

من هنا يجب أن يدرك الجميع طبيعة المجابهة الدائرة الآن في السودان، ومحاولات "ضرب إسفين" بين (الإفريقانية المسلمة والمتعربة، وإيجاد تحالف بين الإفريقانية والنخب المتغربة) على نموذج الدولة في السنغال؛ وتنزانيا التي قبلت بالأب نيريري رئيسا، أو نيجيريا؛ فهم يحاولون ترويض الإفريقانية المسلمة لتتجه لهذا الاتجاه.

من ناحية أخرى فإن إسرائيل تعرف أنها لن تستطع منافسة تايوان ولا النمور الآسيوية لكنها تستطع أن تروج لبضاعتها في الأسواق الإفريقية، حيث لا منافس أمامها، كما أنها تحتاج الخامات والبترول الإفريقي؛ لذلك فإنها تريد أن تسد المنافذ على العالم العربي، كما أن خبرة اليهود بإفريقيا تفوق خبرة عبد الناصر؛ لأنهم موجودون كتجار للماس خاصة في جنوب إفريقيا حيث يسيطر اليهود هناك على هذه التجارة.

** ما هو موقف الدكتور حسن الترابي من تلك الأجندات الخارجية؟

- نحن نلوم الدكتور حسن الترابي على أنه لم يستطع تجاوز مشاعره الذاتية وتصفية حساباته مع النظام وإسقاطه مسألة حساباته السياسية على اللحظة السياسية كلها في وقت فيه مشروع السودان والهوية الإسلامية السودانية كلها مهددة بالاجتياح الإسرائيلي، فبالرغم من حبنا للترابي والعمل الجماعي الذي ضمنا عشرين عاما، فلم يكن ليشفع له في موقفه الحالي عند كثير من السودانيين والذي يتمثل في الوقوف مع الحركات الدارفورية ضد النظام والسعي لهدمه. وربما يدين الترابي التحالف مع إسرائيل، وقد يكون لديه تحفظات عليه ولكنه لم يخرج ليقول لنا هذا على الملأ.

الحركات الإسلامية الإفريقية

** ماذا لو حاولنا رسم صورة عن الحركات الإسلامية الإفريقية من حيث توجهها ومرجعياتها؟ وهل لها مراكز ثقل؟

- يوجد الآن في إفريقيا حركات إسلامية قوية جدا، وهذه الحركات الإسلامية للأسف غير موجودة في سجلات العالم الإسلامي أو مراكز صناعة القرار بالعالم الإسلامي، ويمكن أن نسجل هنا ثلاث حركات إسلامية:

أولها: حركة إسلامية في الصومال استطاعت أن تقيم نظاما سياسيا وهي حركة "المحاكم الإسلامية"، وهي حركة قوية تمكنت من أن تقيم دولة في ظروف صعبة، ولكن للأسف هذه الدولة تم القضاء عليها بغزو إسرائيلي أمريكي أثيوبي مشترك، والآن هذه الحركة لديها جناحان هما: "حركة الشباب" وهي حركة مسلحة لا تؤمن بالحلول الوسطى، وهناك حركة أخرى يقودها الشيخ شريف وهو يريد أن يتعامل مع مستجدات السياسة العالمية، وهو يدرك أهمية العمل السياسي والتنازلات والمفاوضات وأهمية الوصول بالقضية إلى الرأي العام العالمي.

رافد مهم من تلك الحركة متأثر بالعمل السياسي الإسلامي السوداني، وأعضاؤها خريجو بعض المدارس في مصر وبعض المدارس في السودان وبعض المدارس في الصومال، وهي تحالف عريض من حركات مختلفة ومن مكونات الشعب الصومالي، وأصبحت من الحركات الأساسية في الجهاد المدني لإبعاد الأثيوبيين وقد قاموا بزيارة مصر وتحدثوا إلى "عمرو موسى" ووزير الخارجية "أبو الغيط": وستتوجه الآن إلى أوروبا.

** تحدثت عن واحدة فماذا عن الثلاث الباقيات؟

الحركة الثانية في كينيا وهي حركة مهمة؛ لأن المسلمين الكينيين يمتلكون حاليا 33 مقعدا في البرلمان الكيني من أصل 220 مقعدًا، أي ما يقارب عدد مقاعد الإخوان المسلمين في البرلمان المصري، وهي حركة ناضجة إلى حد كبير ومتحالفة مع "أودنجا" وتشاركه الحكم الفيدرالي، والفيدرالية بالنسبة لها تعني أنها ستكسب إقليمًا عربيًّا في "منبثة"، ومنبثة هي ميناء كل شرق إفريقيا وهي الميناء الذي يغذي جنوب السودان ويغذي كينيا وكذلك رواندا وبروندي وشرق الكاميرون وهذه إضافة للجغرافية الإسلامية؛ لأن معظم أهالي "منبثة" مسلمون ويتمتعون بوضع اقتصادي جيد. والإقليم الثاني هو الإقليم الشمالي الشرقي في كينيا أيضا وهو يحكمه الصوماليون.

أما الحركة الإسلامية الثالثة فهي في جنوب إفريقيا وهي دولة لها وزنها الاقتصادي، ويكفي أن نذكر أن الكهرباء المنتجة من جنوب إفريقيا تعادل الكهرباء المنتجة من سائر البلاد الإفريقية بما فيها مصر وشمال إفريقيا، ولكنها تفتقر للأمن، وبالرغم من أن الحركة الإسلامية هناك تعد من الأقليات، حيث إن عدد المسلمين هناك لا يتجاوز 5% من السكان، لكن لديهم عدد من الوزراء وعدد من المسلمين بالحكومة، كما أنهم كانوا مع مانديلا منذ الأيام الأولى.

حركة إسلامية" أم "حركة مسلمين"؟

**هل تقصد في حديثك "حركة إسلامية" أم "حركة مسلمين"؟

-لا يمكننا الفصل بين المسلمين والحركة الإسلامية في المجتمعات الإفريقية، ولا يمكن إسقاط الحركات الإسلامية في الوطن العربي على الحركات الإسلامية في المجتمعات الإفريقية، حيث إن الحركات في الوطن العربي لها مشروع سياسي داخل أغلبية مسلمة أما في المجتمعات الإفريقية، فالمسلمون مثلا في جنوب إفريقيا أقلية، ولا يتعدى عددهم مليونا شخص من بين 34 مليونًا؛ وبالتالي هي لا تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن تجعل اللغة العربية هي لغة البلد، ولكنهم يتكلمون عن حقوقهم وعن مساجدهم وعن تمثيل مقدر لهم في الدوائر، ويتحرك المسلمون ككتلة وليس كتيار، فالمجلس الأعلى لجنوب إفريقيا غير الإخوان المسلمين، هم في بلدهم يجمعون حولهم كل من يدين بالإسلام من شيعي وسني، فيجب التحرر من المفهوم الضيق للجماعة الإسلامية في إفريقيا.

** ما هي الحدود الفاصلة بين الحركات الإسلامية في الوطن العربي والحركات الإسلامية في إفريقيا؟ وما هي خطورة الخلط بين الاثنين؟

- أقرب شيء أنك في أغلب الدول العربية لا تجد مشكلة في التعامل مع اللغة؛ فاللغة العربية واحدة، أما في المجتمعات الإفريقية فلابد من تعلم اللغة العربية، ومدرس اللغة العربية يرتقي أعلى منصب، كذلك قضية الأحوال الشخصية والزواج، فالزواج هناك مدني أو كنسي، كذلك فإن الأجندات في الدول العربية مختلفة عن الأجندات في المجتمعات الإفريقية؛ فمثلا في مصر تهدف الحركة الإسلامية في الاستحواذ على السلطة، أما في المجتمعات الإفريقية فهو أمر غير وارد تماما، وهدف المسلمين هو أن ينالوا حقوقهم في التعليم وبناء المساجد والزواج الإسلامي، ففي غانا يطالبون بالاعتراف بهم.

وقد لعب الاستعمار دورا مهمًّا في طمس الوجود الإسلامي في إفريقيا، فمدينة باماكو في مالي كانت من أكبر الجامعات الإسلامية، بها التجار والنساجون، وتخرج منها قوافل الحجيج في القرن الثالث عشر الميلادي، إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي، وأصبحت اللغة الرسمية هي الفرنسية، وبعد ذلك أصبح كل ما يشغل هذه المدينة أن تصنع قنوات تواصل تستعيد بها علاقتها بالعالم الإسلامي لذلك فهي مشغولة بالحفريات والآثار للبحث عن الجذور حتى تتواصل مع العالم الإسلامي.

** ما طبيعة العلاقات بين المسلمين في هذه الدول وبقية العالم العربي؟

- بعض أبناء هذه المناطق يأتون إلى مصر، وبعضهم يذهب إلى السودان ويتعرف على الحركة الإسلامية بها، وهناك من يذهب إلى المغرب، ومن هنا جاءت لهم فكرة أن يتحركوا ويعملوا بشكل جماعي، كذلك فكرة أن يكون لهم قائد يحركهم وهي فكرة لم تكن غائبة عنهم والجماعة والأمير، وهذه المناطق بها إمارات إسلامية قديمة مثل إمارة وداي غانا ومالي، وحدث توفيق بين تراث تلك الإمارات والحركات لإنتاج ثقافة إسلامية وتحول إسلامي.

وهذه المناطق في كامبالا وفي منابع النيل وفي كينيا والكومسا وجنوب إفريقيا وغيرها هي فضاء إفريقي واسع يحتاج إلى من يشغله، وإن كان عبد الناصر قد جعل إفريقيا إحدى دوائر امتداده السياسية، فإنه لم ينفذ للب المسألة الثقافي والحضاري، فهو زوَّج فتحية من نيكروما في غانا، لكنه لم يدعم المجموعات الإسلامية ولم يجعل للأزهر نشاطا هناك، ولم يبن المساجد، ولم يجعل للحركات الإسلامية وضعًا مثلما تفعل الكنائس ومثلما يفعل الغرب مع الجماعات الموصولة به، والآن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الفضاء الإفريقي من قبل القيادات العربية والإسلامية لتجاوز أخطاء الماضي.


  صحفي مصري.

 

ابحث

بحث متقدم