English

 

السبت. أبريل. 5, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات عربية

 
أهم الأخبار  

الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات *

غبريال حبيب

هل ينقذ الحوار الكوكب الأرضي؟..
هل ينقذ الحوار الكوكب الأرضي؟..

أود أولا أن أقول لكم إنني لست خبيرا في قضايا الحضارات والأديان والثقافات المعروفة. إن الأمور التي أعرفها هي ما اقتبست فقط من خبرتي للحركة المسكونية في الشرق الأوسط. لذلك أرجو أن تساعدوني على توضيح هذه القضايا وأهمية الحوار حولها.

ماذا عن الحضارات؟

عالميا يبدو أن هناك تفاعلا بين الحضارة والدين والثقافة، مما يجعلني أعتقد أنه من الصعب التفرقة بينها وبحثها كل على حدة. كما يجعلني ذلك أعتقد أنه من الطبيعي التقليل من أهمية فكرة الصراع بين الحضارات التي أطلقها السيد صاموئيل هنتنجتون في كتابه المشهور عن صراع الحضارات. وذلك بسبب اكتشافي الأمرين التاليين:

1- أن الظواهر الحضارية الحالية تبدو أنها تتفاعل أو تتكامل مع التي حصلت في الماضي. هذا ما تشير إليه الأديان السماوية بقبولها أن إله إبراهيم هو ذاته أمس واليوم وغدا.

2- أن لا حضارة قامت في التاريخ دون أن تكون قد تغذت من حضارات أخرى. الحضارة المشرقية مثلا هي نتيجة التفاعل بين حضارات الصين وإندونيسيا وبلاد فارس والعربية والإسلامية وغيرها.

في الشرق الأوسط: أريد هنا أن أركز على مسألة علاقة ما يسمى بالحضارة الغربية مع العالم العربي والإسلامي، وأذكركم بالأمرين التاليين:

1- أن النهضة في الغرب لم تنشأ من الفراغ ولم تحصل فجأة من لا شيء دون التواصل بشكل مباشر مع حضارات سبقتها، كالحضارة العربية والإسلامية التي اقتبس منها الغرب أيام الأندلس. إن ما أخذه الغرب من العرب لم يكن فقط مجرد أعمال مترجمة، بل أيضا أعمالا مشروحة ومضافة إلى ما كان عنده.

2- كان الشرق الأوسط دائما بسبب وضعه الجغرافي مزيجا من الأعراف والحضارات والأديان والثقافات، مما جعل الناس يعيشون في هذه المنطقة اليوم نتائج ومظاهر الحضارة الغربية المعاصرة، وفي الوقت ذاته ما جعلهم يعيشون القيم الحضارية والدينية الماضية التي مازالوا يقدرونها، مثل الأمور التالية:

أ -  الإنسان هو ذات هوية وطنية أو قومية وفي الوقت ذاته دينية.

ب- الإنسان ليس فردا مستقلا، بل هو أيضا ذو هوية جماعية. كانت الجماعة في الماضي تسمى القبيلة، وتسمى اليوم العائلة، أو عند اليهود "شعب الله المختار"، وعند المسيحيين "الكنيسة"، و"الأمة" عند المسلمين.

ج- الماضي مهم، وليس فقط الحاضر والمستقبل، كما هو الحال في الحضارة الأمريكية.

الحوار المطلوب يعني رفض الصراع والتقاتل بين ما يسمى بالحضارات ولا سيما بين الحضارة الغربية الممثلة بأوروبا والولايات المتحدة، وما يسمى بالحضارة العربية أو الإسلامية. وبالتالي فإن إقامة الحوار بين هاتين الحضارتين يهدف إلى إحياء التفاعل والتفاهم بينهما من أجل السلام في الشرق الأوسط وفي العالم أجمع.

ماذا عن الأديان؟

عالميا: يبدو لي أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبروز فكرة "النظام العالمي الجديد" (The New World Order)، تهمشت بصورة عامة الإيديولوجيات المادية والعلمانية، وأصبح الناس يعودون إلى الهوية الدينية التي كانت الإيديولوجيات المعاصرة قد تخطتها. ونتيجة لذلك أصبح الدين مصدر القوة السياسية والعنف. ففي الغرب تزايد العنف ضد أديان العالم الثالث، ولا سيما الإسلام. وفي الشرق الإسلامي تزايد أيضا عنف إسلام المتطرفين كردة فعل ضد الغرب، المتمثل اليوم بأمريكا التي أصبحت تفرض ذاتها كحضارة مثالية، وذلك على الأسس التالية: مبدأ فصل الدين عن الدولة - مثالية الديمقراطية الغربية - منافع المجتمع الاستهلاكي - وأهمية تدويل السوق الحرة.

في الشرق الأوسط: إن إسرائيل الصهيونية قد استغلت الوضع العالمي وأصبحت كدولة يهودية تعمل على تفتيت المنطقة العربية إلى دويلات دينية وعرقية من أجل تبرير ذاتها. هذا ما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أن يفعله في لبنان في الثمانينيات، وما يحصل اليوم في العراق، استغلالا أو تأييدا لتصرف الولايات المتحدة في المنطقة العربية.

من جهة أخرى وبسبب تعدي الغرب، ولا سيما أمريكا، على الشرق العربي والإسلام، ازدادت قوة التيار الإسلامي المتعصب والمتطرف، فصار من جهة يسمح للقوى الكبرى أن تستغله من أجل تحقيق أهدافها، ومن جهة أخرى أصبح هو أيضا يستغل القوى السياسية بهدف تحقيق أهدافه الدينية المتطرفة، وذلك بواسطة استعمال العنف أو قتل "الآخر" باسم الله، ناسيا محبة الآخرين التي دعا إليها الرسول محمد، وغير مهتمٍ بمعارضة أكثرية المسلمين ضد التيار المتطرف والعنفي. يمكن أن نذكر هنا أن العرب قد سبقوا الغرب في مسألة فصل الزمن عن الروح، لكن الغرب قد ترجم ذلك إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة، مما يُسمى "بالعلمنة". أما عند عرب اليوم فإن تطبيق "العلمنة" غير كامل، مما يدعو إلى "الاجتهاد" عن الإسلام لتوضيح علاقة الدين بالدولة.

من جهة المسيحيين أصبح ما يسمى بالمسيحية "الإنجيلية المحافظة" أو "المسيحية الصهيونية" في أمريكا يدعو إلى الإيمان بأن إسرائيل هي محققة النبوءات، وهي طريق عودة الملكوت السماوي. كما أصبح هذا التيار المحافظ يعتبر أن أمريكا هي اليوم الإمبراطورية المسيحية الجديدة. كل ذلك يقود أيضا إلى العنف الذي ترفضه وترفض أسبابَه أكثر الكنائس المسيحية في أمريكا وفي المشرق العربي. لسوء الحظ، إن ما ذكرته عن تصرف الأديان والسياسات في الشرق الأوسط قد أدى إلى القيم غير الإبراهيمية التالية: تثبيت الحق بالقوة - القبول بالواقع - قتل الآخر بدل الحوار معه.

الحوار

هناك حوارات كثيرة تقوم اليوم في الغرب بين المسيحية واليهودية، وبين المسيحية والإسلام في الشرق الأوسط، حيث إن الحوار بين الإسلام واليهودية ما زال صعبا، بسبب الحرب بين إسرائيل والعرب. على كل حال إن الحوارات القائمة بين الأديان المعنية في الغرب وفي الشرق الأوسط إنما تقوم بهدف تبادل الآراء وليس لإقناع الآخر، وذلك على أساس أن الحقيقة الإلهية والإنسانية هي جامعة.

1- عالميا ، يمكنني أن أذكركم باقتراح الحوار الذي تضمنته الرسالة التي وجهها عدد كبير من المسلمين إلى القيادات المسيحية بتاريخ 13 (أكتوبر) تشرين الأول 2008، داعين إلى "ما هو مشترك بيننا" ومركزة على الأمور التالية: حب الله - حب الآخر أو الجار- السعي إلى عالم سواء - والإيمان بأن القلب هو الدافع.

اتخذت هذه الرسالة علامة رجاء، وسيقام اجتماع تحضيري في الفاتيكان للقاء مسيحي/ إسلامي واسع يعقد في نيسان أبريل 2008.

2- في الشرق الأوسط ، عقد في الأزهر في آذار 2006 لقاء حوار بين المنتدى الإسلامي ومجلس كنائس الشرق الأوسط، وكان موضوع الحوار: "الدين وحقوق الإنسان وواجباته". ونوه المؤتمر بفكرة أن الإسلام واليهودية والمسيحية أديان إبراهيمية متكاملة، وأن المنطقة هي أرض الرسالات السماوية، وأرض الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي الهام. فعلى شعبها أن يساعد العالم على إيجاد الحوار بين هذه الأديان الثلاثة من أجل السلام بين الحضارات والأديان والثقافات.

وفي البيان المشترك، شدد المجتمعون على أمور كثيرة منها:

أ- أن الإيمان بحياة الإنسان وكرامته هو هدية من الله تعالى.

ب- التأكيد أن الواجبات أساس تقرير الحقوق، إذ لا حقوق بدون واجبات، فهما متلازمان. هناك حقوق إنسانية ولكن هناك أيضا واجبات.

ج- المرأة والرجل شريكان في الحقوق والواجبات على أساس المساواة والتكامل بينهما.

د- الاعتماد على ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات المتصلة به.

هـ- التأكيد على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي.

هناك حوارات أخرى تتم أيضا في العالم العربي بواسطة مجلس كنائس الشرق الأوسط وهيئات دينية أخرى. إن هذه المحاولات تهدف بصورة خاصة إلى الأمور التالية:

أ- مساعدة الأديان التوحيدية على التحرر من عقد الماضي مثل اللاسامية ضد اليهود، وعقدة العنف الصليبي ضد المسيحية، وعقدة الإسلام هو دين العنف ضد المسلمين.

ب- مساعدة الأديان التوحيدية على اكتشاف قيم روحية مشتركة تفرض مساعدة الفقير واللاجئ، كما تدعو المؤمنين إلى إتمام الحرية والمساواة بين البشر، بصرف النظر عن عرقهم ودينهم وثقافتهم، وإلى العدالة والسلام في العالم.

ماذا عن الثقافة

في الشرق الأوسط يعيش الناس نوعا من الازدواجية الثقافية، وذلك بين ظواهر "العلمنة" الآتية من الغرب والظواهر الناتجة عن الدين أو عن الحضارة القديمة. وتظهر الازدواجية الثقافية اليوم في الأمور التالية

أ - استعمال التكنولوجيا وفي الوقت نفسه محاولة تخطيها وفق القيم الدينية التي ما زالت مهمة في الشرع والدين.

ب- اللباس الخارجي على الطريقة الغربية عند البعض وعلى الطريقة القديمة عند البعض الآخر.

ج- الاتكال على القوة البشرية دون الله.

د - التوجه بالواقعية بدل المثالية.

هـ- التصرف اقتصاديا حسب المتطلبات "الاستهلاكية" على الطريقة الغربية، ولاسيما الأمريكية.

الحوار المطلوب في هذا المجال هو محاولة التفاهم بين البشر المنتمين لثقافات مختلفة بهدف التوصل إلى التفاعل بين ثقافاتهم المختلفة دينيا أو إنسانيا، والإغناء المتبادل بهدف تثبيت الوحدة الإنسانية.

الخلاصة

بالنهاية أعتقد أن هدفنا المنشود هو المساعدة على تعميم الحوار بهدف تحقيق السلام بين البشر بصرف النظر عن خصوصية أديانهم وثقافاتهم وحضاراتهم، وذلك من أجل تفادي التصادم والعنف بينهم ومساعدتهم على إغناء بعضهم البعض دينيا وثقافيا وحضاريا بهدف التوصل إلى قيم روحية وأدبية مشتركة.

من أهم القضايا على هذا الصعيد الآن منع الصراعات بين الأديان والمناهج الحضارية القائمة، وتشجيع العمل من أجل السلام في العالم، وضمان الوحدة الإنسانية بالرغم من الفوارق الحضارية والدينية والعرقية. هذا يعني أنه يجب أن نشدد على احترام الخصوصية الدينية أو الثقافية أو الحضارية، وفي الوقت ذاته يجب أن نسعى إلى التفاعل الإيجابي مع الحضارات والثقافات والأديان الأخرى.


الأمين العام السابق لمجلس كنائس الشرق الأوسط.

* كلمة شارك الكاتب بها في ندوة بعنوان "خلاصات من تجارب حوار بين ثقافات وأديان وحضارات"، نظمها مركز الحوار العربي في واشنطن في 30/1/2008.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات