|
من إصدارات معهد كاتو الأمريكي (2006م) حول العراق |
مع حلول الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي للعراق انشغلت مراكز البحوث والدراسات الأمريكية Think Tanks بإجراء مراجعات للتجربة الأمريكية في العراق بهدف محاولة تقييمها والوقوف على نتائجها وتقصي الدروس المستفادة. في هذا الصدد جاءت الورقة التي نشرها معهد كاتو الأمريكي Cato instituteفي مارس الماضي على موقعه الإلكتروني بعنوان "تعلم الدروس الصحيحة من العراق" "Learning the Right Lessons from Iraq".
أعد الورقة البحثية كل من بنيامين إتش. فريدمان Benjamin H. Friedman الباحث بمعهد كاتو والمرشح لنيل درجة الدكتوراه في برنامج دراسات الأمن في معهد ماساشويستس للتكنولوجيا MIT ) Massachusetts Institute of Technology) وهارفي إم. سابلسكي Harvey M. Sapolsky أستاذ التنظيم والسياسة العامة في الـ ( MIT)، وكريستوفر بريبل Christopher Preble مدير قسم السياسة الخارجية بمعهد كاتو.
في المقدمة أكدت الورقة أن الدرس الرئيسي الذي يجب أن تتعلمه الولايات المتحدة من حرب العراق هو أن عليها تفادي مهام إعادة بناء الدول؛ لأن ذلك يخرج عن نطاق قوتها أو على الأقل يتطلب تكلفة باهظة جدا. وعارضت الورقة إجماع الآراء القائل إنه يمكن تحقيق الاستقرار في العراق من خلال تخطيط أحسن، وعدد قوات أكبر، وعقيدة أفضل لمكافحة "التمرد"، ومزيد من التعاون والتنسيق بين الأجهزة الحكومية الأمريكية، ورأت أن هذه الأمور ليست هي الحاسمة لتحقيق الهدف المطلوب، وفي سبيل إثبات ذلك جاء تناول تلك الأمور وغيرها على النحو التالي:
حجم قوة الاحتلال
اشتكى العديد من الخبراء من حجم قوة الاحتلال الصغير الذي لا يتناسب مع الأحداث التي شهدها العراق بعد سقوط النظام. ورأى هؤلاء أنه كان على الولايات المتحدة أن ترسل عددا أكبر بكثير من 150.000 جندي حتى تكون القوات قادرة على تحقيق الاستقرار. وقد تراوحت تقديرات الخبراء بين 380.000 جندي و500.000 جندي وذلك تحت قناعة بأن مستويات عالية من الجيوش كانت ضرورية لتحقيق النجاح في العراق وعمليات استقرار أخرى.
غير أن الورقة لا ترى أن حجم القوات يعد سببا في عدم النجاح، وذلك لعدة أسباب منها: أنه كان من الصعب أصلا، إن لم يكن مستحيلا، للولايات المتحدة إبقاء مئات الآلاف من الجنود في العراق لمدة طويلة، وذلك لأسباب تتعلق بجداول التناوب والدوران والروح المعنوية للجنود، وعدم جاهزية تلك القوات للتعامل مع مسائل مثل أعمال التمرد وحل الخلافات السياسية والعرقية القائمة، بالإضافة إلى أن وجود القوات الأمريكية ذاته ربما استفز القوى العراقية، خاصة السنية، ودفعها إلى "التمرد".
حل الجيش ومحاربة البعث
يشير أغلب منتقدي إدارة الرئيس بوش إلى أن قرارات مثل حل الجيش ومحاربة البعث قد شجعت "التمرد". فإلى جانب إضعاف قدرات الدولة وبيروقراطيتها الإدارية والعسكرية فإنها أيضا تسببت في غضب وفقر السنة الذين تحول العديد منهم إلى "متمردين" ماهرين جدا.
وبالرغم من أن هذه القرارات ربما لعبت دورا في الفشل الأمريكي في العراق فإنها لم تكن الشرط الضروري لنشوب أعمال العنف الطائفي وحالة عدم الاستقرار. فهذا الشرط كان متوفرا أصلا في الحالة العراقية قبل مجيء الاحتلال. فقد كان صدام حسين يحكم دولة ذات طوائف متعددة تم صهرها بالقوة، ومن ثم كان سقوطه دافعا إلى نشوب منافسة على السلطة من المحتمل أن تحل بالسلاح، وذلك مهما كانت قرارات سلطات الاحتلال اللاحقة حول الجيش والبعث. بمعنى آخر فإنه سواء تم حل الجيش والبعث أم لا فإن أعمال العنف كانت ستندلع لا محالة.
التخطيط السيئ والخاطئ
تنتقل الورقة إلى مناقشة سبب آخر رأى البعض أنه كان وراء الفشل في العراق وهو ما يتعلق بالتخطيط السيئ والخاطئ. فحسب منتقدي إدارة بوش كان من شأن تخطيط أفضل أن يكون هناك قوة احتلال أكبر تمنع انهيار السلطة المركزية كما أن التحضير الكافي كان من شأنه أن يجعل سلطة التحالف المؤقتة أوسع وأكثر كفاءة فلا تحل الجيش وتطارد البعث بشكل جنوني وترتكب من الأخطاء الكثير.
وإلى جانب ذلك - وكما يقول منتقدو الإدارة الأمريكية - فإنه كانت هناك حالة من عدم التنسيق والتعاون بين أجهزة الإدارة ووكالاتها، بحيث كانت وزارة مثل الدفاع تتصرف بمفردها دون الاستماع إلى وزارة الخارجية أو الاستخبارات. ومع أن هذه الورقة قد استعرضت جهود معالجة هذا الخلل فإنها لم تتفق مع تلك الانتقادات ولا مع المعالجات المقترحة أو التي تم الأخذ بها وأرجعت ذلك إلى سببين رئيسيين:
1- أن التخطيط للحرب كان وفيرا وعلى دراية كبيرة بما يمكن أن يحدث بعد سقوط النظام، لكن المشكلة كانت هي عدم رغبة بعض الأجهزة (البنتاجون على وجه الخصوص) في استخدام الخطط.
ومن أبرز هذه الخطط مشروع وزارة الخارجية الخاص بالعراق الذي تنبأ بعدد من المشكلات التي من الضروري أن تؤخذ في الاعتبار خلال عمليات استقرار ما بعد الحرب، مثل الفوضى وفراغ السلطة ومحاولات الفصائل والقوى "المتطرفة" أن تملأ هذا الفراغ. غير أن هذا المشروع قد أهمل بسبب تكليف وزارة الدفاع بمهمة إدارة الاحتلال. وقد كانت هذه الوزارة ضد عملية بناء الدولة وأرادت أن يكون الجيش خارج العراق في خلال شهور، مهما كانت الصعوبات.
وإلى جانب مشروع وزارة الخارجية أعدت وكالة المخابرات المركزية تقريرين مختلفين بخصوص ظروف ما بعد الحرب، الأول حذر قوات الاحتلال الأمريكية مما يمكن أن تواجهه في العراق، والآخر اختص بالتطورات في المنطقة. وتوقعت الوكالة أن التوترات العرقية والطائفية في العراق ستجعل الأمر صعبا لتأسيس ديمقراطية ليبرالية تكون بمنزلة نموذج للمنطقة، غير أن الرئيس ومستشاريه الكبار لم يرحبوا بهذا التحليل.
2- إن الخبراء الذين يقولون إن مزيدا من التخطيط الأمريكي كان من شأنه أن ينقذ العراق خلطوا بين قوة غزو البلدان الأجنبية وبين قوة إدارتها. صحيح أن القوة العسكرية تسهل من قمع العنف السياسي، لكنها لن تكون قادرة على إقناع الناس لتشكيل حكومة وإطاعة قوانينها. فأداء وظائف الدول الحديثة يتطلب مشاركة ملايين الناس الذين يقومون بهذه الأشياء لأنهم يؤمنون بفكرة وطنية تنظم الدولة أَو لأنهم مجبرون.
وفي حالة العراق كان هناك نوع من الإجبار تحت حكم صدام حسين لكن مع زوال صدام وظهور الطموحات المتناقضة للسنة والشيعة والأكراد لم تعد هناك الفكرة الوطنية التي تجمعهم، ومن ثم تبدو إشكالية الهوية واضحة في هذه الحالة، فلو أن الولايات المتحدة احتلت بلادا حيث الهوية الوطنية سليمة وتساعد ببساطة في إدارة مؤسساتها وفي الأمن، فإن بناء الدولة قد ينجح. لكن النجاح يتطلب تعاون السكان أَو جزء منهم، وهو الأمر المفقود في العراق، وهذا ليس شيئا يمكن خلقه من خلال التخطيط.
خدعة مكافحة "التمرد"
يفسر بعض الخبراء الفشل في العراق بعدم قدرة الجيش على محاربة أعمال "التمرد". فبدلا من أن تلجأ القوات الأمريكية، في إطار معالجتها "للتمرد"، إلى مساعدة السكان وجمع المعلومات الاستخبارية وغيرها، تعاملت معه على أنه خصم تقليدي فاستخدمت العمليات الهجومية ذات الكثافة العالية، وأرسلت الدوريات التفقدية، وأجرت عمليات مسح لتصفية "المتمردين"، والنتيجة كانت أسر عشرات الآلاف، العديد منهم أبرياء، في سجون مثل أبو غريب. وقد أدى ذلك إلى غضب السكان السنة، وقادهم بعيدا إلى "التمرد" المسلح. علاوة على ذلك - يضيف هؤلاء الخبراء - فقد أدى تفادي التحضير لمكافحة "التمرد"، إلى أن تعاني القوات الأرضية عجزا في الموارد البشرية التي كانت في حاجة إليها، مثل ضباط يملكون خبرة في مثل هذه الحروب: متحدثون عرب، محققون عسكريون، وضباط مخابرات تعلموا فن جمع معلومات من الناس.
وبرغم اتفاق الورقة بدرجة أو بأخرى مع هذه الانتقادات واعتبار أن القيام بإصلاحات بهدف تحسين عقيدة الجيش في مواجهة أعمال "التمرد" قد تؤدي إلى بعض النتائج.. رغم ذلك فإنها أشارت إلى مشكلتين تعيقان قدرة القوات الأمريكية على التعامل الصحيح مع أعمال "التمرد" وعلى تحقيق الاستقرار في العراق.
المشكلة الأولي تتعلق بالخلاف القائم حول توزيع السلطة بين طوائف العراق، فبدون دولة مركزية مؤهلة تؤمن بها المجموعات العراقية المختلفة فلن تستطيع وسائل مكافحة "التمرد" أَن تضمن بقاء العراق موحدا، ففي ظل هذا الخلاف يمتنع السكان المحليون عن تقديم الدعم للقوات الأمريكية، خاصة في ظل عدم التآلف مع العادات واللغة.
ولمواجهة هذه الصعوبة ينبغي إغراق البلاد بالقوات وحماية المدنيين والفوز بتحالفهم وسحق "التمرد" بالمعلومات المخابراتية التي يوفرها السكان. والدخول في تحالفات - تقوم على مصالح مشتركة - مع المجموعات المحلية القوية كما نرى في الأنبار. إن نجاح الحرب ضد "التمرد" يتطلب ضرورة فهم الثقافة، وتجنب العنف ذي النتيجة العكسية، والحصول على مساعدة السكان وكسب ولائهم، وجعل عمليات إعادة البناء جائزة للتعاون، وتدريب القوات المحلية جيدا، واختيار الحلفاء بحكمة.
المشكلة الثانية تتعلق بالهوية الوطنية الأمريكية. فرغم أن البعض يحاول تبرير الاتجاه إلى إقامة إمبراطورية أمريكية قادرة على صناعة الدول وعلى مواجهة الإرهاب فإن أمريكا ومهما تغير الوضع بعد 11 سبتمبر، تبقى من الناحية الثقافية غير مستعدة للإمبريالية. بمعنى أنها غير ملائمة لتحقيق الاستقرار في الدول الفاشلة ولإنجاز النجاح في الحروب الخارجية الطويلة.
ويرجع ذلك إلى سمات الهوية الأمريكية التي تريد أن تكون الحروب حاسمة، والنهايات واضحة، والقضية مستقيمة، وتفضل الهجوم على الدفاع، لأنه أكثر حسما، وغيرها.. وتقف هذه السمات ضد تحقيق النجاح في مواجهة أعمال التمرد وبناء الدول.
وإلى جانب ذلك فإن هناك سببا أخيرا يقف وراء عدم إتقان الولايات المتحدة لمكافحة التمرد وبناء الدولة، وهو أنه ليس من الضروري أن تفعل ذلك، خاصة أن الفوز بالحروب الصغيرة لم يكن أبدا ضروريا إلى الأمن الأمريكي، والحقيقة أن محاولة فرض السيطرة على مجتمعات عدائية يمثل مصدر عدم الأمان.
كذلك إن القول بأن هناك حاجة إلى أن تكون أمريكا إمبراطورية عالمية من أجل مكافحة الإرهاب يتجاهل أن المؤسسات الأمريكية لم تُخلق لذلك، كما أن تلك الأفكار تخلط مكافحة الإرهاب بمكافحة التمرد. وترى الورقة أن الولايات المتحدة يمكن أن تطارد وتأسر أَو تقتل الأقلية الصغيرة للجهاديين jihadists الذين يريدون مهاجمة الأمريكيين (وهم أنفسهم يشكلون أقلية صغيرة من الإسلاميين العنيفين) لكنها لا تحتاج أن تفرض سيطرتها على الدول الأجنبية لكي تقوم بذلك، حيث يمكن من خلال التعاون مع الحكومات الأخرى التي نتحالف معها أن ننجح في عمليات مواجهة الإرهاب كما حدث فيما يتعلق بالقبض على رمزي بن الشيبة وخالد شيخ محمد.
تخلص الورقة إلى أن تلك الأسباب التي ذكرت حول الفشل الأمريكي في العراق ليست في الحقيقة هي المسئولة عن هذا الفشل، وإنما المسئول عن ذلك هو أن الولايات المتحدة لا تمتلك القدرات الكافية للدخول في عمليات بناء الدول التي تتطلب فترات كبيرة نسبيا. ومن ثم فإن من بين الدروس المهمة المستقاة من الحرب في العراق هو أن صناعة الدول تخرج عن حدود القوة الأمريكية، وأنه لا ينبغي أن يصبح العراق معمل تجارب لإتقان القيام بذلك، وأنه إذا أرادت أمريكا أن تحارب الإرهاب فالطريق ليس احتلال الدول وإعادة بنائها وإنما هناك وسائل أخرى مثل: التعاون مع الحلفاء المحليين، الاستخبارات، الضربات الجوية، الهجمات الأرضية، والتهديد بالانتقام، علاوة على نشر الديمقراطية، ولكن ليس عن طريق القوة والإجبار وإصدار الأوامر ولكن من خلال جعلها نموذجا يروج لنفسه.
باحث سياسي مصري
*الورقة التي نشرها معهد كاتو الأمريكي Cato institute على موقعه الإلكتروني بعنوان" تعلم الدروس الصحيحة من العراق" "Learning the Right Lessons from Iraq"
|