English

 

السبت. أبريل. 5, 2008

نماء » قضايا اقتصادية » مصر والسودان

 

من أين يأكل العرب

قمح مصر.. مناقشات فجرتها طوابير الخبز

حمدي الحسيني

Image

"عض قلبي ولا تعض رغيفي".. هذا المثل هو خير ما ينطبق على الحال في مصر حاليا.. فقد أضحى الحصول على الخبز سببا لمعركة يومية، يسقط فيها العديد من المواطنين بين قتلى وجرحى في الطوابير أمام المخابز.. هذا الوضع على الرغم من سوئه فإن من إيجابياته أنه فتح المجال لمناقشة تتجدد دائما بمصر حول أزمة القمح ووسائل علاجها.

انطلقت المناقشات من تحديد حجم المشكلة، وكانت الإحصائيات الصادرة عن مركز معلومات مجلس الوزراء خير وسيلة لذلك، حيث كشفت عن أن مصر تستورد حوالي 60%من احتياجاتها الغذائية من الخارج، كما تواجه نقصا كبيرا في بعض المحاصيل البقولية الضرورية لسد الفجوة الغذائية.

وأوضحت الإحصائيات أن القمح من أهم المحاصيل التي يتم استيرادها، ويصل حجم الاستيراد السنوي إلى حوالي سبعة ملايين طن، يليه الذرة بمقدار خمسة ملايين طن، ومليون طن زيت، ومليوني طن فول مدمس الذي يمثل ركنا أساسيا على مائدة ملايين المصريين بصورة يومية.

وتأتي أهمية القمح في مصر من منطلق العادات الغذائية المصرية التي تعتبر رغيف الخبز هو أساس المائدة، ولذلك ظل تأمين الاستهلاك محليا يشكل أكبر تحدٍ يواجه الحكومات المصرية المتعاقبة على مدار خمسين عاما هي عمر أزمة القمح بمصر، حيث يصل إجمالي الاستهلاك السنوي إلى أكثر من 12 مليون طن، بينما حجم المنتج المحلي لا يزيد علي 7 ملايين طن، وهو ما يفرض على الحكومة استيراد حوالي 50% من حجم الاستهلاك من الخارج.

واعتادت الحكومة المصرية على تخصيص بند مستقل في الميزانية العامة للدولة لدعم رغيف الخبز بلغ نحو 15 مليار جنيه "حوالي 3.3 مليار دولار" وفقا لميزانية 2008، ويوجد في مصر نحو 18 ألف مخبز يقدر حجم الدقيق الفاقد والمتسرب منها ما قيمته مليار جنيه سنويا.

تجربة د.جويلي

ويمثل عدم الاعتماد على دولة واحدة فقط في الاستيراد، بالإضافة إلى زيادة الإنتاج المحلي من القمح لتقليل حجم المستورد، الحل المنطقي للأزمة التي كشفت عنها الإحصائيات.

وامتزجت الرؤى حول كيفية تحقيقه بين الماضي والحاضر، فاستجلبت بعضها التجارب التي طرحت من ذي قبل ودعت إلى تطبيقها.

وكانت تجربة د. أحمد جويلي وزير التموين الأسبق هي الأكثر حضورا، حيث كان له السبق في طرح فكرة تنويع أسواق الاستيراد، وبدأ في البحث عن أسواق بديلة ووضع خطة شملت فتح قنوات اتصال مع كافة الدول العربية والإسلامية التي تتمتع بفائض من القمح.

وبالفعل نجح أثناء وجوده بالوزارة في استيراد كميات كبيرة من القمح السوري والفرنسي وأيضا من بعض الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن هذا الاتجاه لم يكتب له الاستمرار، حيث تصاعدت الانتقادات له، بحجة رداءة القمح الفرنسي الذي وصف بأنه غير صالح للاستهلاك وقال المنتقدون إن السلطات تتعمد شراء النوعيات الرديئة والرخيصة لتقليل التكاليف.

لكن الدكتور أحمد جويلي نفى هذه الاتهامات مجددا وفسر شكوى الناس من رداءة نوعية القمح أنه يرجع إلي سوء التخزين واتباع أساليب غير علمية في حفظ الاحتياطي الإستراتيجي في صوامع غير مطابقة للمواصفات مما يؤدي إلى تلف وتعفن قسم كبير من المخزون فتتضاعف الأزمة يوما بعد يوم.

القمح أم البرسيم

وطرحت قضية التنافس بين البرسيم والقمح بمصر في إطار المناقشات الخاصة بمحور زيادة الإنتاج المحلي، وطالب د. عبد السلام جمعة المعروف بـ"أبو القمح" برفع سعر توريد القمح المحلي ليصل إلى السعر العالمي مما يعد حافزا للفلاحين على زراعة القمح بدلا من البرسيم، حيث يمثل التنافس بينهما أهم التحديات التي تعوق زيادة الإنتاج المحلي من القمح، ويرجع ذلك لأن البرسيم يدر عائدا اقتصاديا ضخما مقارنة بالقمح، حيث يتم تصدير جزء كبير منه إلى عدد من دول الخليج والمملكة العربية السعودية، كما أن الاستثمارات العربية في مجال الزراعة اتجهت مباشرة له.

ويا ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فإلى جانب ذلك فإن الكمية المنتجة من القمح لا توجه بالكامل إلى الخبز، حيث كشف أمين أباظة وزير الزراعة على خلفية رده بمجلس الشعب على انتشار شائعة قيام مجهولين بشراء سنابل القمح الخضراء وحرقها لتجويع الشعب المصري، عن قيام شركات مستحضرات التجميل والحلوى بشراء القمح وهو لا يزال سنابل خضراء لاستخدامه في منتجاتها، ومع تقليل وزير الزراعة من هذا الأمر الذي لا يشمل سوى أفدنة محدودة، إلا أنه يطرح وبقوة ضرورة تعديل الحكومة لسعر إردب القمح، حتى لا تتفاقم الظاهرة وتضيف مع مشكلة البرسيم مزيدا من العبء.

وكانت الحكومة قد اعتادت على تحديد سعر متدنٍ لا يزيد عن 180 جنيها "35 دولارا" لإردب القمح، بينما تستورده من الخارج بسعر يزيد عن 300 دولار.

ويتضامن مع ذلك، كما يؤكد د. جمعة، ضرورة بذل مزيد من الجهد لزيادة المساحة المخصصة لزراعة القمح من 3 ملايين إلى 4 ملايين فدان وزيادتها مليونا آخر لتصل إلى 5 ملايين في عام‏2017‏، وتكاتف الجهود الحكومية والأهلية لاستصلاح مزيد من الأرض ورفع إنتاجية الفدان وتطوير نظم الري.

الزراعة بالخارج أحد الحلول

ودعا بعض الخبراء إلى الزراعة خارج مصر كوسيلة لتحقيق الزيادة في الإنتاج المحلي، ولفت د. حسن الحيوان أستاذ إدارة الأعمال بجامعة عين شمس الانتباه إلى السودان، وقال إنها تمتلك مساحات قابلة للزراعة تصل إلي حوالي 30 مليون فدان تتوافر لها مياه الري سواء عبر مياه النيل أو الأمطار، كما أن لدى مصر الخبرات الفنية والأيدي العاملة المدربة القادرة على تحويل أغلب هذه المساحات إلى محاصيل زراعية منتجة بعد أن ثبت إمكانية زراعة أنواع من القمح والبقوليات بمساحات كبيرة هناك، فضلا عن زراعة ملايين الأفدنة من محصول عباد الشمس لاستخراج زيت الطعام الذي تعاني من ندرته مصر وأغلب الدول العربية.

ويتماشى مع هذا الاتجاه الفكرة التي كان قد تقدم بها د. حسن خضر زير التموين السابق والخبير الزراعي لحكومة الدكتور عاطف عبيد، والخاصة بشراء مساحات من الأرض الزراعة الواسعة من الحكومة الكندية، وإرسال آلاف الفلاحين لزراعتها بالقمح والمحاصيل الأخرى على أن يتم تحويل الناتج إلى السوق المصرية، ولاقت الفكرة اعتراضا من جانب الخبراء بسبب المناخ بكندا الذي تتجمد فيه التربة لفترات طويلة كل عام.

كما تم طرح فكرة شراء مصر مساحات ضخمة من الأرض لزراعتها بمحصول القمح في جمهورية كازاخستان، وذلك خلال زيارة الرئيس المصري حسني مبارك لها عام 2007، إلا أنها لا تزال قيد البحث والدراسة من جانب مسئولي البلدين ولم تر النور بعد.

الخلط بالذرة

ومع تقديره لهذه الحلول إلا أن د. أحمد خورشيد الخبير في معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية يقترح –أيضا- التوسع في زراعة الذرة وتحسين سلالته ليدخل في صناعة الخبز بجانب القمح، خصوصا أن تجارب عديدة تم إجراؤها على إنتاج رغيف مخلوط وثبت نجاح هذا الرغيف بل تبين أن قيمته الغذائية أعلى بكثير وجودته تفوق نظيره من رغيف القمح الخالص.

وتبقى في النهاية حقيقة خلصت إليها المناقشات، وهي أن حل المشكلة ممكنا، إذا تم التعامل معها على المدى البعيد، وليس بشكل وقتي، وعموما يمكن القول "رب ضارة نافعة"، فقد فجرت أزمة طوابير الخبز القضية لفتح حوار بين الخبراء حول سبل علاجها.. ويبقى المهم تنفيذ ما ستسفر عنه هذه الحوارات.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم