|
| مسلمو هولندا.. وجود إيجابي مؤثّر |
تكرّرت الإساءات وتكرّرت ردود الأفعال وتكرّر اختلاف المواقف، وأصبح السؤال الأهمّ الذي ينبغي طرحه بعيدا عن تطرّف الإساءات والغضب الذي تثيره -بحقّ- لدى المسلمين هو: أين هي الصيغة الإسلامية الشاملة التي تحدّد المنطلق والهدف والوسيلة والآليات التطبيقية العملية، للتعامل مع هذه "الظاهرة"؟..
لا قاسم مشتركا
القضية خطيرة ومثيرة، سواء من حيث قصد المسيئين أن يجعلوا من الاستفزاز مدخلا إلى ما هو أكبر شأنا وأبعد مفعولا، ممّا نطلق عليه أحيانا وصف الصراع الحضاري أو صراع الأديان أو ما شابه ذلك، أو من حيث إنّها تمسّ مقدّسات لا يجوز المساس بها، بمختلف الأديان والأعراف، أو من حيث إنها تثير المشاعر الغاضبة على أوسع نطاق جماهيري.. ولكن لهذا كلّه وجب التعامل مع هذه القضية الكبيرة الخطيرة بقدر كبير من الحكمة والروية، وهذا ما نضعه بين أيدي من يملكون بحكم مكانتهم ومواقعهم وعلمهم إمكانات التصدّي لها، وتوجيه المسلمين للتعامل معها، والتأثير على "الطرف الآخر"، وهو هنا ليس من يمارس الإساءة مباشرة، بل مجموع البنية الفكرية والسياسية في الغرب.
ومن الضروري ابتداء تجنّب وضع جميع الإساءات في سلّة واحدة، ولا التعامل معها تعاملا متماثلا، فلا حاجة إلى الإسهام في الجمع بين مجموعات عدائية في "جبهة مشتركة" وليس لهم مثل هذه الجبهة، ناهيك عن التعميم المطلق دون تمييز بين فريق وآخر، وهم يتفاوتون في درجة عدائهم وأسبابه، ناهيك عن فريق من المنصفين يحتاج إلى الدعم لا المقاطعة، والسعي لزيادة قدرته على التأثير لا الإسهام في إضعاف صوته وجهوده وإن كانت حتى الآن محدودة ضعيفة.
لا بدّ من التمييز بين:
- إساءات تصدر عن أناس مغمورين عُرفت أسماؤهم من خلال الإساءة فحسب، مثل صاحب الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركي.
- وإساءات تصدر عن متطرّفين حاقدين من أصحاب الأغراض السياسية المحضة، مثل صاحب الإساءة الأخيرة في فيلم مركّب قصير تجاه القرآن الكريم.
- وإساءات تصدر عن أفراد يمثلون مؤسسات وهيئات ولهم مكانة التأثير في مجتمعاتهم، مثل بابا الكنيسة الكاثوليكية الرومية بينديكت السادس عشر.
الاختلاف كبير بين هؤلاء وسواهم، وهو اختلاف منطلقات وأهداف في الدرجة الأولى، فمن المغمورين من لا يطلب سوى الشهرة، وبات التطرّف في العدوان على مقدّسات المسلمين سبيلا من السبل إلى ذلك، لأنه يجد الترويج من جانب فريق آخر، وهو فريق نسبة لا بأس بها من العاملين في حقل الإعلام وقطاعات فكرية وبحثية واسعة في الغرب، فهذه يسيطر على نسبة عالية منها تحالفٌ نشأ عبر عدة عقود بين نشطاء الحركة الصهيونية والمتأثرين بها من جهة، ونشطاء العلمانية المتطرّفة والمختلفين في ذلك مع كثير من أهلها من جهة أخرى، وهؤلاء يؤثّرون على كثير من السياسيين المسئولين، الذين يبحثون عن التأييد عبر تلك الوسائل، إضافة إلى ما لديهم من مواقف ذاتية تجاه الإسلام والمسلمين وقضاياهم.
كثير من هؤلاء يجمعهم العداء المستحكم المباشر للإسلام، ليس جهلا به -فلا يكفي الرد عبر التعريف به- بل إدراكا لحقيقة أنّ انتشاره وانتشار تأثير مبادئه في حياة البشرية، من شأنه أن يزعزع أسباب هيمنتهم وسيطرتهم، داخل مجتمعاتهم نفسها وعلى المستوى العالمي، فهم يصنعون ما يصنعون في هذه المرحلة التاريخية المتميّزة بالذات، والتي تشهد فيما تشهد اغتيال الحروب الأمريكية للبقية الباقية من مكانة القيم الغربية، فيعملون من أجل تجنيد "الجماهير" من عامة الغربيين ضدّ الإسلام، والتعويض بذلك عن خلل لا يُستهان به في غير صالح الغرب فيما يمكن وصفه بمعركة القيم على مستوى البشرية.
وكثير من هؤلاء يعتمدون فيما يعتمدون عليه، على أسلوب الاستفزاز لتكون ردود الفعل الجماهيرية أو الفردية من جانب المسلمين، والتي تنطوي بطبيعة الأمور وتأثير الغضب والانفعالات على انحرافات وأخطاء، فيجعلون منها مدخلا لانتقاء حالات يعمّمون الحديث عنها، لتكون شواهد وحججا يعتمدونها في تعزيز أسباب سيطرتهم، وللتضليل المتبع للتخويف من الإسلام وأهله، جنبا إلى جنب مع شغل الشعوب الغربية نفسها عن الاهتمام بما يقع من مآس وكوارث في البلدان الإسلامية نتيجة الهجمة "الصهيو – أمريكية" وعسكرة مسيرة هيمنتها العالمية.
أما الفريق الثالث من وزن البابا الكاثوليكي، فلا يمكن تصنيف إساءته الخطيرة خارج نطاق خطوة متعمّدة، ربما كانت دفاعية بأمل تحريض الكاثوليكيين على الرجوع إلى الكنيسة بعد انتشار العزوف عنها عبر عقود ماضية عديدة، وربما كانت هجومية مقصودة في إطار ما أثارته سنوات عهد بوش الابن والمحافظين الجدد من حروب للهيمنة العالمية واستخدامهم تعبير "الحرب الصليبية" وربطهم بين الإسلام وكلمة "الإرهاب" كما يصنفونها، وممارستهم الإرهابية لأشدّ ألوان العداء المباشر للإسلام والمسلمين وقضاياهم وبذور النهضة الحضارية المحتملة في أرضهم.
إساءة على أرضية جديدة
إذا صحّ تصنيف الكاريكاتيري الدنماركي المتطرّف كورت فيسترجارد في فريق المغمورين الذين لم يعرف شيء عنهم، حيث لم يعرف اسمه إلا بعد الإساءة وردود الفعل عليها، فمن العسير تصنيف النائب الهولندي المتطرّف جيرت فيلدرز إلا في فريق سياسيين انتهازيين، وقد كان تطرّفه معروفا داخل بلده على الدوام، حتى خرج من حزبه اليميني الأوّل "حزب الشعب" وأسّس "حزب الحرية"، الأشد تطرّفا، وحصل على 9 مقاعد في المجلس النيابي الهولندي في انتخابات 2006م، لا تكفي قطعا لأكثر من المشاغبة على الأحزاب الأخرى، وقد تميّزت معركته الانتخابية بتهجّمه على الإسلام وعلى الوجود الإسلامي في هولندا، في فترة احتقان شديد في هولندا، نشأ بعد جريمة قتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ، بعد إساءته المعروفة عبر فيلم عدواني على قيم الإسلام.
على أنّ فيلدرز أساء الحسابات كثيرا بمحاولته الجديدة لكسب مزيد من التأييد الشعبي، فقد اختلفت الظروف في هولندا عمّا كانت عليه قبل عامين، واختلفت الظروف حتى على المستوى الأوروبي والعالمي. ولا يمكن -ولا ينبغي للمسلمين ودعاتهم وعلمائهم- إغفال الفوارق الكبيرة بين التعامل المحلي الهولندي والأوروبي والعالمي مع الإساءة الكاريكاتيرية الدنماركية، وهذه الإساءة التي لا يمكن وصفها بالهولندية، ولا الأوروبية، بل هي إساءة فيلدرز، وفيلدرز وحده.
في الإساءة الكاريكاتيرية تحوّل صنيع فرد واحد ومن ورائه صحيفة محلية، إلى قضية بلد، عندما اتخذت الحكومة الدنماركية موقف الدفاع عن صنيعه، وأبت في البداية مجرد استقبال السفراء من بلدان إسلامية للحوار، واعتبرت عمله جزءا من الحرية الغربية، وردود الأفعال الجماهيرية والإسلامية نتيجة تحريض مقصود، من جانب المسلمين في الدنمارك، ومن جانب علماء ودعاة مسلمين "متشدّدين".
وعلى المستوى الأوروبي وجد أهل السياسة والإعلام أنفسهم بين خيارين، لا علاقة لهما بحقيقة الإسلام وحقيقة الإساءة، بل كان الموقف حصيلة سياسة واقعية بالمفهوم الحديث للكلمة الذي يمكن أن يتجاوز اعتبارات القيم جميعا، فكان على الأوروبيين إمّا التضامن مع الدولة الأوروبية التي استهدفتها الغضبة الجماهيرية والمقاطعة الشعبية، أو تركها منفردة في الميدان، فكان "التضامن" هو الخيار على الرغم من إدراك المخاطر المترتبة عليه.
أمّا ما صنعه النائب المتطرّف فيلدرز فوجد ما يتراوح بين النقد والرفض وبين الإدانة الشديدة، من جميع الأطراف دون استثناء، بدءا من الحكومة الهولندية، مع عدم استبعاد الهدف السياسي في مواجهة حزب متطرّف خارج نطاق ائتلافها الحزبي، مرورا بوسائل الإعلام الهولندية التي رفضت استغلال فيلدرز لها، ومرورا بأوساط المستشرقين الهولنديين الذين يعبر عنهم "فان كونينجسفيلد" الأشهر من سواه، وصاحب كتاب "أسطورة الخطر الإسلامي"، وانتهاء بكبار المسئولين في الاتحاد الأوروبي وعلى مستوى الأمانة العامة للأمم المتحدة.
وربما ساهم في ذلك الموقف الهادئ والحكيم من جانب المسلمين في هولندا نفسها وعلى المستوى الأوروبي، ولكن لا ريب أيضا أن الأوساط السياسية في الغرب وربما الإعلامية عموما، أدركت في هذه الأثناء -ليس بسبب التجربة مع الكاريكاتيرات الدنماركية فقط- أنّه ليس في مصلحة الغرب الدخول في معركة صراع حضاري أو الانسياق وراءه مع ما أثارته حروب الهيمنة الأمريكية، وأنّه لا بدّ من العمل الآن على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة تجنّب أن تنعكس حصيلة تلك الحروب سلبا على الغرب نفسه.
ومن المؤكّد أيضا أنّ هذا أثّر على الموقف الشعبي في هولندا، إذا صحّ ما أورده بعض مؤسسات استطلاع الرأي العام، أنّ "حزب الحرية" المتطرّف بزعامة فيلدرز، قد خسر بعض التأييد الشعبي، المحدود أصلا، بعد إساءته الأخيرة مباشرة.
البعد القانوني بالغرب
إلى جانب التمييز بين إساءة وإساءة، وبين مصادر الإساءات، يوجد أمر آخر ينبغي وضعه في الحسبان إذا أردنا الوصول إلى صيغة شاملة للتعامل مع مثل تلك الإساءات، وهو الأرضية القانونية التي يتحرّك عليها المسيئون، ويتحرك عليها ويلتزم بها المسئولون في الغرب أيضا.
ولا يخفى علينا -ولا ينبغي أن نتجاهل- أنّ ما قد يسري في البلدان العربية والإسلامية، من أنّ المسئول السياسي قادر على أن يمنع ويحظر دون أن يخشى من محاسبة نيابية أو ملاحقة قضائية، لا يسري ما يشابهه في البلدان الغربية، مع عدم إغفال نقاط الخلل الكبيرة القائمة في الغرب على صعيد ما يوصف بسيادة القانون واستقلال القضاء ومفعول النظرة المادية على هذا الصعيد.
القوانين الغربية السارية المفعول حاليا هي الأرضية التي تمكّن المسيئين من ممارسة ما يمارسون وهو آمنون على أنفسهم من المحاسبة إلى حدّ لا بأس به، حتى في حالة إدراك المسئولين السياسيين خطورة ما يصنعون.
قد تصدر عن مؤسسات واتحادات إسلامية وعن الدعاة والعلماء في البلدان الإسلامية احتجاجات قوية ومنطقية، وقد تصدر عنهم مطالب محددة بشأن إزالة الخلل القائم، وسدّ الثغرات القانونية، واعتبار الإساءة إلى الدين الإسلامي والأديان عامة، أمرا يستوجب الملاحقة القانونية والقضائية، ولكن لن تتحرّك الأجهزة التشريعية الغربية إلاّ عندما تتجاوز الضغوط الإسلامية حدود ما تصنعه مظاهرات جماهيرية، أو مقاطعة شعبية، تشتدّ وتضعف، وتنتشر وتتقلّص، كي تصل تلك الضغوط إلى مستوى الحكومات العربية والإسلامية نفسها، فتضع سياسة مشتركة، قائمة على مخططات مشتركة، للتعامل مع المسئولين في البلدان الغربية، والمطالبة من خلالهم، بتسوية أوضاعهم القانونية الحالية، بعد أن أصبحت الإساءات المتكررة، معولا يهدم ما تبقّى من قيم الحرية الغربية نفسها، وليس في بنيان المصالح الغربية المحضة مع المنطقة الإسلامية فحسب.
على أن الموقف الجامع والقوي لا يتحقق دون أن تتوافر له شروط، لا بد من التساؤل إذا كانت قابلة للتحقيق في المستقبل المنظور، ومنها:
1- لا ينتظر أن يصدر موقف موحد وفعال للدول العربية والإسلامية ما دامت تمرّ بمرحلة استعراضية لعمق خلافاتها في التعامل مع القضايا المصيرية التي تواجهها مباشرة داخل أراضيها، وما مثال القمة العربية في دمشق ببعيد.
2- لا ينتظر لأي موقف انفرادي أو جماعي، يصدر عن الحكومات العربية والإسلامية، أن يكسب مصداقية كافية للتأثير على المواقف الغربية، ما دام التعامل الرسمي مع الإساءات للإسلام وللإنسان، داخل بلدانها، في حاجة إلى الإصلاح من الجذور.
3- لا فائدة من مواقف رسمية وبيانات استنكار تقليدية، ما لم تكن صادرة عن مخطط يضع في حسابه استخدام لغة المصالح المتبادلة بمعنى الكلمة، فمع كل التقدير لحقيقة أن المعركة الجارية معركة قيم أيضا، يبقى التأثير الأكبر على صانع القرار في الغرب، هو تأثير المصالح.
4- التعامل الرسمي والشعبي انطلاقا من البلدان العربية والإسلامية -إذا تجاوزنا مواطن الخلل المشار إليها- يفتقر علاوة على ذلك افتقارا شديدا إلى دعم فريق المنصفين داخل البلدان الغربية، والمسلمين من المواطنين فيها، دعما حقيقيا ومتواصلا، فهم أقرب إلى التأثير على صناعة القرار في تلك البلدان، وأقرب إلى معرفة المواطن الفاعلة فيه، والأساليب المناسبة للتعامل معها.
وجه آخر
تكرار الإساءات يشهد أنّ القضية ليست جديدة، وإذا أردنا الدقة فإن الكتابات الغربية، الفكرية والإعلامية، والإبداعات الغربية، عبر الصور والأفلام في السينما والتلفاز وحتى في لعب الأطفال، وكذلك كثير من التصريحات والممارسات السياسية الغربية.. جميع ذلك انطوى لعقود عديدة -وبعضه لقرون متوالية- على نسبة عالية من الإساءات، التي لم تقف عند القرآن الكريم ومقام النبوة، مع فارق رئيسي بينها وبين ما نعايشه في السنوات القليلة الماضية، أنّ ثورة الاتصالات الإلكترونية جعلت متابعتها من جانب نسبة عالية من الشعوب في البلدان الإسلامية شاملة وسريعة، أكثر ممّا مضى، عندما كانت تلك الإساءات تربّي أجيالا غربية في المدارس والبيوت والجامعات، وتصنع في نهاية المطاف أناسا من أمثال النائب المتطرّف جيرت فيلدرز الهولندي، ومن قبله المخرج المتطرّف ثيو فان جوخ، وفيما بين هذا وذاك الكاريكاتيري الدنماركي المتطرّف كورت فيسترجارد.
ولنلاحظ أنّ صفة التطرّف المشتركة بين هؤلاء وأمثالهم، لا يطلقها المسلمون عليهم فحسب، بل هم معروفون بذلك بين بني قومهم، وفي الوقت نفسه أصبحت أعمالهم من خلال التركيز عليها نتيجة التركيز على عنصر الإثارة -ولأسباب أخرى- في وسائل الإعلام، تطغى على مقولات ومواقف وممارسات منصفة، لم تعد تنقطع، وتذكّر بما كان يشابهها في مطلع عصر التنوير الأوروبي، تجاه الإسلام، والقرآن الكريم، والنبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.
بين يدي كاتب هذه السطور، كتاب بالألمانية صدر قبل أسبوعين فقط (آذار/ مارس 2008م) لكاتب اشتغل ما يناهز عشرين عاما في السياسة ومثلها في الإعلام، وله مكانته في بلده، ويتحدّث في كتابه الجديد عن المقاومة الشعبية العراقية ضدّ الاحتلال الأمريكي، فيقول ضمن ما يقول -والترجة حرفية- "لم أقرأ كتابا أكثر إثارة وقدرة على استخدام الكلمات مثل العهد القديم (التوراة)، ولا كتابا ينشر إحساس المحبة بين أوراقه مثل العهد الجديد (الإنجيل)، ولا قرأت كتابا حافلا بروح العدالة في طيّاته مثل القرآن، الذي يخترق بإبداعه البلاغي حتى الحاجز الذي تصنعه الترجمات الضعيفة لنصه العربي"، ويضع الكاتب بذلك عنصر العدالة كعنصر مميز للنص القرآني، مقابل عنصري الإثارة والمحبة في التوراة والإنجيل كما يراهما.
هل تنقل وسائل الإعلام الغربية ووسائل الإعلام في البلدان الإسلامية، مثل هذا الموقف -ولم يعد استثنائيا إطلاقا- مثلما تتناقل الأخبار والمقالات والتحليلات والمواقف حول إساءة نائب يميني متطرّف، هبطت شعبية حزبه داخل بلده، عقب نشره ذلك الفيلم القصير المسيء، والضعيف بأسلوب إنتاجه وإخراجه، عن القرآن الكريم والإسلام والمسلمين؟..
بل بدلا من ذلك يستشهد كثيرون بإساءات قديمة صدرت عن الشاعر الإيطالي دانتي، أو الفيلسوف الفرنسي فولتيير، والجدير بالتنويه أنّ هذين بالذات -وهما أشهر من وساهما في الإساءة- رجعا عن إساءاتهما في مؤلفات أخرى قبل وفاتهما، ولكن النسبة الأعظم من كبار الفلاسفة والمفكرين والشعراء والأدباء الأوروبيين قديما، كانت لهم أقوالهم ومواقفهم المنصفة، ولم تصدر عنهم إساءات يرجعون عنها لاحقا، ومن هؤلاء جوته الألماني:
كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي.
القرآن كتاب الكتب، وإني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم.
بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن التشريع في الغرب ناقص بالنسبة للتعاليم الإسلامية، وإننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، ولن يتقدم عليه أحد.
أو برنارد شو البريطاني:
قرأت حياة رسول الإسلام جيدا مرات ومرات، فلم أجد فيها إلا الخلق كما ينبغي أن يكون، وكم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم.
لقد درست محمدا باعتباره رجلا مدهشا، فرأيته بعيدا عن مخاصمة المسيح، بل يجب أن يدعى منقذ الإنسانية، وأوروبا في العصر الراهن بدأت تعشق عقيدة التوحيد، وربما ذهبت إلى أبعد من ذلك فتعترف بقدرة هذه العقيدة على حل مشكلاتها، فبهذه الروح يجب أن تفهموا نبوءتي.
أو إرنست رينان الفرنسي:
لم يعترِ القرآن أي تبديل أو تحريف، وعندما تستمع إلى آياته تأخذك رجفة الإعجاب والحب، وبعد أن تتوغل في دراسة روح التشريع فيه لا يسعك إلا أن تعظم هذا الكتاب العلوي وتقدسه.
أو ليو تولستوي الروسي:
سوف تسود شريعة القرآن العالم لتوافقها وانسجامها مع العقل والحكمة.
لقد فهمت.. لقد أدركت.. ما تحتاج إليه البشرية هو شريعة سماوية تحق الحق، وتزهق الباطل.
أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضا آخر الأنبياء.
أو مايكل هارت الأمريكي:
لا يوجد في تاريخ الرسالات كتاب بقي بحروفه كاملا دون تحوير سوى القرآن الذي نقله محمد.
أو يوشيو دي كوزان الياباني:
لا أجد صعوبة في قبول أن القرآن كلام الله، فإن أوصاف الجنين في القرآن لا يمكن بناؤها على المعرفة العلمية للقرن السابع، الاستنتاج الوحيد المعقول هو أن هذه الأوصاف قد أوحيت إلى محمد من الله.
أو هانس كونج السويسري:
محمد نبي حقيقي بمعنى الكلمة، ولا يمكننا بعدُ إنكار أن محمدا هو المرشد القائد إلى طريق النجاة.
أو لا مارتين الفرنسي:
أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة وافية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود.
أي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد، وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ، لقد هدم الرسول المعتقدات الباطلة التي تُتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق.
أو إيرنبيرج النرويجي:
لا شك في أن القرآن من الله، ولا شك في ثبوت رسالة محمد.
أو ليس من المفيد أن نجد آليّة مناسبة للإجابة على إساءات المسيئين، وتضليل المضلّلين داخل الغرب، بإجابات فلاسفتهم ومفكريهم على إساءاتهم وتضليلهم؟.. أو لا يكون لذلك من التأثير على الجمهور الغربي المستهدف ما لا غنى عنه، إلى جانب الجهود المبذولة للتعريف بحقيقة الدين الإسلامي، وكلام الله تعالى، والسيرة النبوية، من المصادر الإسلامية، والتي بلغ مفعول التشكيك فيها أصلا مدى بعيدا على مستوى العامة؟..
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|